الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

رحلة الريح الجنوبية ..



منذ ساعات الصباح الباكر تهب على بنغازى رياح القبلى الحارة فتلفح الوجوه ويسود الوجوم والضيق الاجواء العامة فى المدينة ، فرياح القبلى لها تأثيرها على المزاج العام لسكان بنغازى وإحساسهم بعدم الإرتياح وزيادة إرهاقهم ، فى اوقات هبوبها بالاخص فى موسم الربيع حيث يكون لشهر ابريل نصيب الأسد فى عدد العواصف الرملية التى تترك تأثيرات صحية كالأزما و امراض العيون وغيرها ، فى مثل هذا الطقس الصعب يخيم السكون على المدينة ، فالزوابع وعصفات الرمال فى الهبوب والتدفق والانتشار فى ارجاء المدينة تدفع السكان للشعور بالوحدة والعزلة التى لايسهل التعبير عنها .

منذ ساعات الصباح كنت انصت الى صوت الريح وهى تصفر فى أرجاء المدينة الساكنة ، لتختلط اصوات الريح العاصفة بضجيج بعض المصلين والسيارات المارة من شارعنا  فى ساعات الظهيرة ليعود الهدوء ليعم الارجاء من جديد ، ثم يحدث انقلاب مفاجىء فى الطقس الى رياح باردة تبشر بجلب امطار خريفية طال انتظارها .

ولم نكد نقترب من منتصف الليل حتى انهمر المطر بغزارة ليغسل شوراع المدينة المتربة والمنهكة ، وليضفى بعض البهجة على ارواحنا الظمآنة ، فترف الريح الطيبة لتصبح نفسا ً عذبا ً ، ولتعبر ظلال افكارى وتأملاتى عبر حوائط وشوراع المدينة  ، كنت استرجع ماسبق قرأته حول ريح القبلى فى المؤلفات والكتب التاريخية،  إذيقدم لنا المؤرخ الاغريقى الشهير هيرودوت رواية حول الاسباب التى ساهمت فى انقراض البسيلى وهى قبيلة ليبية فى العصر الاغريقى وحلول قبيلة ليبية اخرى محلها هى الناسامونيس فى كتابه الرابع المسمى بالكتاب الليبى ، فى الفقرة (173) يكون البسيلى (البسولوى) جيرانا للنسامونيس ، وقد انقرض هؤلاء بالشكل التالى : بعد أن هبت رياح جنوبية جفت صهاريج المياه ، وهكذا أصبحت كل أرضهم الكائنة داخل اقليم سرت بدون ماء . وبعد أن تشاوروا قرروا جميعا الزحف ضد رياح الجنوب (أقول الأشياء نفسها التى يقولها الليبيون) وبعد أن صاروا وسط الرمال هبت رياح الجنوب وردمتهم . وبعد أن أبيد هؤلاء استولى النسامونيس على أرضهم.


إذ اعتُبرت الرياج الجنوبية أى القبلى من ألد اعداء قبيلة البسيلى فقرروا شن هجوم عليها فى عقر دارها فى الصحراء الليبية الشاسعة والجافة ، ربما يبدو تفسير هيرودوت مضحكا ً لنا فى الزمن الحديث ولكنها طريقة المؤرخين فى تفسير وتقديم معلومات حول وقائع تاريخية او احداث تخص بعض الشعوب والقبائل فى تلك الازمنة القديمة لفترة ماقبل الميلاد .

ويمكن للباحثين فى التاريخ القديم فهم الفقرة اعلاه حول انقراض هذه القبيلة الليبية بأنها تعكس مقدار ماكانت تتسبب به تلك الرياح الحارة فى الازمنة القديمة خاصة فى المنطقة الساحلية الوسطى من ليبيا .

وتحدثنا الكتابات والروايات التاريخية القديمة حول دور رياح القبلى فى قهر جيش عظيم هو جيش الملك الفارسى قمبيز ففي عام 525 قبل الميلاد توجه قميز لاحتلال واحة سيوه  ومنها ينوي الأتجاه غربا كان جيش الملك الفارسى  قمبيز متكون من خمسون ألف جندي وردمته رياح القبلي بالصحراء ولم ينجى منه احد بما فيها من حمولة إلف بعير من الأموال و المجوهرات التي كان قد غنمها من الشرق ومصر ويرجح الكثير من الباحثين والاثريين ممن خاضوا فى هذه الحادثة التاريخية أن  بقايا جيشه مردومة حتى هذه اللحظة تحت رمال الصحراء الليبية التي نقلتها رياح القبلي .
 ولم تكن هذه الحادثة هى الوحيدة فى التاريخ الليبى عبر العصور ، ففى العام 1992 كادت رياح القبلى التى تهب فوق الصحراء الليبية ان تؤدى بحياة المناضل الفسلطينى ياسر عرفات عندما وقعت طائرته وتحطمت فى الصحراء الليبية عند اقصى جنوب شرق ليبيا ، والذي ذهب ضحيته 3 من أفراد الطاقم الجوي حيت كانت العاصفة الرملية في ذلك اليوم هي السبب المباشر لهذا الحادث وكذلك السبب في التأخير في عمليات البحت والإنقاد التي جرت على الطائرة المنكوبة وركابها، حيت لم يتمكن الطيارين من الهبوط في مطار الكفرة نتيجة لوجود عاصفة رملية قوية مصحوبة برياح شديدة وزوابع رملية لم تمكنهم من رؤية المدرج ففضلوا التوجه إلى مطار السارة ولكن لسؤ الحظ سبقتهم العاصفة إليه مما أضطرهم للهبوط الإضطراري وكانت النتيجة مميته ومؤلمة.
كما عرفت بنغازى الالفية الجديدة ايام طويلة وصعبة من حصار رياح القبلى لسكانها فى اعوام 2006 2007 و 2009 ، ويتندر الليبيين بارتباط احد تلك العواصف الرملية بزفاف عائشة ابنة الدكتاتور القذافى فأسموه عجاج عويشة نكاية فى مظاهر الاحتفالات الباذخة بالزفاف التى كُشف عنها فى وقت لاحق عبر تسريبات الصور والفيديوات قبيل اندلاع ثورة فبراير لتزيد من تأجيج الانفس ضد النظام المنهار .

كان الليبيون فى العقود الاخيرة يفسرون هبوب هذه الرياح بأنها غضب من الله على صمتهم على ماكان يرتكبه النظام السابق من جرائم علنيا ، ففى اول حوادث الاعتداء على حرمات الشعب الليبى قيام القذافى بنبش قبر الامام محمد ابن علي السنوسي المتوفى سنة 1860 والمدفون  فى زاويته ببلدة الجغبوب  حيث جرد حملة عسكرية الى بلدة الجغبوب سنة 1984  ليقوموا مجموعة الانقلابيين بقيادة المدعو حسن اشكال ابن عم القذافى بالاشراف على نبش القبر ونسف الضريح ، كما نبشت قبور السادة والإخوان وزوجات السيد محمد بن علي السنوسي الموجودة في المقبرة الملحقة بالجامع ، ثم يقوم أشكال بهدم زاوية الجغبوب ويستخرج الرفات ويلقى به فى مكان مجهول بفيافى الصحراء ، حينها تهب على مدن شمال ليبيا رياح صحراوية عاتية تستمر لايام تجعل من الرؤية صعبة ، فيتحول احساس الناس بالذنب أمام صمتهم على تلك الجريمة البشعة بحق رفات اموات رحلوا قبل قرن من الزمان مدفونين فى عمق الصحراء الليبية  ، وليستعيد الناس مع تلك الحادثة البشعة ذكرى رياح قبلى مرتبطة بأسم الاسرة السنوسية ، ففى العام 1953 هبت رياح قبلى عاتية صرت تعرف بين الناس بتسمية عجاج سيدى المهدى ويقدم لنا الباحث شكرى السنكى رواية حول تلك الحادثة الملتصقة بالمخيلة الشعبية الليبية فيقول : 

 (عاد السيد أحمد الشريف بالعائلات إلى الكفرة، وقام السيد أحمد الريفي بنقل جثمان السيد المهدي إلى الكفرة بعد عامين من وفاته ، وبعد نصف قرن من وفاته أى فى سنة 1953 قررت حكومة المملكة الليبية نقل جثمان السيد المهدى من الكفرة إلى الجغبوب ، وتصادف ذلك مع هبوب رياح قبلية كثيفة الرمال ، ما اشتهر باسم "عجاج سيدى المهدى" ، واعتبره الناس علامة على عدم رضاه وبالفعل فقد ألغت الدولة مشروع نقل الجثمان ، ممايدل على عمق الاعتقاد فى ولاية السيد محمد المهدى أنذاك ).

