الأحد، 2 مارس 2014

بيوغرافيا الجوع ..



هى أقرب أن تكون سيرة روائية  تقوم على تجارب حقيقية للروائية البلجيكية إيميلى نوثومب ، فقد عاشت إيميلى حياة تنقل برفقة والدها الدبلوماسى البلجيكى فقد عاشت فى عدة دول كاليابان و الصين والولايات المتحدة الامريكية وبنغلاديش و الهد وكمبوديا حتى تعود الى بلدها الام فى سن المراهقة ، تسرد لنا إيميلى سيرتها الذاتية من خلال الارتكاز على فكرة الجوع فى حياتها ، فتبدأ كتابها بالحديث حول أرخبيل اوقيانوسى يدعى فانواتو لا يجوع سكانه لكثرة الطعام الذي يتعدى حاجة الناس هناك لذا أهل فانواتو مسالمون جدا، كأن السأم مقيم في أنفسهم، لهذا لا يكترثون بأي شيء، حياتهم يفتقدون للسعى لوفرة الطعام ، مايجعلهم منسيين فى العالم ، فالروائية البلجيكية تدلل فى الفصل الاول عن دور الجوع و المجاعات فى تولد روابط وصلات ، وتخلق نزاعات وصراعات وحروب ، ثم تطرح إيميلى سؤال تحاول من خلاله الربط بين مقدمتها الغريبة نوعا ما وبين ماسترويه عبر صفحات سيرتها الذاتية ، إذ تتسائل : هل يوجد جوع هو فقط جوع البطن وليس مؤشراً على جوع أعم؟ وتعطى اجابة اولية هى : فالجوع يعني تلك الحاجة الفظيعة التي تمس الكائن كلّه، ذاك الفراغ الآسر، وذلك التوق لا إلى الامتلاء الطوباوي بل إلى تلك الحقيقة البسيطة: فحيث لا يوجد شيء، أتطلع لأن يكون ثمة شيء.

تمضى عبر باقى فصول الكتاب مجيبة على ماطرحته من تساؤل و ماتوصلت اليه من إجابات عبر إعادة تأمل حياتها ، فتبدأ فى تذكر طفولتها التى قضتها فى اليابان فتتحدث عن جوعها لأشياء وأن تكون بسيطةكجوعها للسكاكر،أو للهرب من الحضانة، و عن جوعها لمربيتها اليابانية. 

ثم تنتقل العائلة من اليابان إلى الصين بحكم عمل والدها كسفير ، لتكتشف إميلي أنها أمام جوع  أكبر، وهو جوعها للبشر. ففى زمن الثورة الثقافية وماويحكم الصين كان يُصعب على أى اجنبى الاقتراب من الصينيين ، خاصة إذ كان ذلك الاجنبى قادم من اليابان و من أصل أوربى أكثر انفتاح ، فيتحول جوعها فى الصين من البشر الى نهم القراءة فتنغمس تماما فى عالم الكتب خاصة كتب الكبار لتكتشف عالم جديد لم يسبق لها معرفته .
من الصين الشيوعية الى الولايات المتحدة الامريكية البلد الرأسمالى يكون المحطة التالية فى سلسلة تنقلات والدها ، وفى نيويورك حيث يعمل والدها كممثل لبلدها فى الامم المتحدة تكتشف إيميلى عن جوع جديد يحكم حياتها ، وهو جوعها للماء فتصبح مهووسة بشرب كميات كبيرة من الماء فى ساعات قليلة .

تستمر التنقلات إلى بنغلادش حيث تتعرف على الجوع الحقيقى للغذاء فى ابشع وجوهه التى لاتحتملها فتنطوى على نفسها ممضية سنوات اقامتهم بالبلد فى الاستلقاء على كنبة والاكتفاء بصحبة شقيقتها الوحيدة جوليا ، عبر سلسلة التنقلات التى عشتها مع إيميلى كنت فى كل مرة اتعرف معها على تجسد مختلف للجوع فى حياتها حتى عودتها لبلجيكا لدراسة فقه اللغة فى جامعة بروكسل الحرة .

صدرت السيرة الروائية فى العام 2004 ضمن كتاب مقسم الى 60 فصل ، كل واحد من تلك الصول تتراوح صفحاته بين الواحد الى أربع صفحات ا وفى بعضها صفحة واحدة ، استخدمت الروائية اسلوب خفيف ومسلى نوعا ما ، بعد أن اسهبت فى وصف جزر فانواتو وطبيعة السكان والحياة هناك فى مقدمة مملة كادت أن تجعلنى اترك الكتاب فى اوله ، فهو من نوعية الكتب التى انتابتنى أثناء قراءتها مشاعر مختلطة ، فقد صدمتنى بحديثها عن مشهد اغتصابها وكيف صورته ببرودة ومرت عليه مرور عابر وكأنه لم يترك أى آثر فى المراحل اللاحقة من حياتها ، كما اصابتنى حالة فزع من اصرار الروائية على الحديث عن ادمانها لتناول الخمور خلسة او حتى برفقة اسرتها وهى لم تتجاوز التاسعة ، ماجعلنى اتسائل هل هى جزئية مختلقة ضمن مخيلة إيميلى الغرائبية المدهشة إم أنها تروى ماحدث حقيقة فى طفولتها ، من ناحية اخرى أحببت حديثها عن ولعها بمربيتها اليابانية وولعها باليابان الذي اعتبرته وطنها ، لتقدم صورة فاتنة لذلك البلد الآسيوى ثم تعود فى كتابها (ذهول ورهبة) محطمة اسطورة بلد الشمس المشرقة ،  اعتقد لو أننى قرأت بيوغرافيا إيميلى قبل (ذهول ورهبة ) لربما اصابتنى صدمة كبيرة ، ولكنى استطعت ان اتفهم من أين اتت رغبتها فى تحمل ظروف عمل صعبة وقاسية فقط للبقاء فى اليابان حيث قضت طفولة جميلة ، بالاضافة الى ذلك فقد احببت شرهها تجاه القراءة فهى لامست شىء بداخلى ، ففى طفولتى كنت مثلها اقرا بنهم غريب كل ماتقع عليه يداى من كتب او مطبوعات للكبار ، اعجبنى حديث إيميلى عن نيويورك ، ووصف بنغلاديش البلد الفقير وشعبه الودود المسالم .

