الخميس، 11 فبراير 2016

سيرة بنغازي زمن حصار التسعينات فى كتاب العزف على أوتار الوجع ..



صدر كتاب "العزف على أوتار الوجع " للكاتب الليبي محمد مفتاح الزروق عن دار هانيبال للنشر فى العام 2011 ، حيث يأخذنا الكاتب محمد الزروق فى فصول الكتاب الصغير المكون من 100 صفحة ، فى رحلة الذكريات حول فترات ومراحل من حياته من خلال سرد لسيرته الذاتية ممزوجة بتاريخ بنغازي ومامرت به من تحولات وتغييرات وتقلبات الزمن ، و تضمن الكتاب مجموعة قصص متنوعة لاتجمع بينها الا  جولة للكاتب فى ذاكرة المدينة وناسها .

***
يبدأ الكاتب جولته من (الكبترانية ) ثم المنتزه المجاور لفندق قصر الجزيرة ، ليصل لشارع عبدالمنعم رياض حيث يسترجع ذكري لقائه الأول بوردة رفيقة طفولته التى شاركها الغناء و الرسم فى منتدي للاطفال .

و يتوقف بنا الكاتب عند أهم المباني التاريخية فى وسط  البلاد أى قلب بنغازي القديمة وقد كان لبعض تلك المباني ارتباط باأعمال وأنشطة مارسها الكاتب بعد تخرجه من الكلية العسكرية بطرابلس ، قبل أن يستقر فى شركة الكهرباء . 

يحكي الزروق عن مغامرته فى اصطحاب صديقة مراهقته (وردة) لمشاهدة الافلام فى السينما قائلا ً: "... كانت السينما من الأماكن الممنوعة على الفتيات الصغيرات والكبيرات.. وكنت في تلك الفترة مغرماً بالأفلام الهندية وكلما التقينا وتحادثنا كنت أحكي لها ريشي كابور وعمه شاشي  وريكها وأميتاب بتشن  ودهارمندرا وآشا باريخ وغيرهم من أبطال بوليوود.. وأسرت لي بأنها تتمنى أن تدخل إلى السينما .. هنا قفزت الفكرة إلى رأسي.. قلت لها بإصرار: ستدخلين".

كما يتوقف بنا الزروق عند بعض الأماكن المرتبطة بتجاربه الأولي فى الكتابة والنشر عبر الصحف المحلية ،قبل الانتقال لخوض تجربة النشر الالكتروني .

و قد حرص الزروق فى هذا الكتاب على سرد ذكرياته حول شخصيات بنغازية بعضها مشهور كان يلتقيها ضمن مناسبات اجتماعية أو أنشطة رياضية ، و  لاتخلو تلك الحكايات من توثيق ممزوج بنفس انساني يشعر القارىء بالآسي لمصائر أولئك الرجال الموهوبين و المحبوبين لكن حظهم العاثر فى العيش تحت نظام القذافي دفعهم لدائرة النسيان والتهميش والمرض والاهمال كالرياضي فوزي العيساوي ومصطفي المكي وغيرهم .

ويقودنا الكاتب معه فى خاتمة الكتاب فى  رحلته لأثينا ليقابل حبيبة ورفيقة مراهقته (وردة) بعد فراق سنوات طويلة ، إذ تغادر (وردة) بنغازي بحكم عمل والدها ، ليتفاجىء بتغير كبير فى مظهرها بعد ارتدائها للحجاب فى بلاد الغرب بعد أن عاشت فى ليبيا سافرة ترتدي ملابسها وفق أحدث موضة تنشر فى مجلة (البوردا) لازياء والموضة .

***
انهمكت فى قراءة الكتاب فور حصولى عليه لاكمله فى ساعات قليلة ،إذ أن الكاتب الزروق يأخذنا فى رحلة فى ذاكرة بنغازي ودفتر يومياته بطريقة سلسة وجميلة فيها جرأة وشجاعة كبيرة فى طرح آرائه وأفكاره، عن حكايات الطفولة  وفورة المراهقة ، عن مشاكل الحياة اليومية فى مطلع شبابه زمن الحصار على البلد، كما حكي عن افراحه واحزانه ، و همومه وهواجسه  .

و يعكس الزروق فى كتاب "العزف على أوتار الوجع" ميراث بنغازي الثقافي والتاريخي والأنساني فيمزج فى كل حدث وحكاية بين التاريخ العام للمدينة و التاريخ الشخصي له ولاصدقائه و معارفه من البناغزة ، كما يضع أمام القارىء ماعاشوه من واقع قاتم وأليم زمن الدكتاتور .

 كما يمر بنا على ماقام به نظام القذافي من محو وأزالة وتعديل لذاكرة بنغازي فى تلك المرحلة أى فى سنوات التسعينات والألفية الجديدة ، ويقدم لمحات مكثفة حول الحياة اليومية فى دولة يحكمها نظام قمعى ينتهج الأساليب الدكتاتورية الجنونية لاحكام القبضة على حياة الناس .

من خلال هذا الكتاب يمكن تلمس أسلوب الكاتب فى نسج نص نثرى حافل باللمحات الجميلة والذكية مستعملا ً عدة تقنيات داخل الكتاب منها السرد الروائى ، والمقال ، والقصة القصيرة، و الوقائع التاريخية ، مستخدماً أصوات متعددة من بينها صوته الخاص الذى يفيض بالكثير من الأحاسيس والمشاعر، ، والاعترافات ، والتأملات والذكريات العذبة ، والحزينة.

رغم ذلك فأن الكتاب لايخلو الاستطراد والاسهاب  فى غير محله كما فى الجزء الخاص بالرحلة للاسكندرية ، ورحلة الكاتب وهو طالب بالكلية العسكرية لمصنع الرابطة ،و الاستفاضة حول اشتقاقات كلمة مرتب لم تكن موفقة كثيرا ، بل جاءت حشو زائد برأيي تشتت انتباه القارىء فهي خارج سياق السرد ، و استعراض آرائه الدينية جاءت فى غير محلها ، كما شابها الأسلوب المباشر الفج ، الساذج نوعا ما .

أخيرا أود القول أن الأسلوب السلس للكاتب فى استعراض حياته وتجاربه فى تلك السنوات الصعبة ، وماتعرضت له مدينة بنغازي من حملات محو و أزالة وهدم على يد نظام القذافي جعل الكتاب مؤثر خاصة للقارىء ابن بنغازي ، كما يعتبر من الكتب القليلة الصادرة حول هذا النوع من الكتابة أى السير الشخصية ، ولتاريخ بنغازي فى عقد التسعينات و بدايات الألفية .

***
محمد مفتاح الزروق ، كاتب وقاص وروائي،مواليد بنغازي 1968 ، يحمل بكالوريوس و ماجستير فى الهندسة ، يكتب القصة القصيرة و الرواية والشعر .

صدر له :وجهان فى الصقيع مجموعة قصصية العام (2007) ، العزف على أوتار الوجع "شارعنا القديم" العام (2011) ، ناصية الأنتظار قصص قصيرة (2013)، و جزيرة الأميرات العام (2013).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق