قف ب(جليانة) إبَان الأصيل
وانظر الشمس قبيل المغرب
انظر البحر ، له لون السما
حين رقَ الجو صفوا ً راق
أحمد رفيق المهدوى
ظلت
أمنية سفرى بالبحر تلح على وتطاردنى فى احلامى ، و اغبط اى شخص جرب هذه المتعة ، فكثيرا
ما حلمُت بوقوفى على سطح السفينة ملوحة للمودعين الواقفين على رصيف الميناء ، مراقبة
لابتعاده عن اليابسة حتى تتحول الوجوه الى نقط صغيرة سرعان ما تتلاشى وتذوب وسط زرقة
البحر والسماء ، منصتة لهدير المحركات ، وزعقات النوارس البيضاء المودعة تختلط مع صوت
تكسر الامواج على جؤجؤ السفينة ،كنت دائما اعتبر السفر بهذه الطريقة يحمل
الكثير من الرومانسية ، ويمنح الانسان الوقت لتأمل .
كانت
الامنية الكبرى ان اغادر ميناء بنغازى البحرى على ظهر سفينة مهيبة ، ربما من عصر الفحم
او ذات اشرعة وقلوع ، لا سفينة حديثة ،استحوذ هذا الحلم على مخيلتى لسنوات طويلة وتوفى
بابا رحمه الله دون ان تتحقق الأمنية ، ولم اجد اى من اشقائى لديه الحماس ،لذلك كنت
احب كثيرا العبور من أمام الميناء البحرى لبنغازى منصتة ، محصية عدد الصافرات التى
تطلقها السفن القادمة او تلك المغادرة .
كنت
أحب ان اسلك طريقا ً مزدحما ً نوعا ما وهو الطريق الرئيسى لشارع خالد بن الوليد باتجاه
الصابرى مرورا من امام دكاكين حميد ، ثم انعطف امام مصرف الوحدة متجهة الى كورنيش بنغازى
حيث استمتع بنسمات البحر ، ومن بعدها الى الميناء لاسلك الطريق المؤدى للجسر لذى يربط
بين ضاحية جليانا وباقى المدينة ، ومن ثمة اكمل طريقى باتجاه المدينة الجامعية.
اليوم
وفى طريقى للقيام بنفس الرحلة تذكرتك وتذكرت وعدى لك باصطحابك فى رحلة لأريكِ وجه آخر
ليوسبريدس ، وجه نكاد كلنا ننساه او تناسيناه فى خضام الحياة اليومية هنا ، وجدت نفسى
أروى لك حكاية جليانا التى فتنتنى منذ كنت فى سن صغيرة ولفت انتباهى الاسم ذو الرنين
الغربى ، رغم تفسيرات مؤرخ بنغازى العتيد محمد مصطفى بازامة الذى فسر الاسم بأنه يعنى
جلاؤنا ،الا ان هذا التفسير لم يقنعنى تاريخيا ً ووجدت نفسى اتردد على قسم المطبوعات
الليبية بالمكتبة المركزية بالجامعة فى فترة لاحقة لمزيد من المطالعات والبحث عن المنطقة
فى كتب الرحالة والمؤرخين القدامى .
وجدت
البعض يشير لحكاية ابنة نائب القنصل الانجليزى التى غرقت فى بحر جليانا عندما اغرتها
المياه الشديدة الزرقة بالسباحة او ربما اللهو على الشاطىء النظيف وقتها ، وقام والدها
بدفنها فى نفس المكان فى قبر وضع عليه لوحة من الرخام نقش عليه اسمها ، اختفت مع مرور
الوقت ربما تمت إزاحتها بواسطة احد البناغزة او نتيجة لفوضى الغزو خاصة خلال الايام
الاولى ، وليتحول قبرها الى نواة لمقبرة مسيحية ظلت موجودة بالمكان حتى منتصف الخمسينات
عندما تعرضت المدينة كلها وليست المنطقة فقط الى حركة تغييرات جوهرية فى تخطيطها ومعمارها
هذا ماحدثنى به احد معمرى المنطقة الذى أكد على وجود القبر حتى تمت ازالته مع المقبرة
، بينما ظل الاسم يطلق على تلك المنطقة بكاملها مخلدا ً ذكرى الشابة جليانا كظاهرة
فريدة لم يستحقها أحد من قبل .
لقد حاولت البحث عن اى صورة او
رسم لها وسط المجلات الايطالية القديمة ولكن لم اعثر على اى شىء ، فاكتفيت باختيار
صورة من تلك الفترة متخيلة فيها انها تماثل صورة جليانا الحقيقية.