أكثر ما ازعجنى فى الكتاب الثيمة الاساسية التى اختارتها الروائية البلجيكية ، فبرأيى بالغت فى تقديم وصف مفصل و ممل لعاداتها الغذائية وعادات اسرتها ، خاصة عادات والدها فى الاكل ، اعتقد أن إيميلى قد أساءت استخدام ثيمة الجوع فى بعض المواضع من الكتاب ، ورغم ذلك يظل لكتابات إيميلى فرادة كبيرة لسلاسة أسلوبها وقدرتها على التلاعب بالالفاظ مايجعل قراءة أى عمل لها مفيد ، وممتع الى حد كبير، فهى تبدو مختلفة عن الروائيات الشابات اللائى ظهرن فى الالفية الجديدة .

الاثنين، 24 فبراير 2014

أشياء تتداعى ..



الأشياء تتداعى
المركز لم يعد في استطاعته التماسك
الفوضى الشاملة تعم العالم
الشاعر الأيرلندي ييتس

لقد استمتعت بقراءة رواية ( أشياء تتداعى) للروائى النيجيرى (شينوا أتشيبي) الذي رحل العام الماضى  عن عمر يناهز 82 عاما، حيث ساهم بتعريف العالم بثقافة وتراث افريقيا الغنى بالكثير من السمات المحلية التقليدية حيث قدم أتشيبى أعمال روائية حققت رواج ونجاح كبير من بينها هذه الرواية التى استوحى عنوانها من قصيدة للشاعر الأيرلندي ييتس ، والتى حاول (أتشيبى) من خلال هذه الرواية الرد على تقديم الأدب الغربى لصورة الافريقى الهمجى البدائى الذى لايمتلك أى تقاليد او حضارة جديرة بالاحترام و أن الانسان الابيض هو من جلب الثقافة والحضارة الى افريقيا، فأتشيبى كتب أشياء تتداعى ردا ً على رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد التى اعتبرها (أتشيبى) نموذج لعقلية الغرب فى تلك الحقبة الاستعمارية التى تقسم الحضارة خارج اوربا وامريكا الى عالم متقدم ابيض ، اخر متوحش ملون و اسود .

و كانت روايته ( أشياء تتداعى ) تصف انهيار الحياة التقليدية للأفارقة أمام التوسع الاستعمارى الغربى فى افريقيا في نهايات القرن التاسع عشر، حيث قدم (أتشيبي) وصف لكل تفاصيل الحياة اليومية فى القبيلة من خلال بطله (أوكونكوو) ذلك المحارب الافريقي العنيد، الذي بنى مكانته فى المجتمع القروى و القبلى بنفسه ولم يرثها عن أبيه الكسول ، (أوكونكوو) المتشبع بالعادات والقيم الافريقية، الرافض لأي تغيير يأتيه من الخارج ،  لذلك لم يتورع عن قتل (أنيمومي) ابنه بالتبنى استجابة لمعتقدات وقوانين قبيلته .

تمضى الفصول الاولى فى الرواية فى تقديم تفاصيل ممتعة فى سياق سردى سلس حول العادات والقوانين القبلية الافريقية والمعتقدات الدينية والحياة الاجتماعية بتفاصيلها المتنوعة، وعالم الأساطير والأرواح والآلهة وعن السحر ودوره فى المجتمع الافريقى ، مستفيدا من التراث القبلى (للأيبو) النيجيرية التى ينتمى إليها (أتشيبى) ماجعلها تمثل لدى الدارسين وثيقة أنثروبولوجية، وسيسولوجية تساعد فى دراسة المجتمع القبلى الافريقى قبل الاستعمار الاوربى الحديث.

تنساب أحداث الرواية بشكل سلس ومشوق رغم تصاعد الأحداث فى حياة (أوكونوو) إذ يقوم بقتل أحد افراد القبيلة عن طريق الخطأ فى أحد الاحتفالات القبلية فيتم  تطبيق قانون قبلى يتضمن نفى (أوكونوو) مع أسرته خارج القبيلة على أن يعود بعد سبع سنوات ، فيقرر اللجوء إلى قرية اخواله حيث يعيد بناء حياته من جديد بانتظار عودته الى قريته وقبيلته الاصلية ، وفى تلك الأثناء يراقب (أوكونكوو) الأخبار المتداولة حول وصول الرجل الابيض الى قريته القديمة وبداية انتشار اعمال التبشير بقريته محولا عدد من افرادها الى المسيحية ، و تصل المأساة ذروتها باعتناق (نوويى) الابن البكر(لأوكونوو) المسيحية على أيدى اولئك المبشرين تحت اسم إسحاق بعد أن سحرته أناشيدهم وأشعارها، فقطع الصلة بعائلته وأبيه والتحق بالعمل ضمن البعثات التبشيرية ، من هنا تبدأ الاشياء تتداعى بسرعة فى العالم القديم (لأوكونكوو) الذى يرفض قبول الواقع  الجديد الذى صاحب حلول البعثات التبشيرية الاوربية فى قريته  فى أثناء غيابه عنها خلال السبع اعوام، ولذلك يسخر كل قوته وعناده لإعادة إحياء النظام القديم ، مستنهضا ً الهمم من خلال الارتكاز على القيم التقليدية القبلية  كالشجاعة، والروح الجماعية، دافعا عدد من افراد قبيلته لاحراق الكنيسة وطرد اعضاء البعثة التبشيرية و معهم معتنقى الديانة المسيحية من الافارقة خارج اراضى القبيلة ، ولكن الصدام الاكبر سيقع بين (أوكونوو) و من معه من زعماء قبليين يؤمنون بنفس نظرته ضد رجال السلطة الاستعمارية الانجليزية التى أصبحت تحكم قبضتها على القرية و البلد ، وينتهى الصدام بالقبض على (أوكونوو) ومن معه و ضربهم و توجيه اهانات لهم بتجريدهم من شارات الشرف و الوجاهة القبلية ، لتشهد الرواية نهاية مأساوية (لأوكونوو) الذى يقوم بشنق نفسه فى غابة الشر بعد قيامه بقتل حارس المحكمة الذى اهانه ، وبهذا الانتحار يحُرم (أوكونوو) من جنازة تشييع كالابطال ليمثل موته بهذه الطريقة هزيمته أمام القادم من الخارج .

