الثلاثاء، 7 يوليو 2026

على دراجة نارية عبر ليبيا الملكية: كيف رأى الرحالة السوري عدنان تللو البلاد عام 1958؟

                                      الرحالة السوري عدنان حسني تللو ودراجته النارية                                          

 مع اقتراب فصل الربيع يصل الرحالة السوري عدنان حسني تللو إلى الحدود الليبية قادما من تونس  مطلع العام 1958 ، عابرا تلك المساحات الشاسعة ، ليس بسيارة دفع رباعي حديثة ومريحة ، بل على متن دراجة نارية أطلق عليها اسم السد العالي والتى طوي بها 153 ألف كليومتر خلال سبع سنوات ، زار فيها 64 عاصمة من عواصم العالم وكان لرحلته أن تمتد أطول من ذلك لولا ما ألمّ به من حادث خطير في أحد البلدان الأفريقية دخل على أثرها للمستشفيات فى لندن قبل أن يعود إلى دمشق حيث عكف على وضع كتاب تجاوز عدد صفحاته 700 صفحة يوثق فيه تجاربه ومشاهداته .

 

فى كتابه الذى حمل عنوان حول العالم على دراجة نارية و الصادر على نفقة الرحالة فى العام 1965  يصف مشاهداته فى بلاد مختلفة ، ومعرف قراءه على ثقافات وعادات وشعوب متنوعة . ولعل أكثر ما أثار اهتمامي هو الفصل الذي خصّه لليبيا إذ وثّق تفاصيل رحلة استثنائية زار فيها المملكة الليبية المتحدة بعد استقلالها، ليرسم لنا بعين فاحصة لوحة حية لبلاد تبني نفسها من جديد، ممتلئة بالروح الوطنية والتطلعات الكبيرة .كما يلتقط الرحالة  ملامح من الحياة السياسية والاقتصادية لليبيا في تلك الحقبة، موثّقاً لقاءاته بشخصيات رسمية ومشاهداته على الطرق التي قطعها داخل البلد. 

      مدينة بنغازي في أواخر خمسينيات القرن الماضي.
 
 طبيعة الحياة والمجتمع الليبي

 بدأت رحلة تللو في ليبيا بالدهشة والإعجاب؛ حيث وجد شعباً يتميز بشهامة نادرة وكرم ضيافة أصيل. يصف تللو الليبيين بعبارة دافئة قائلاً: "إنهم يفتحون صدورهم لكل عربي خلص لعروبته" ، في ليبيا الخمسينيات، لم يكن الزائر العربي بحاجة إلى فنادق؛ كان يكفي أن تطرق باب أي دار وتعرّف بنفسك كعربي، لتجد الجميع يحفون بك مستبشرين، وتُقام لك مأدبة ضيافة تشعرك بأنك "في دارك وبين إخوانك". هذا الكرم لم يكن مجرد عادات عابرة، بل رآه تللوانعكاساً لتمسك الشعب بقوميته وتقاليده الإسلامية العريقة.

 أما عن المرأة الليبية، فقد أفرد لها تللوحديثاً خاصاً، لافتاً إلى التزامها بالتقاليد الإسلامية الموروثة، خاصة في طرابلس حيث ترتدي "الرداء" الذي يستر جسدها بالكامل. فدعا الله أن يساعد المرأة الليبية على التحرر من هذه "القيود الثقيلة"، لا بغرض التخلي عن الأخلاق والآداب، بل لتمكينها من رؤية الحياة "بعينين اثنتين" والإسهام في نهضة بلادها وبناء الوطن.

 ولم تغفل عين الرحالة الفطنة عن سيطرة الجالية الإيطالية والأقلية اليهودية على مفاصل التجارة والصناعة، مسجّلاً ملاحظة لافتة: أن إغلاق الأسواق أيام السبت والأحد والجمعة (مراعاة لعطلات اليهود والإيطاليين والمسلمين) لم يترك للمواطن الليبي سوى أربعة أيام للعمل، وهو ما حذّر من أثره السلبي على الميزان التجاري والنهضة الاقتصادية للبلاد .

                                                مدينة طرابلس في أواخر خمسينيات القرن الماضي.

 تنقل تللو بدراجته بين كبري الحواضر الليبية كلا من طرابلس ثم بنغازي ، مسجلاً الفوارق والملامح العمرانية،فقد وصف طرابلس (العاصمة الغربية) وصفها بـ "المدينة العظيمة" ذات الشاطئ الساحر والشوارع الأنيقة التي تضاهي الحواضر الأوروبية. ولفت انتباهه الشديد التنظيم العالي لحركة السير، وأدب رجال الشرطة ومعرفتهم التامة بواجباتهم. أما عند وصوله إلى بنغازي (العاصمة الشرقية)و هي لم تتعافَ تماماً بعد من دمار الحرب العالمية الثانية. تذكر تلو كيف كانت تُلقب قبل الحرب بـ "درة البحر المتوسط" لحدائقها الغناء وطرقها المعبدة، ورغم الركام، أشاد بحركة العمران النشطة والخطى الحثيثة التي تبذلها الدولة لإعادة بنائها واستعادة رونقها المفقود.
                                                

 1050 كيلومتراً من المغامرة: جيوش الجراد وقوس الفيليني

 لم تكن الرحلة نزهة سهلة؛ فالطريق الممتد بين طرابلس وبنغازي يبلغ 1050 كيلومتراً. ورغم أن الطريق كان جيداً وفي استقامة واحدة، إلا أنه عبر صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، ورمالاً محرقة.

 اضطر تللو إلى تحويل دراجته النارية إلى محطة وقود متنقلة، حاملاً عبوات إضافية من البنزين والزيوت نظراً لتباعد محطات التزويد بمسافات هائلة. وفي طريقه، واجه تحديات برية عجيبة من جيوش الجراد الكثيفة: التي كانت تصطدم بقوة بالزجاج الأمامي لدراجته كأنها "جيوش من البغي والعدوان"، إلى جرذان الصحراء التي كانت تقطع الطريق أمامه بسرعة خاطفة.

 

قوس الأخوان فلييني 

وفي منتصف الطريق تماماً، وعلى بعد 685 كيلومتراً من طرابلس، توقف تلو عند "قوس الفيليني"؛ ذلك النصب الشاهق الذي بناه الإيطاليون عام 1936م، ليكون الحد الفاصل والبوابة الرسمية بين ولايتي طرابلس وبرقة، حيث التقط أنفاسه وسط هذه العزلة المهيبة قبل أن يتابع طريقه مروراً ببلدتي "بن جواد" و"أجدابيا" ليصل بنغازي معافى وبصحة جيدة.

طاقة الشباب: تفوق كشفي وعشق "للمستديرة"

 أكثر ما أثلج صدر الرحالة في بنغازي هو رؤية الطاقات الشابة التي اعتبرها عماد النهضة الليبية ، إذ حلّ تللو ضيفا مكرماً على الكشافين في بنغازي، ووصفهم بأنهم "نعم الإخوة والأصدقاء". رغم أن الكشافة الليبية كانت حديثة العهد (تأسست عام 1954م بإشراف الأستاذ خليفة الزائدي)، إلا أنها أبهرت تللو بتنظيمها الذي جعلها تفوز بالمرتبة الأولى متفوقة على سائر الفرق العربية في المخيم الكشفي الثاني بأبي قير في مصر. وبحلول عام 1956م، كانت الحركة قد توسعت لتشمل الولايات الثلاث (طرابلس، برقة، فزان) بـ 45 فرقة تضم قرابة 1350 كشافاً.

مسيرة لأشبال الكشافة الليبية في طرابلس.

   كما تعرف تللو على أنشطة أندية (الأهلي، الهلال، المختار، التقدم، والاتحاد). ولم تقتصر هذه الأندية على الرياضة؛ بل كانت تضم صالونات اجتماعية وثقافية تقدم محاضرات علمية وأدبية وفنية يقبل عليها الناس بشغف. وأكد أن كرة القدم هي المحبوبة الأولى للشعب الليبي. ورغم إعجابه بالمستوى الفني، إلا أنه وجه عتاباً محباً لبعض المشجعين بسبب "التعليقات الجارحة" التي تصدر من المدرجات، داعياً إياهم لتقبل الهزيمة بروح رياضية.

 في ظلال الجبل الأخضر: روح عمر المختار ونهاية الرحلة

 عندما اتجه تللو من بنغازي نحو مدينة درنة (على مسافة 305 كيلومترات)، تغيرت الطبيعة كلياً. وجد نفسه يقطع واحداً من أجمل طرق العالم عبر الجبل الأخضر؛ حيث الغابات الكثيفة، المروج الساحرة، والسهول الخصبة، في طريق يلتف صعوداً وهبوطاً بين القمم.

لكن الجمال هناك لم يكن طبيعياً فحسب، بل كان مخضباً بالتاريخ؛ فعند تلك الأودية الساحقة، استذكر تللو بطولات أسد الصحراء عمر المختار ورفاقه الذين جابهوا الاستعمار الإيطالي طيلة 18 عالماً. وكتب تلو بكلمات تفيض إجلالاً:"إنها أرض روتها دماء الشهداء الأبرار، ولا يسع أي عابر لها إلا أن ينحني احتراماً لروح ذلك البطل العظيم".