وكان
الرحالة الغربيين قد أشاروا فى مدونات رحلاتهم الى رأس جليانا المليئة بأشجار النخيل
باعتبارها الطرف الثانى لميناء بنغازى أو المكان الصالح لرسو السفن والقوارب ، وفى
حالة الوصول الى الميناء من هذه الناحية يجب الابتعاد عن الشاطىء لمسافة تتراوح بين
2 ميل إلى 3 ميل من أجل تجنب مخاطر الاصطدام بالصخور المحجوبة تحت المياه التى تقع
فى جنوب غرب الميناء ،حيث كانت ترسو سفن مختلفة قادمة من موانىء ومدن بعيدة ، من مصراته
والاسكندرية ومالطا وخانيه وأزمير ونافارين ، وليفورنو ونابولى ومرسيليا .
فى جليانا
أنشاءت السلطات التركية عيادة طبية للأمراض المعدية عندما انتشر وباء الكوليرا(او الكبة
)سنة 1829م بواسطة الأشخاص القادمين من مصر وعليه فقد تم إجبار المسافرين وربابنة السفن
والبحارة على الخضوع للحجر الصحى "الكوارنتينا" بجليانا قبيل السماح لهم
بالدخول إلى بنغازى.
أليست هذه المعلومة موجعة بحق لليبيين المغرمين بتناول اللحوم الحمراء فى ظل ارتفاع مجنون لسعر كيلو اللحم الذى قفز الى ال13 وال15 دينار، كما ان صوف البناغزة يحتل مكانة مرموقة فى الأسواق الاوربية ، إذ يستخدم فى صناعة جميع أنواع الفرش ، ويتم تصديرها الى مرسيليا وتونس ، والسمن والجلود التى تصدر الى فرنسا وريش النعام والعاج والبيض والدجاج الذى وصل الى خمس دنانير للدجاجة الواحدة(حسب سعر اليوم) لتصبح هى المتصدرة لموائد الليبيين.

كانت ليلة 18 اكتوبرفى العام 1911 من ليالى الخريف الطويلة حالكة السواد فى نفوس سكان المدينة ، فالعيون ساهرة ، والقلوب وجلة والناس مابين متحفزين لاقبال النهار وبين تمنى استمرار الليل دفعا لشبح الموت والدمار والفناء، فهى الليلة التى وجهت فيها إيطاليا انذارها لسكان المدينة ، وعندما أشرقت شمس اليوم الثامن عشر وسط الغيوم مكتسية لون أرجوانية آخاذا ، تطلع وجه سكان المدينة تجاه البحر حيث المجهول سيطل برأسه ، ظهر خيط رفيع من دخان هناك عند خط الأفق البعيد حيث تلتقى زرقة البحر بزرقة السماء أخذ يتفع ويعلو مع ارتفاع الشمس فى الجانب المقابل ، وأدرك الجميع أن سفن العدو جاءت غازية ، وهالهم عددها فلم يسبق لأحد منهم أن شاهد أسطولا ً ضخما ًكهذا فى بحر المدينة ، ومابين توجيه انذار من القوات الغازية ومهلة الاربعة وعشرين ساعة ، كثر الجدل عن الاستسلام او اللا استسلام للعدو ، الا أن النقاش أسفر عن رفض الاستسلام والدفاع عن المدينة مهما اختل توازن القوى بين الطرفين ، من غادر بيته ليلحق بالمدافعين عن المدينة الباسلة لم يرجع إليه بحسب ما ذكره صحفى إيطالى اتاحت له الظروف البقاء لحين قصف المدينة ، كنت وانا أقرعن المعركة اتسأل كم عريس بت فى جليانا بدل من حضن عروسه ، وكم شيخ مهدود الصحة غادر اسرته ليحلق بابن شاب محاربا ً فى صفوف المجاهدين ، وكم بنغازية امتلكت الجرأة لترافق زوجها حتى لحظة النهاية ، فالمثير فى الامر ان شهداء جليانا من كل الاعمار ومن الجنسين .