لقد كانت رواية (أشياء تتداعى) هى أول رواية أفريقية تُكتب بالإنجليزية ، وكانت عدة دور نشرقد رفضت طبع الرواية لتقبل دار هاينمان نشرها فى العام 1958، ثم سرعان ما انتشرت لتصبح من أهم روايات القرن العشرين ، حيث بيع أكثر من 10 ملايين نسخة عبر العالم ، وترجمت إلى اكثر من 50 لغة ، كم تم ادراجها ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات الأوروبية والأميركية، ولاتزال تُعد من بين أكثر الروايات المقروءة في العالم . 

-----------------
عن ويكيبيديا :ولد شينوا أشيبي في شرق نيجيريا عام 1930 ، وقد عمل بعد التخرج من جامعة ابادان بنيجريا في هيئة الاذاعة النيجيرية كمنتجاً ومخرجاً في القسم الاجنبي وخلال تلك الفترة بدأ مهنة التأليف ، قام بتأليف خمس روايات : (أشياء تتداعى ، 1958) و(ولم يعد مرتاحا ً، 1960)و (سهم الحرب 1964) و(رجل الشعب ، 1966) و(كثبان النمل في السافانا ،1987)  ، كما نال الأديب أتشيبى نحو 25 دكتوارة فخرية من جامعات في شتى انحاء العالم.

الأربعاء، 12 فبراير 2014

حلم القصور الحمراء ..

رواية ( حلم القصور الحمراء) تعد من أفضل الروايات الكلاسيكية الصينية ، كان مؤلفها هوالكاتب المشهور( تساو- شيويه - تشين) وهى رواية تعطي صورة دقيقة للمجتمع الصيني في تلك الفترة المحصورة بين الأعوام 1644- 1911، حيث الصراعات العنيفة الدامية بين أبناء الأسر الملكية للمطالبة بهذا العرش أو تلك المقاطعة ، الأمر الذي أنعكس بصورة أو بأخرى على عموم المجتمع.

كما تعكس العادات والتقاليد والأخلاق، خاصة احترام كبار السن في العائلة، والمعتقدات والتأثيرات الدينية،وأهمية التعليم والثقافة، وأسرار تلك الفترة، وكيف كان الناس يحصلون على الوظائف وألقاب الشرف والتكريم الإمبراطوري، وكيف كان نبلاء القوم يتوارثون مناصبهم وكيف يحافظون عليها أو يفقدونها، إلى جانب تشكيلة من الشخصيات المتنوعة من الطبقة الكادحة، كقرويات مسنات الى الخدم وفناني مسرحيين ، كما تضمنت وصف دقيق للمراسم و الاحتفالات في المجتمع الصينى وممارسات العمل وغرس الأزهار والأشجار للمواطنين العاديين والطب والتنجيم والكثير الكثير من تفاصيل صغيرة الى جانب الحوادث الكبرى فى تاريخ الصين بتلك الفترة الزمنية ، كما تصور بدقة ما أصاب المجتمع الصينى من فساد وغيره من امراض اجتماعية ستمهد الارضية للتحولات التى سيمر بها الصين بدأ من الحرب الاهلية و الثورة الشيوعية ومراحلها الدموية ، كل هذا من خلال استعراض قصة حب رقيقة وساحرة بين (جيا باو يوى وابنة خالته داى يوى) البطلين الرئيسيين فى الرواية الطويلة ، وقد وصل عدد الشخصيات فى هذه الرواية الطويلة الى اكثر من 400، حيث يظهر( تساو- شيويه -تشين ) فهم دقيق وعميق النساء وخاصة الأحوال النفسية وعالم المشاعر المعقدة والحساسة للشابات.

وكشف في الرواية آمالهن في الحياة وخاصة تطلعاتهن للحب وأظهر الأبعاد الإنسانية الوافرة والعميقة وفي نفس الوقت عبر عن تقييد وتأثير البيئة والمجتمع عليهن مما أبدع سلسلة من الصور الفنية.

وشكلت رواية "حلم القصور الحمراء" قمة الروايات الكلاسيكية الصينية من حيث الأسلوب والحيكة الفنية وتشكيل الشخصيات في ذهب القارئ. قد صدرت الرواية بعدة لغات، منها الإنجليزية والكورية والأسبانية.

كتب ( تساو – شيويه – تشين ) روايته تلك وهو شيخ عجــوز ، وفي ظل ظروف إقتصادية صعبة للغاية فى إحدى ضواحي بكين التى يسكنها الفقــراء حيث انجز 80 باب من هذه الرواية ، ثم فــارق الحيــاة قبل أن يُكملها.

بالتأكيــد لم يكن يعرف أن روايته تلك ستكــون من بين أعظم الاعمال الروائية الصينية التراثية ، وأن مبيعاتها ستتجاوز الـ 100 مليــون نسخة حول العالم.

وقد جرى تحويل هذه الرواية الى عمل مسرحى موسيقى قام بوضع الموسيقى الموسيقار ( سو كونج )، قدم للمرة الاولى عبر( فرقة بكين للرقص) فى عام 2004 فى باريس خلال الاحتفال الرابع لمسابقة اللوتس للرقص بالصين ونال اشادة الجمهور والخبراء، استغرق انتاج هذا العمل الفنى ثلاث سنوات لفرقة بكين للرقص، ويشارك فيه 90 عارض وعارضة من الفرقة فى أربعة فصول على مدار 90 دقيقة، يمتزج فيها الخط والنسق الدرامى مع فنون السيرك الاستعراضية والأكروبات التى اشتهرت بها الصين ، حيث أعتمد الموسيقار ( سو كونج )على النمط التقليدى الصينى.

سبق وشاهدت فى اواخر العام 2009 اجزاء من العرض عبر قناة الصين الدولية حيث لفتت انتباهى ودفعتنى للبحث حول الرواية و العرض الموسيقى ، فشاركت احد اجزاء العرض هنا عبر حائطى فى العام 2010 ، وظلت رغبتى فى قراءة العمل الروائى قائمة وزادت بعد تكريسى لشهرى فبراير ومارس من العام الماضى 2013 للقراءة حول تاريخ الصين وثقافتها وعوالمها الخاصة ، فوجدت نسخة الالكترونية بلغت عدد صفحتها حوالى 2549 ليزيد حجمها على حجم ملحمة الحرب والسلام للروسى تولستوى ولاتقل عنها فى الجمال و الروعة ..


الأحد، 2 فبراير 2014

تلميذ بابنبيرج ، حياة فى ثنايا حلم ..

رواية تلميذ بابنبيرج للروائى الالمانى هاينريش شبورل تدور أحداثها حول د.هانر فايفر الكاتب المعروف الذى أتم تعليمه على يد مدرس خاص ، ولم يذهب للمدرسة فى المرحلة الثانوية ، ماجعله حزين لايفهم مايقوله أصدقائه عن ذكرياتهم ومقالبهم فى المدرسة ، وتبدأ الرواية باجتماع لفايفر مع أصدقائه بمدينة برلين الالمانية بعد رجوعهم من جنازة أحد مدرسيهم أيام الثانوية فيدور الحديث حول نبيذ ملقط الجمر (هونوع من الشراب الى يتناول بهيئة معينة ) عن مقالب ومواقف مضحكة قام بها اصدقاء فايفر فى المدرسة ، مايجعل فايفر يشعر بالكثير من الحزن يدفع بأحدهم لاقتراح أن يلتحق فايفر بالمدرسة الثانوية من جديد فى مدينة بابنبيرج الصغيرة حيث لايتعرف عليه أحد من سكانها ، وينجح فايفر فى الالتحاق بمدرسة بابنبيرج الثانوية مرتديا ً زى التلميذ ، ليصبح بطل لمواقف مضحكة ، ومقالب طريفة يقود طلاب المدرسة اليها ، ينتهى السرد القصصى الى اكتشافنا بعدم وجود مدينة تحمل اسم بابنبيرج ، وبأن فايفر لم يذهب الى هناك ، ولم يغادر برلين ، وبأن الاحداث التى جرت مجرد حلم أراد من خلاله الروائى ان يسترجع ماض جميل يشعر بكثير من الحنين إليه ، حيث قدم لنا الروائى شبورل مدينة بابنبيرج فى صورة المدينة الصغيرة الجميلة التى تمثل مدن الريف بكل مافيه من براءة وجمال بعيدة عن التلوث العصرى ، (لاتفوح هنا رائحة الآسلفت والبنزين ، غير أن هنالك الكثير جدا ً من الجياد، وهناك أكثر منها من العصافير ، التى عُهد إليها بتقنية حجارة الشارع الكروية ، وفضلا ً عن ذلك كان الكثيرون يقودون الدراجات بصورة تستلفت الانتباه ) .

كما يجعلنا نحب سكانها الريفيين البسطاء الودودين الذين يشكلون عائلة واحدة فمعظمهم يحمل اسما ً مشتركا ً ، كما أن أبنيتها يفوح منها عبق عالم قديم رومانسي ، بالاضافة الى الشخصيات التى تلعب دور فى احداث الرواية ، فهناك المدير الصارم صاحب التفكير الجامد الناظر( كناور) و( ايفا) ابنة الناظر النموذج المثالى لفتاة الثانوية الرومانسية الحالمة والبريئة ، وهناك شخصية التلميذ المثالى ( لوك الصغير) صاحب التكوين الجسدى الضئيل والضعيف أمام طلاب المدرسة المشاكسين ، الضحية المثالية للسخرية وللمضايقات على أيدى باقى زملائه بالفصل ، وهناك شخصية السيدة (فيندشايد) صاحبة بيت عتيق سيأجر فايفر غرفة ليقيم بها طوال فترة بقائه بالمدينة ، حيث ستمارس السيدة (فيندشايد) دور الرعاية الأمومية فتضع لائحة بمايجب على فايفر ان يأكله ومالايجب أكله ، وتطهو له الوجبات ، وتقدم نصائحها عن رفقاء السوء ، وتصبح نصيرته فى تقديم أعذار لناظر فى حال تأخر عن الحضور او تغيب عن الدروس أو لم ينجز واجباته ، من خلال تطورات أحداث الرواية والسرد الشيق سنلمس عمق التحولات على شخصية فايفر ابن المدن العصرية الكبيرة ، فهو يتحول الى تناول أطعمة ومشروبات صحية بدل من تلك التى اعتادها ببرلين ، ثم يتخلص من عادة السهر ، ويبدأ بالاستمتاع بالاستيقاظ فى ساعات الصباح الباكر رغم ماوجده من صعوبة كبيرة فى بداية انتقاله الى بابنبيرج ، ولكى يستكمل الروائى الصورة المثالية لعالم بابنبيرج فهو يجعل مدرسة البنات الثانوية ملاصق لسور مدرسة اولاد الثانوية ، وبقيام علاقة رومانسية بين تلميذى الثانوية فايفر وايفا .

لاتخلو الرواية من مقالب طريفة ومواقف مضحكة لا يظهر التقليد فى أى منها ، تجعل من يقرأها يضحك بصوت مرتفع خصوصا مع الترجمة الجيدة للاستاذ سيد أحمد فتح الله الذى بذل جهد كبير لتقريب أجواء الرواية والأدب الالمانى بتوفير مقدمة جيدة ، وشروحات لم تخلو منها صفحات الرواية لوضع القارىء فى الأجواء التى تدور فيها الاحداث ، كانت شخصية السيدة (فيندشايد) من اكثر الشخصيات التى احببتها فى الرواية ، بالاضافة لتعاطفى مع لوك الصغير .

تم تحويل الرواية إلى فيلم عُرض عام 1944 حصلت على نسخة من اليوتيوب ، مما يؤسف له فى أدبنا العربى لايوجد من يكتب عن عالم المدرسة والتلاميذ فى حين يتوفر فى الآداب الغربية (الالمانية ، والايطالية ، والانجليزية ) الكثير من الروايات الممتعة والغنية بالقيم والدروس التى تساعد فى تربية النشء وتمنح القراء أجواء ممتعة يفتقدونها بعد تركهم لمقاعد الدراسة .

هذه الرواية تصلح للقراءة فى اوقات الانتظار بالعيادات اوصالات المطارات وفى أثناء قضاء الاجازة على شاطىء البحر.
 الجزء المعروض هنا من الفيلم يخص مقلب لوك الصغير الذى حاول اثبات وجوده وسط الطلاب المشاغبين ، فهو يقوم بوضع لافتة كتب عليها (لأسباب تتعلق ببعض التعديلات فى البناء تبقى المدرسة اليوم مغلقة ) ولاسعادة تفوق حصول طلاب الثانوية على يوم عطلة مدرسية غير متوقع ..لوك الصغير الذى حاول أن يحظى باحترام زملاءه الطلاب المشاكسين وتوقع أن ينال عقوبة من المدرسة بسبب فعلته تمنحه شهرة فى المدينة الصغيرة كسمعة فايفر المشاغب ، لاحصل على مراده إذ يقرر مجلس أدارة المدرسة تجاهل ماحدث لكى لايقلل الطلاب من هيبة الناظر وتحاشيا للمشاكل مع الادارة التعليمية بالولاية.


الجمعة، 31 يناير 2014

حكايات قصر الحمراء...

من أجمل وامتع الكتب التى قرأتها عن قصر الحمراء ومدينة غرناطة وبلادالاندلس كتاب مسلى يحمل اسم ( حكايات قصر الحمراء ) لكاتب امريكى اسمه واشنطن أيروفنج.

قرأت الكتاب للمرة الاولى فى العام 1999 عندما عثرت عليه صدفة على أحد أرفف المكتبة المركزية ضمن جولاتى الاستكشافية فى غابة الكتب الممتدة على مساحات كبيرة بالطابق الاول بالمكتبة ، لم انسى ذلك المساء بالمكتبة المركزية بجامعة بنغزى حينما كنت استعد للمغادرة للبيت بعد قضاء يوم طويل فى البحث وجمع المعلومات والقراءة حول موضوع بحثى للماجستير ، وكعادتى فى قضاء النصف ساعة الاخيرة فى التجول بين الارفف والعناوين باحثاً عن شىء يشدنى وينقلنى الى عوالم مختلفة حيث كنت احرص طوال سنواتى الدراسية الجامعية العادية او العليا على اختيار كتاب للقراءة الحرة بعيدا عن الدراسة الاكاديمية الرسمية ،و كانت تلك النصف ساعة اقضيها فى جولة ممتعة احتار فيها بين مجموعة عناوين ، ذلك اليوم تحديدا كنت ارغب فى الحصول على كتاب محتواه مختلف فيه مسحة رومانسية بسبب احساسى بملل ورتابة اجواء الدراسة بالقسم ، فوقع الكتاب بين يداى صدفة ، جلست بين الارفف اقرا الصفحات الاولى التى شدتنى بقوة ولم اغادر للبيت الا بعد استعارته ، ولم يطلع فجر اليوم التالى الا وانا اتمم قراءته محبوسة الانفاس من المتعة والدهشة و السرور إذ أخذنى الكتاب فى جولة مجانية فى اروقة الحمراء وازقة غرناطة وضواحيها عبرعيناى المؤلف الامريكى أيرفنج صاحب الاسلوب المميز .

أيروفنج هو دبلوماسي أميركي، قرر الانتقال الى اوربا بعد وفاة خطيبته فجأة ، حيث عمل فى السفارات الامريكية بالقارة الاوربية طوال سبعة عشر عاما ً قضى العامين الأخيرين من سنوات الخدمة فى رحلة طويلة بصحبة دبلوماسياً روسياً عبر القيام بجولات على ظهور البغال بين الآثار والمدن الأندلسية، وفى غرناطة سكن في شقة كانت مقراً لحاكم المدينة، وتقع إلى جانب قصر الحمراء المسكوناً بخليط من العائلات الفقيرة والمتشردين في غرناطة ، كان أيرفنغ يبحث عن كنوز الآثار والحكايات العربية في الأندلس في مصادرها القديمة والجديدة فجمع مادة غنية صاغها في كتاب ،صُنف ضمن أفضل كتب الرحلات التي صدرت في القرن التاسع عشر.

ويتميز كتاب أيروفنج عن الأندلس والحمراء بنفس رومانسى يحمل الكثير من الحرارة والشغف والحنين إلى الماضى يمكن تلمسها من بعض فصول الكتاب الذى يحمل عناوين مثل : في داخل الحمراء، برج قمارش، الحمراء في ضوء القمر، سكان الحمراء، قصة وردة الحمراء .

وقد استعمل أيروفنج الكتب والمخطوطات والوثائق التي وُضعت تحت تصرفه، ويقارن بين ما كانت عليه وما آلت إليه فى زمن اقامته فى القصر، وفى جولاته بالاماكن والمواقع التى قرأ عنها، كما يقوم بتدوين الحكايات الشعبية عن الشخصيات العربية، والكنوز المدفونة حيث لعب الخيال الشعبي دور مؤثرفى اضافة مسحة من الغرابة والأجواء السحرية القريبة من حكايات ألف ليلة وليلة على محتويات الكتاب ، ماجعل الكاتب يستعمل اسلوب السرد الروائى بدل اسلوب المؤرخ المقيد بالوثيقة المكتوبة او السجلات الرسمية ، وقد حاول إيروفنغ تخيل الأحداث التي مرت في القصر، حيث قدم وصف دقيق للقصر بأبراجه وحدائقه ، فجاء كتابه تحفى أدبية تاريخية تحتفى بالتراث المعمارى الاسلامى وتقدر الدور الحضارى الذى لعبه العرب المسلمين فى الاندلس لثمانى قرون .

وقد حقق الكتاب شهرة عالمية واسعة، كما لعب دوركبير في لفت الانتباه لأهمية قصر الحمراء المهمل تماما فى وقت الزيارة، فسعت بعدها السلطات المحلية الاسبانية للاهتمام بترميم وتنظيف القصر واعادة الحدائق الى جمالها ورونقها القديم.

 

الثلاثاء، 28 يناير 2014

هادم الاساطير..


  كتاب هادم الاساطير للكاتب أحمد خالد توفيق ويشاركه فى التأليف سند الدخيل وهو كاتب و باحث و مهندس كويتي من أوائل من كتب في أدب الرعب و الخيال ، يصدران الكتاب بعبارة لألبرت اينشتاين تقول " هناك امران لانهائيان ، الكون والغباء البشرى" .

و يتناول الكتاب الأساطير التى يصدقها الكثيرين حتى الآن فيكشف أسرار كثير من الأساطير و الأكاذيب التاريخية و أسرار السحر و قصص ظهور الكائنات الفضائية ، ولعنة المؤمياءات الفرعونية ، ويفند الكثير من تلك الأساطير المشهورة عالميا كأسطورة مؤمياء الاميرة الفرعونية التى تسببت بغرق السفينة تيتانيك ، بعد أن اشترها رجل اعمال امريكى من المتحف البريطانى و قام بنقلها الى امريكا ولكن السفينة غرقت قبيل وصولها ، و كانت حكاية المؤمياء قد شاعت آثر حادثة الغرق الشهيرة و تناولتها العديد من الصحف و الاقلام و ظلت راسخة لعقود طويلة فى عقول الكثيرين ، وعادت للانتشار من جديد فى العالم العربى بعد نجاح عرض الفيلم الشهير لتيتانيك ، فما مدي صحة هذه القصة التي يقول الكتاب إنها منتشرة وبشدة في أكثر من مصدر؟

أسطورة كاذبة بكل تأكيد، لكن الأهم هنا ليس النتيجة فحسب وإنما تفاصيلها، يقول الكتاب إن قصة وجود مومياء الأميرة الفرعونية حقيقية فعلا لدرجة أن غطاء تابوت المومياء موجود حتي الآن في المتحف البريطاني، لكن المومياء لم تستقل تيتانيك أبدا، لكن من استقلها هو الصحفي البريطاني (ويليام ستيد) الذي كان من أشهر الصحفيين في بدايات القرن العشرين وعرف عنه اهتمامه بالروحانيات والسحر، وقد كتب كثيرا عن تلك المومياء الفرعونية التي تسبب كوارث لكل من يقترب منها، وفي هذا اليوم الذي غرقت فيه تيتانيك كان (ستيد) يستقل السفينة وروي لرفاقه قصة المومياء هذه، ولما غرقت السفينة وغرق معها (ستيد) نجا بعض الركاب الذين ربطوا بين حادث الغرق المروع وقصة المومياء وتكفل الخيال البشري والتوابل التي يضيفها البعض علي الحقيقة عندما يروي لآخرين قصصاً تتعلق بالموت، في أن يصدق الناس أن المومياء الفرعونية كانت سببا في غرق تيتانيك رغم أنها لم تكن موجودة أبدا علي متنها.

ويستمر الكتاب في هدم الكثير الأساطير والخرافات ، مستندا إلي عبارة غربية شهيرة تقول بأن (الحقيقة لا تصمد أبدا أمام قصة ممتعة) معتبرا أن البحث عن الإثارة أهم من بحث الناس عن الحقيقة ، والأهم الرغبة في جني الكثير من الأموال، لأن تجارة الخرافات والأساطير ربما تكون هي التجارة الأكثر ربحا في هذا العالم بعد الدعارة والمخدرات .