 بعد درنة، واصل تلو سيره نحو الحدود المصرية (السلوم) لمسافة 635 كيلومتراً، عائداً إلى بيئة الصحراء الجرداء، ومختتماً مغامرته الليبية التي وصفها بأنها "مغامرة جميلة" مليئة بالدروس والمواقف العجيبة.


  اللقاء الملكي: السجل الذهبي في حضرة الملك

لعل التتويج الأكبر لرحلة عدنان تلو في ليبيا كان لقاءه  بالملك إدريس السنوسي شخصيًا، ملك المملكة الليبية ورغم أن الملك كان متوعك الصحة ويمر بوعكة مرضية، إلا أنه عندما علم بوجود هذا الرحالة العربي الشاب في طرابلس، أصرّ على استقباله قبل مغادرته البلاد. ولم يكتفِ الملك بالترحيب الشفهي، بل قام بلفتة رعاية أبوية ووقع بيده الكريمة على "السجل الذهبي" الخاص بالرحالة، على صفحة تحمل شعار المملكة، مؤرخة في شهر شعبان 1377هـ.

 اعتبرتللو هذا اللقاء تشريفاً هائلاً يختصر روح ليبيا في تلك الحقبة: بلدٌ رغم إمكانياته المادية المحدودة آنذاك (كما نقل عن والي طرابلس)، إلا أنه كان يمتلك "قوة روحية هائلة" مستمدة من إيمانه بالحرية والاستقلال، ويتطلع بعزم نحو مستقبل زاهر وحياة أفضل.

 كتاب مذكرات الرحالة السوري عدنان جني تللو على دراجته النارية في خمسينيات القرن الماضي تمثل كنزاً حقيقياً يدمج بين أدب الرحلات وتوثيق مرحلة ما بعد الاستقلال في ليبيا.

 على الهامش:

 *يتحدث الرحالة الليبي عمر الطيرة، في مقابلة أجريت معه ضمن بودكاست "داميري" في مارس 2024، عن زيارته للرحالة السوري عدنان حسني تللو في منزله بمدينة دمشق، مستعيدًا ذكريات تلك الزيارة، وما رواه تللو عن رحلته إلى ليبيا وانطباعاته التي احتفظ بها عنها بعد مرور عقود.

 *لمن يرغب فى الإطلاع على الكتاب هذا رابط للتحميل من هنا

الأحد، 4 مايو 2025

داليدا... حين لا يكفي المجد لاحتواء القلب


في زقاق هادئ من أحياء شبرا في القاهرة، ولدت لولاندا كريستينا جيليوتي يوم 17 يناير 1933، لعائلة إيطالية مهاجرة من كالابريا. كان والدها، بييترو جيليوتي، يعزف الكمان في أوركسترا دار الأوبرا المصرية، بينما كانت والدتها تعمل خيّاطة، تصنع بيديها ثياب الأحلام في زمن لم يكن فيه للحلم مكانٌ واسع.

 

في شبابها، كانت لولاندا فتاة مرحة تعشق السينما والغناء، تعمل كسكرتيرة في شركة أدوية، وتنتظر بفارغ الصبر انتهاء الدوام لتلحق بموعد أحد أفلامها المفضلة. لم تكن تتخيل حينها أن القدر يُخبّئ لها مسرحًا أكبر من أي شاشة، وصوتًا سيطير بها إلى أبعد مما كانت تتوقع.

 

عام 1954، فازت بلقب ملكة جمال مصر، وكان ذلك بداية التحول الكبير. شاركت في أفلام مصرية مثل "قناع توت عنخ آمون"، ولفتت أنظار مخرج فرنسي يدعى ماركو دي غاستين الذي شجعها على السفر إلى باريس لتبدأ رحلة جديدة.

 

من القاهرة إلى باريس: الميلاد الثاني لـ"داليدا"

 

وصلت إلى باريس عام 1955، لا تملك سوى مبلغ صغير واسم لا يكفي لجذب الأضواء. لم تجد المخرج الذي وعدها، وسكنت غرفة متواضعة، وبدأت تغني في ملاهٍ ليلية مقابل أجر زهيد. لكنّ عزيمتها لم تفتر، وظلت تؤمن بأن النجاح سيأتي لا محالة.

 

تعلمت الغناء على يد الموسيقي رولان بيرجيه، وبدعم من الكاتب ألفريد ماشارد، غيّرت اسمها إلى داليدا. وهناك بدأت الحكاية.