فى الساعة ال9 من صباح اليوم
التاسع عشر من شهر اكتوبر انطلقت من إحدى المدمرات أول قذيفة مدفع لتصيب صخر الشاطىء
عند الفنار فى منطقة سيدى ارخيبيش بقصد ايهام سكان المدينة ان الانزال الاول سيكون
عند هذه النقطة ، الا ان الخدعة لم تنطلى على المقاومين ، فقد شاهدوا اللنشات والزوارق
البخارية وهى تجرجر الفلك المحملة بالجنود إلى جليانا حيث توارى الجنود وراء رأس جليانا
، منتظرين انتهاء قصف مدفعيتهم من الاسطول الواقف قبالة الشاطىء، فخف المقاومين من
الفويهات وقاريونس والرحبة لنجدة اخوانهم بجليانا حيث تواجد حوالى 600 مقاتل على الشاطىء
من عرب المدينة والاتراك الباقيين للمقاومة ، فحين كانت طليعة الانزال الاول لجنود
الايطاليين حوالى ال500 ليتتابع الانزال على الشاطىء ، ومع اكتمال جنود العدو على الشاطىء
فبلغ الخمسة آلاف من جنود الجيش البرى عدا الألفين من البحارة .ورغم التفوق فى العتاد والعدد الا ان العدو لم يستطع فتح ثغرة واحدة حتى منتصف النهار ، مع اشتداد القصف المدفعى للمدينة ومحاولة العدو تطويق المقاومين عبر الالتفاف عليهم بارسال فرقة انتحارية تخترق السبخة إلى علوة طابلينو فأدركت القيادة الوطنية خطور الموقف حين تكاثرتدفق الغزاة على الجانب الآخر لسبخة فلم ترى فائدة فى التمسك بمواقعها بجليانا نفعا ًفقررت الانسحاب بنظام الى منطقة البركة وما بعدها جنوب بنغازى ، ولم تترك وراءها الا جريحين وقعا بالاسر ، ورغم استمرار القتال لسبع ساعات متواصلة الا ان العدو رفض الاعتراف بانه تكبد اى خسائر فى الارواح ويشيرون الى 34 جندى فقط من قتلاهم وبالمقابل يتبجحون بقتلهم ل500 من جنود العدو الى السكان المحليين من بناغزة واتراك ، وحسب تقييم الخبراء العسكريين لهذه الاحداث فهى لا تعد نصر ساحق لاى طرف من الاطراف ، ولا هزيمة ماحقة .
فى العام 1912 بدأ الايطاليون
فى منطقة جليانا فى إقامة نصب تذكارى لتخليد موتاهم فى سبيل مستعمراتهم الجديدة كما
كانوا يسمونها ، وبالفعل انتهى تشييد النصب الذى بلغ اتفاعه 25مترا ًفى خلال سنتين
وقد روعى فى اختيار مكانه أن يكون قريبا ًمن مقبرة جنودهم الذين قتلوا فى معركة بنغازى
والذى لحسن الحظ لم يعد له وجود الآن ، فقد تمت ازالة النصب بعد الاستقلال و انشاء
نصب يخلد شهداء ليبيا ، ليصبح فى وقت لاحق نصب شهداء الجزيرة . 
فى شبه جزيرة جليانا كان احد ابواب المدينة فى الفترة الاستعمارية رغم ان بنغازى كانت قبلها مدينة غير مسورة ، مما جعل الايطاليين راغبى فى السيطرة على حركة دخول وخروج السكان لقمع اى ثورة بالمدينة او منع تسرب الاسلحة والمال خارجها ، وفى تلك الضاحية الجميلة اتخذ الكثير من الطليان من المدنيين والعسكريين مساكن مازال بعضها قائمة الى الوقت الحالى ومنها الفيلا التى أجرها ولى العهد الليبى الحسن الرضا من مالكها الايطالى ، وفى مكان فندق اوزو كان هناك ملهى الرفييرا ،وذلك فى المنطقة الواقعة قبالة الشاطىء مباشرة ، فى حين تم استغلال الجزء المطل على بحيرة المنقار لاجل استخراج الملح واقامة مصنع عليها ، ظل احوال شبه الجزيرة على ما هى عليه حتى الاستقلال الحديث لبلادنا فى الخمسينات ، ويشوه استمرار وجود خزانات وقود جليانا فى بقعة يمكن ان تكون الانسب لتضفى على واجهة المدينة البحرية أفضل منظر للقادم من البحر او المتأمل للمشهد من شاطئها ، وان كان كوبرى جليانا بهندسته الرائعة لمسة فنية يعطى للمكان مظهرا ًجماليا.
فى جليانا مصائف جميلة جدااا
وبعضها لى فيها ذكريات جميلة خاصة مصيف غرناطة وجليانا والملاحة التى كانت اتردد عليها
مع بابا رحمه الله كل عصر يوم جمعة عندما يتصادف وجودنا بالمدينة خاصة فى فصل الصيف
، كانت تعجبنى زرقة البحر وصفاءه وشكل كاسر الامواج على الطرف الآخر للرأس ذو القصة
الرومانسية ، منذ سمعتها وانا احاول تخيل شكل الفتاة الانجليزية واللحظات التى مرت
عليها وهى تلهو على ذلك الشاطىء الشديد الجمال فى فترة كان التلوث اقل ، اتخيل منظر
الدلافين التى حدثنى عنها بعض معمرى المكان بانها كان يمكن مشاهدتها فى بحر جليانا
أيام الصيف عادة والتى كانوا يطلقون عليها تسمية محلية الدنفير. 