يتضمن الكتاب مواضيع شيق لكن طريقة تناولها مملة ومكررة ، و هناك الكثير من الادلة الضعيفة التى يستند اليها الكاتب ثم يعيد الاستناد اليها مرة بعد اخرى ، كما أن أسلوب الكاتبان ابعد عن استخدام أسلوب النقد العلمى فهما يكثران من وضع علامات تعجب وتعكس صياغة اسلوبهما روح سخرية لاتليق بكتاب يفترض أنه جاد وعلمى ويخاطب العقول ، كما يميل فى تناول بعض الاساطير الى تبسيط تفسيرها ربما فى صفحتين او اقل ، بعض اجزاء الكتاب تبدو فى صياغتها و طريقة جمع المعلومات اقرب لكونها مادة مترجمة دون وضع اسماء مصادر او مراجع الكتب او المقالات التى نقلا الكاتبان عنها مواد الكتاب ، ومايجعلنى اميل لهذا الاستنتاج هو تذكرى لمتابعتى لبرنامج قدمته القناة الرسمية البريطانية مطلع التسعينات كان يعده ويقدمه باحث متخصص فى هذا النوع من المواضيع وقتها لم اد اذكر الاسم .

واخيرا هذا الكتاب ربما من وجهة نظرى يصلح للعالم الغربى لاحتوائه على اساطير وخرافات تخصهم ، فلم اقرأ أى اسطورة او حكاية خرافية من واقعنا العربى رغم وجود الكثير الكثير مما يصلح لتقديمه وتسليط الضوء عليه بهدف ، وبالعموم هو كتاب يصلح لقرائته أثناء الانتظار فى الاماكن العامة او المطارات او بهدف تغيير نمط القراءة بين فترة واخرى ، فهو بالمجمل كتاب تثقيفى مسلى وخفيف .

بعض الاساطير والخرافات التى تناولها الكتاب:
- اسطورة حقيقة غرق التيتانيك.
- اسطورة منزل اميتيفيل .
- اسطورة ساحرة (بلير).
. - اسطورة مارى الدموية
- اسطورة هل تعود الارواح للحديث.
- اسطورة لوحة الويجا
- اسطورة الذى حارب تحضير الارواح .
- اسطورة مخلوق روزويل مالذى لم تخبرنا به الحكومة .
- اسطورة الاطباق الطائرة .
- اسطورة شخص اسمه كوبر فيلد.
- اسطورة تجارب امريكية سرية اخرى .
- اسطورة انهم يقتلون الجياد.
- اسطورة القداس الاسود.
-اسطورة المثلث الذى دوخ العالم.
- اسطورة الهاتف المحمول.
- اسطورة التحول لكائن نباتي
- المشروب الغازى الاول في العالم .

الاثنين، 13 يناير 2014

احتفالات المولد النبوى الشريف فى ذاكرة مدينة درنة ..

الجامع العتيق بمدينة درنة فى ثلاثينيات القرن الماضى 

كنت اترقب ذكرى المولد النبوى الشريف هذا العام ككل الاعوام الماضية ، فقد ارتبط فى ذهنى بالكثير من الذكريات الجميلة برفقة افراد عائلة والدتى بدرنة المدينة الجبلية الصغيرة ذات الطبيعة الخلابة قبل أن تتحول الى مدينة مشوهة المعالم والمعمار منذ مطلع التسعينات من القرن الماضى ، مع بزوغ هلال شهر ربيع الأول لهذا العام كنت استرجع شريط ذكريات طفولتى.
 
فقد كنت اقضى بضع اسابيع فى بيت جدتى بمدينة درنة المتميزة بموقع فريد ونسيج سكانى مميز وبيئة حضارية مدهشة حيث تفتح وعيى منذ صغرى على التراث الصوفى لعائلة والدتى  وهو حال غالبية الاسر الدرناوية القديمة، فقد كانت الزوايا الدينية موجودة فى حياة اسر المدينة الصغيرة بقوة وكذلك حلقات الذكر الصوفية المتمثلة فى الحضرة او الانشاد الصوفى.

كان الاحتفال بذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الاحتفالات الشعبية التى تهفو لها أنفس وأرواح سكان مدينة درنة كغيرهم من الليبيين حيث تبدا من بزوغ هلال شهر ربيع الأول بفتح المساجد ليلا ً و اضائتها وقراءة قصة مولد الرسول الكريم طيلة ليالى الشهر كله ، وأنشاد المدائح النبوية والقصائد اشهرها تخميس القصائد الوترية فى مدح خير البرية للشيخ محمد بن عبد العزيزبن الوراق ، والاخرى تخميس القصائد العياضية فى مدح خير البرية للشيخ أبى العباس أحمدبن البهلول ، ويغلب على انشاد هذه المدائح اسم (( البغدادى ) اذ يعبر الناس عنها بقراءة البغدادى ، أما أشهر قصص المولد التى تقرأ بجانب المدائح النبوية فهى (مولد المناوى ) وقد التزم صاحبها طريقة السجع، تتخللها فقرات يرددها المستمعون بنغمات خاصة .
 
ويصل الاحتفاء بذكرى مولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ذروته يوم ووليلة الثانى عشر من الشهر ، حيث تزين المساجد والزوايا بسعف النخيل ، وبزخارف من ورق ملون وغيره ، فإذا ما أقبل المساء لبست الزوايا والمساجد حلة بهيجة من أضواء الشموع وأضواء المصابيح ، ويخرج الأطفال يحملون بأيديهم قناديلهم الملونة المنورة يإيقاد الشموع ، يطوف الطرقات ، و يرددون أهازيج فى ميلاد الرسول الكريم .
 