عام 1956، غنت في قاعة "الأوليمبيا" العريقة أمام مدير إذاعة "أوروبا 1" لوسيان موريس، الذي أنتج لها أول أسطوانة. لم تحقق نجاحًا يُذكر، لكن أغنيتها الثانية "بامبينو" كانت ضربة الحظ الأولى: 45 أسبوعًا في قائمة أفضل الأغاني، وأكثر من 300 ألف نسخة مباعة حتى 1957. وفى هذه الفترة بدأت صورها بالظهور على اغلفة المجلات . إذ كان لاغنية "بامبينو" تأثير كبير في الجمهور الذي كان يستقبل داليدا بحرارة و حب كبيرين و كانت داليدا تعيد غنائها لهم مرات عديدة نزولاً عند

 رغبتهم.

 

قلب من ذهب.. وجراح لا تندمل

 تزوجت داليدا من لوسيان موريس عام 1961، لكن زواجهما لم يدم طويلًا، فالفن والمشوار العالمي أخذاها بعيدًا، لتعيش حياة مشحونة بالعاطفة والمآسي. لاحقتها المآسي كأنها لعنة، أولها انتحار حبيبها المغني لويجي تينكو عام 1967، بعد فشل أغنيتهما في مهرجان "سان ريمو". كانت تلك أول مرة تحاول فيها داليدا الانتحار، لكنها نُقذت في اللحظة الأخيرة.

 لاحقتها الأحزان مجددًا بانتحار موريس عام 1970، ثم ريشار شانفريه، حبها الأكبر، عام 1982. خسارات متتالية أرهقتها نفسيًا رغم كل الأضواء التي كانت تحيط بها.

 

 النجاح.. لغة تتحدثها بست لغات

 

 على خشبات المسارح، كانت داليدا امرأة أخرى. غنّت بأكثر من ست لغات، منها الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، الإسبانية، وحتى العربية وقدمت الكثير من الاغاني التى حصدت نجاح ورواج وشهرة و من بين اغانيها عام 1965 رقصة زوربا وهي اغنية مستوحاة من روح الفلكلور اليوناني حيث حصدت نجاحا كبيرا ً جداً . وفى فترة السبعينيات كانت الصداقة القوية التى ربطتها بالممثل الفرنسي آلان ديلون وراء اغنيتهما كلام ، كلام عام 1973 التى أصبحت واحدة من أشهر أغانيها فى تلك المرحلة .وأما عام 1975 فقد فاجأت الجميع بتوجهها و تأديتها لاغاني الديسكو. فاصبحت رائدة في هذا النوع من الاغاني و كانت اول من سجل اغنية ديسكو فرنسية و هي اغنية "سانتظر" بتوزيع ديسكو 1975. ثم قدمت واحدة من انجح اغاني الديسكو الفرنسية الاثنين والثلاثاء .وفي عام 1977 غنّت أشهر أغانيها في الوطن العربي: "سالمة يا سلامة"، التي أصبحت الأغنية الأولى في 17 دولة، وأُعيد إنتاجها بأربع لغات.

 

         

تقول داليدا في أحد حواراتها:

 "لقد وصلت إلى النجاح بثلاثة أشياء: دراسة الموسيقى بجد، فهم أذواق الجمهور، وروح المغامرةوالحظ أيضًا لم يكن بعيدًا."

 

اليوم السادس.. والليلة الأخيرة

 

في محاولة للتجدد والخروج من الظلال، مثلت عام 1986 في فيلم "اليوم السادس" مع المخرج يوسف شاهين، وأثبتت أن موهبتها لا تقتصر على الغناء فقط. لكنها لم تستطع الهروب من الوحدة والقلق والفراغ، رغم النجاح الكبير الذي حققته.

 

في ربيع 1987، كانت تحضر لعرض موسيقي ضخم بعنوان "كليوباترا"، لكن فوبيا الانتحار التي رافقتها لسنوات تفجرت من جديد. في 3 مايو 1987، أنهت حياتها بمنوم، تاركة رسالة قصيرة: "الحياة لم تعد تحتملسامحوني."

  

 

الوداع الأخير... والخلود الأبدي

 

ودّعتها باريس كواحدة من رموزها. جُسّد تمثالها بالحجم الطبيعي على قبرها في مقبرة مونمارتر، ووضعت صورتها على طابع بريد فرنسي، وخلّدتها أغانيها في الذاكرة الجماعية لشعوب متعددة.

 

غادرت داليدا الحياة، لكنها تركت وراءها إرثًا فنيًا وإنسانيًا باقٍ. كانت فنانة متقدمة على زمنها، تحمل مشاعر صادقة وروحًا شرقية في مظهر غربي. حوّلت تجاربها المؤلمة إلى فن، وجسدت الحنين في أغانيها.