 ويسجل دارس المناخ فى ليبيا ارقام حول اكثر المدن التى تهب عليها رياح القبلى الحارة فمحطات الأرصاد الجوية السينوبتيكية في طبرق وهون وسرت هي الأكثر عرضةً للعواصف الرملية بتردد سنوي قدره 15 و 13 و 11 عاصفة على التوالي ، ويصبح العجاج اسم لسوق شعبى شهير فى مدينة طبرق ، كما يتحول الى رمز لمدينة اجدابيا الواقعة بموقع يتوسط خطوط القوافل التجارية البرية التى تربط الشمال الليبى بالجنوب وبعمق القارة الافريقية حيث تلعب تلك المدينة المتربة على مدار العام دور هام وحيوى فى الفترة الاسلامية لتعود وتحتل مركز هام فى فترة الاستعمار الايطالى حيث اصبحت عاصمة للامارة السنوسية الاولى فى عشرينات القرن الماضى .

وتعُرف الرياح الصحراوية الجنوبية بتسمية محلية  القبلى او العجاج بحسب التعبير الشعبى الرائج بين الناس وهى كلمة مشتاقة من عَجَاج اسم علم مذكر عربي ، معناه : الدخان ، الغبار مع الريح . عَجّاج اسم علم مذكر عربي ، من الفعل عجَّ عجاً وعجيجاً : صاحَ رفع صوته . والعجّاج : صيغة مبالغة . 
هذا و حملت  طائرات الاستطلاع الايطالية فى الحرب العالمية الثانية اسم "جيبيلى" نسبة للتسمية المحلية فى ليبيا للرياح الصحراوية الحارة أى رياح القبلى و التى سميت كذلك بسبب هبوبها من جهة القبله ، ثم يقوم فنان الكرتون اليابانى الشهير" هاياو ميازاكي" المغرم بالطائرات وبكل ماهو إيطالى فى العام 1985 باطلاق اسم تلك الطائرات على شركته " استديوجيبيلى" .

وكما قلت فأن الجيل القديم من الليبيين يرون فى تأخر سقوط المطر فى فصل الخريف وهبوب رياح القبلى حتى بعد صلاة الاستسقاء طلبا للمطر يرون ارتباطه بأمور معنوية وغيبية أكثر من تفسيره بحسب التقلبات المناخية فكبار السن يرون ان سقوط المطراو استمرار هبوب الرياح الساخنة المزعجة  حتى بعد الاستسقاء مرتبط بالنوايا الحسنة والاعمال الخيرة وصلاح المجتمع فكان كبار السن من الاجيال السابقة يرددون (مبروك صلاة استسقاكم سود انياكم ربى بالقبلى كافاكم )  

ولايغيب القبلى والعجاج عن القصائد الشعرية فى الادب الشعبى فهناك غناوة علم رائجة للشاعر الشعبى الشهير مراد البرعصى يقول فيها : (قبلي الياس اعصره قبل احسابي فيهم وما نلنا جنا محصول ) . 
كما لايغيب القبلى والعجاج فى الادب الليبى الحديث ففى ادب خليفة الفاخرى نقرأ جزء من احد قصص مجموعته ( موسم الحكايات ) قصة تحمل اسم رحلة الريح الجنوبية التى يضمنها وصف للرياح الحارة   ...( حين تهب رياح ( القبلي ) في بنغازي الضيقة الصدر، تصبح وجوه الناس حالكة كالحة  وحيــن ينهمر المطر يكسوها شعور غامر بالاستياء، لأن الكثيرين لا يفكرون الا في الغدران التي ستملأ الطرقات . ولـكن انسانا ما، في مكان ما، يظل جذلا عبـر انهمار المطر، مفكرا ــ فقـط ــ في موسـم الحصاد .. فيما تقف أنت خلف النافذة، في الغرفة (211) رانيا إلى عروق المطر فوق الزجاج، منصتا بين حيـن و آخر إلى أولى الأصوات المنبعثة في المدينـة عند الفجر . إلى صياح الديكـة . و نباح الكلاب عبر السكون . حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن . و الناس .. و جعلهم طيبين تماما ً .. تنظر . و تسمع . و تحلم . مدركا ــ اثر انحبـاس المطر ــ ان الشمس ستنهض بعد قليل ، وأن عليك أن تنهض أنت أيضا لكى تسعى فى أرض الله ..). 

ولايكتفى الفاخرى بتوثيق حالة الشغف حول بنغازى بعد أن يضربها العجاج ثم يغسلها المطر ، ليساهم فى في صدور أول مجموعة قصصية للكاتب الليبى عقيلة العمامى الذى كان ينشر بين حين وآخر  قصة هنا ، وأخرى هناك إلى أن فاجأه ذات يوم بمجموعة ( الحوات والقبلي) التي  كان قد جمعها ، وراجعها وأشرف على طباعتها إلى أن جاءه الفاخرى مطبوعة جاهزة سنة 2000 كلمسة تشجيع وتقدير للعمامى . 
ولعل الروائى الليبى الاول فى اعتبار القبلى بطل من ابطال اعماله الروائية السردية هو ابراهيم الكونى فنجد ريح القبلى قد تشتبك  فى معركة ضد بطل رواية ما للكونى او تؤدى به الى الهلاك والموت عبر طمر البئر وسط صحراء قاحلة و شمس  محرقة ودروب لامتناهية .

ولعله من الظواهر الجوية التى استوقفت الكثير من الرحالة الغربيين عبر العصور ، فالألمانى غيرهارد رولفس فى رحلة عبر افريقيا فى شهر مايو عام 1865 فى فصل الربيع أثناء عبوره الحمادة الحمراء يقدم لنا هذا الوصف ...( منذ مدة كان يهب القبلى وهو ماندعوه فى أوربا بالسموم وبدت الشمس وكأنها كرة نارية متوهجة .وكانت الحرارة تلفح الوجه والهواء ساكن تماما إلا أن غيمة سوداء كانت تقترب بتؤدة لم تدع أى شك بأن عاصفة هوجاء ستهب قريبا. وكانت الشمس تزداد احمرارا والحرارة تضغط وغدا التنفس عسيرا . الآن وصل الشبح وقد أدارت جمالنا ظهرها من تلقاء نفسها كى لايدخل الرمل فى عيونها كما أنها جثت دون أن تؤمر . إن ظلمة تامة أخذت تلفنا فقد حالت العاصفة الرملية التى يبلغ ارتفاعها عدة مئات من الأقدام دون وصول نور الشمس . وساد جو كما لو أنه خسوف ، لقد استقلينا بجانب ظهر الجمل كى نتفادى الرياح الرملية . لقد جف الفم والحلق وامتلأت العينان والآنف والأذن بالرمل ، ومن الخطأ الزعم إن البدو يستلقون على الأرض لأن السموم لاتهب فوق سطح الأرض مباشرة بل تبقى فى الهواء من أين ستأتى هذه الكميات من الرمال لو أن العاصفة لاتهب مباشرة فوق الأرض. إن المرء يستلقى لأنه لايستطيع أن يرى وقد تحمله الريح أو ترميه ، لقد مضت العاصفة بسرعة مثلما أتت بسرعة ، ولم تستمر أكثر من عشرين دقيقة ).
  فى حين يصف عالم الجيولوجى الفرنسى ليون برفينكيير المشى وسط هبوب رياح القبلى ..( ليس المشى وسط الكثبان أثناء هبوب رياح القبلى بالأمر الهين ، فقد وصلت الرمال إلى داخل أفواهنا ، دون نظارات كان من المستحيل فتح عيوننا وكانت السماء مظلمة بسبب الرمال المتطايرة وكأنها ضباب جاف. يجب أن لا نصدق قصة الاسطورة التى تتحدث عن قوافل بلعتها الرمال).

أما الرحالة الانجليزى جيمس هملتون فيقدم نصيحة للرحالة الغربيين ممن يفكرون فى زيارة قورينا بأن يتخذوا من الكهوف الموجودة بالقرب من المنحدرات الشرقية لوادى بلغدير حيث يعتبر مكان محمى دائما من هبوب الرياح المحملة بسحب الغبار ، فيقول : هذا المكان يعد من أفضل الأماكن التى لايمكن أن يدخلها الغبار أبدا حتى لو اشتدت هبوب الرياح القوية ، لذا فأنى انصح أى رحالة أن يتخذه مكانا ً لإقامته ).

ويبدو أن رياح القبلى الحارة قد تسببت بمرض احد حراس قافلة الاخوان بيتشى فى أثناء عبورهم لمنطقة ساحل بنغازى عند طلميثة فى فصل الربيع من عام  1822...فهو يدون التالى ..(  ففى هذه الأماكن يمكن للمرء تخيل كيف تتحول مثل هذه الجهات إلى مستودع - أى منطقة السوق بمدينة بنغازى - يتسبب فى نشر أسباب الحمى ، وبالذات حين تسود الرياح الجنوبية ). 

هذا ويصف لنا الصحفى الفرنسى جورج ريمون فى أثناء تغطية الحرب الليبية الايطالية عام 1912 مروره فى المنطقة الوسطى بالشريط الساحلى حيث تقع نقاط لمراقبة التلغراف التركى و بلدات صغيرة ومزارع نخيل فيقدم لنا وصف دخوله لبلدة سرت الصغيرة وكيف كانت معظم مبانياها القليلة تغرق وسط الكثبان الرملية نتيجة لشدة عواصف القبلى التى تردم كل شىء أمامها .

 (..كانت تبدو لى من وراء كثبان الرمال بضعة من بساتين النخيل التى كانت الرمال تنهمر عليها كالمياه . ومن فوق تل هب عليه الإعصار ، شاهدت أمامى الشرطى المرافق وهو يشير الى بلدة سرت التى لمحها عن بعد ، ولكننى حدقت فى الاتجاه الذى أشار إليه فلم أرى سوى جو أربد كانت تحوم فيه سحب صفراء متضاربة ).

كما يقدم الرحالة الدنماركي ( كنود هولمبو) فى طريقه لمقابلة عمر المختار فى الجبل الاخضر وأثناء قطعه لصحراء سرت الموحشة هذا الوصف لما لاقاه طوال الطريق من مشاق ومصاعب وخاصة مع هبوب رياح القبلى التى لم يعتادها هو ورفيقيه الغربييين ..( و هكذا غدا الوضع يائسا : لم يكن لدينا ماء ، كما لم نأكل شيئا طيلة الساعات الثماني و الأربعين الماضية بسبب ما عانيناه من اضطراب معدنا بعد تناولنا الماء الملوث . و كان يستحيل علينا ازدراد الطعام بدون ماء . و بعد بحث عاجل قررنا التخلي عن السيارة . و شربنا بقدر ما نستطيع من الماء الموجود في الرادياتور و أخذنا الباقي معنا . و هكذا بقى لدينا أمل ضعيف في الوصول إلى بئر مردومة أحياء).   

قارب كنود و رفيقاه الموت بسبب العطش و الجوع و رياح القبلي و برودة ليالي الصحراء القارية ، و شاهدوا في مأساتهم مأساة الآخرين متمثلة في جثث المقاتلين العرب مبعثرة في الصحراء و الحيوانات النافقة ، حتى قيضت لهم النجاة عن طريق الايطاليين الذين بدأوا البحث عنهم ، عند عدم وصولهم للعقيلة كما كان متوقعا. 

 قد يبدومن الطريف تحويل  العجاج او القبلى الى تدوينة طويلة ، ولعل مادفعنى لذلك  ما سجلته هنا خلال الاعوام الماضية حول هذه الظاهرة الجوية المرتبطة بمدننا الليبية بالاخص بنغازى جعلنى ارغب فى مشاركة زوار محيطى بها ، فالقبلى يترك بآثاره على امزجتنا وارواحنا ، وسأختم بنص الفاخرى الذى عبر من خلاله عما يعترى ارواحنا فور سماعنا لزخات المطر كما الآن فى هذه الساعة المبكرة من يوم الاربعاء ، بعد قضاء يوم طويل ومرهق ملىء بالاتربة والغباروبرفقة السيد (عجاج) ... فيما تقف أنت خلف النافذة، في الغرفة (211) رانيا إلى عروق المطر فوق الزجاج، منصتا بين حيـن و آخر إلى أولى الأصوات المنبعثة في المدينـة عند الفجر . إلى صياح الديكـة . و نباح الكلاب عبر السكون . حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن . و الناس .. و جعلهم طيبين تماما ً ..

هناك تعليقان (2):

  1. ما شاء الله، تدوينة غنية بالمعلومات التاريخية عن ظاهرة مناخية (زاد في شدتها و تكرارها الدمار البشري للبيئة) طالما استقبلناها بإمتعاض، لتتحول إلى "شخصية" تاريخية حاضرة في هذا الوطن منذ فجر التاريخ.

    من النوادر المتعلقة بالقبلي و اجدابيا هذه الغناوة:
    إجدابيا يا نوارة برقه ... وين عجاجك يرقى .... لا يخلي كاغط و لا ورقة

    شكرا على هذه التدوينة الجميلة

    ردحذف
  2. تدوينة أخرى ثرية وممتعة يا إيناس..أعجبني عرضك لرياح قبلي من أكثر من زاوية التاريخ والأدب والحياة كان عرضا موفقا وذكيا..وتأثرت بالمشهد الذي أشرت إليه من قصة خليفة الفاخري.."حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن والناس وجعلهم طيبين تماما"..لأن حدودنا مشتركة وصحراءنا كذلك يا إيناس فنحن أيضا تمر علينا رياح الخماسين التي تشبه رياح قبلي و لا يحبها المصريون أيضا.. جعلتني تدوينتك أود البحث في علاقة تلك الرياح بأدبنا وتاريخنا نحن أيضا.. لمحمود مختار رائد فن النحت المصري تمثال احبه كثيرا اسمه رياح الخماسين يصور امرأة يتطاير خمارها وهي تحاول أن تمشي عكس اتجاه الرياح ..تحياتي وتقديري دوما يا إيناس.

    ردحذف