 (حليمة ياحليمة ... يامرضعة نبينا ... قومى رضعى محمد ... مرضعتك غنيمة ... صاحو ياصاحو ... أهل الدنيا راحوا ... أعطاهم مولاهم ... واعنا فى مدعاهم ) أو يرددون هذه الأهزوجة وم يجوبون شوارع وأزقة المدينة الجبلية الصغيرة  (هذا قنديل وقنديل فاطمة جابت خليل ... هذا قنديل الرسول فاطمة جابت منصور...هذا قنديل النبى فاطمة جابت علي ) ومايكاد يبزغ فجر اليوم التالى الثانى عشر من ربيع الأول  حتى تنهض ربات البيوت مبكرات ، يبادرن إلى إعداد طعام العصيدة ووضعه فى القصاع حسب العادة المعروفة ، ابتهاجا بذكرى الرسول عليه السلام ، ويجتمع الجيران والأهلون فى بيت من بيوت ، أو فى ساحة مسجد من المساجد يتناولون طعام العصيدة فى فرح وابتهاج وفى عصر ذلك اليوم يتجه أكثر أبناء المدينة إلى المساجد لقراءة قصة المولد النبوى ، ويشربون الشراب المحلى بالسكر والمسمى ( شربات ) ، إضافة إلى استقبال شباب المدينة من طرف ربات البيوت وهن يزغردن ويقمن برش ماء الورد وتستمر الاحتفالات طيلة سبعة أيام احتفاء بقدوم المولد النبوي.

وأبرز المساجد احتفالاً فى ذلك اليوم هو الجامع الكبير الذى تملىء ساحته بجموع الحاضرين كبارا وصغارا ، وينتهى الحفل فيه بتقبيل شعرة داخل زجاجة خاصة ، يعتقد أنها من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقال عنها أنها من بقايا الآثار النبوية التى تداولتها أيدى الخلفاء والامراء حتى وصلت الى سلاطين آل عثمان بعد انتقال الخلافة الأسلامية إلى حوزتهم وهؤلاء كانوا يهدون تلك الشعرات إلى عدد من المساجد ، ومن بينها بعض المساجد الليبية ، يوم كانت ليبيا ولاية عثمانية ، وتذكر الرواية المحلية أن ( رشيد باشا ) الوالى التركى هو الذى أحضر الشعرة إلى الجامع الكبير بمدينة درنة حيث قدم إليها كما أدى إلى هذا المسجد ساعة حائط كبيرة ولاتزال باقية إلى الآن.
 
 وإذ أردنا البحث فى نشأة هذا الاحتفال فسنجد بعض المراجع التاريخية تشير إلى الفاطميين العبيديين باعتبارهم هم أول من احتفل بالمولد النبوى الشريف بشكل رسمى وشعبى ، وكانوا هم الذين حكموا مصر ابتداء من القرن الرابع الهجري ، حيث كانت ليبيا تتبع لحكمهم فى تلك الفترة ماجعل الليبيين يقتبسون ذلك الاحتفال ، إذ لم يكن لهذا العيد وجود فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا فى عهد الخلفاء الراشدين و لافى العهد الأموى أو العباسى ، فكان الفاطميون هم أول من احتفل بالمولد احتفالا ً تعلوه مسحة الأعياد والمهرجانات ، واعتبر المولد فى أيامهم عيد رسميا وشعبيا واسلاميا.

وقد تولع الدراونة بأحياء هذه المناسبة ذات الطابع الدينى  فى العهد العثمانى الثانى كنوع من للتصدي لتغلغل الاوربى فى بلادهم فى تلك الفترة خاصة مع بدايات ظهور طلائع حملات تبشيرية فى بعض المدن الليبية قبيل الاحتلال الإيطالى لليبيا مطلع القرن العشرين .  

هذه الاحتفالات أو العادات الجميلة فى طريقها للاندثار بعد أن أصبحت تتعرض لحملات شرسة من قبل بعض أصحاب التيارات الدينية المتشددة القادمة من صحراء نجد حيث يختلف الارث الحضارى والثقافى بيننا وبينهم.
 
يـــــا فارس بغداد
اه يا جيــــلاني
احضر يا صداد

البارحة عندما كنت اقلب اليوتيوب وجدت هذا الفيديو الذى سبق لى مشاهدته فى نقل مباشر لاحدى القنوات التونسية فى سنوات ماضية  ..كنت مع اصوات المنشدين اتذكر خالى رحمه الله هو يمسك بيدى وانا طفلة ليقودنى عبر الازقة والدروب الضيقة للمدينة الجبلية الجميلة باتجاه احدى الزوايا لحضور حلقة أنشاد لقصائد و مدائح نبوية ظلت مغروسة فى ذاكرتى عبر الزمن وكأنى مازالت حتى الوقت الحالى اشم رائحة الجاوى والزهر يملاء الجو ، استرجع صوت جدتى لأمى  وهى تردد بعض تلك القصائد فى أثناء أدائها لبعض الاعمال المنزلية ، ودفء اللحظات الجميلة وتواصل الناس مع بعضهم البعض وتألف قلوبهم وتراحمهم واجتماعات الاسر والعائلات فى مناسبة الميلود حول عشاء ليلة الكبيرة اى ليلة الحادى عشر ، وتناولهم عصيدة الميلود فى صباح اليوم الثانى ، اتأسف لحالنا الآن ، فلا تكاد تجتمع الاسرة الواحدة او العائلات والاقارب الا فى مناسبات قليلة وعلى نطاق ضيق جدا ، لا تكاد الاجيال الجديدة تتعرف على كبار العائلة او تعرف شىء عن تقاليد وعادات جميلة ملىء بالكثير من المحبة و التراحم و العطاء .