الاثنين، 5 ديسمبر 2016

كتاب موسيقي الحروف حكاية عن ولد بغدادي يبحث عن السلام..

كتاب موسيقى الحروف..قصة عن بغداد لمؤلفه الأمريكي جيمس رمفورد يقدم صورة مختلفة عن بغداد وحياة الناس فيها ، خاصة الأطفال وكيف يعيشون أيامهم تحت رعب الحرب  ، من خلال حكاية  "علي" و هو طفل عراقي يعيش فى بغداد يحب لعب كرة القدم و الرقص و الموسيقي الشعبية الصاخبة ، و فن الخط العربي الذي يحتمي به من مآسي الحرب مستلهما ً مثال لمقاومة الحرب بالفن من الخطاط البغدادي الشهير ياقوت الذى عاصر غزو المغول لبغداد قبل قرون ، "علي" كولد صغير يستعمل الخط العربى كي يخلق عالم جميل يهرب إليه من عنف الحرب وشراستها ، فيصف مشاعره وهو ممسك بالقلم راسما ً الحروف على الورق وكأنه يرقص على أنغام الموسيقي الصامتة داخل رأسه ، وعندما يقع الغزو الامريكي وتبدأ ليالى القصف ينهمك فى الكتابة ليملئ غرفته بصفحات من الخط العربي تبث فى نفسه شعوراً بالسلام المفقود ، ولم يتوقف "علي" عن رسم حروف الخط العربي رغم استمرار الحروب فى بلده .

 يقول "علي" أن كتابة جملة طويلة تشبه مشاهدة لاعب كرة قدم بالحركة البطيئة وهو يركل الكرة من الملعب حيث يترك وراءه أثرا ً من النقاط والحلقات ، ويعتبر كتابة بعض الكلمات أسهل من بعضها الآخر فتتشابك الحروف لتُكون أشكالا ً جميلة دون أن يبذل جهد كبير كأسم شقيقته الصغيرة .

لايتوقف "علي"عن رسم الكلمات والحروف رغم استمرار الحروب فى بلده ، إذ يقول  "مازلت أكتب كلمات يسيرة وأخري عسيرة ، فكلمة (حرب) تنحدر من قلمي بسهولة عبر الانحناءات الطويلة الحادة ، بينما كلمة (سلام) تدهشه مقاومتها له عندما يكتب التعاريج الصعبة والألف المائلة ، تري كم يلزمني من تدريب حتي تنساب كلمة سلام بحرية من قلمي" .



القصة قصيرة لكنها جميلة ومدهشة فهي تحمل معاني عميقة نحتاجها فى وقتنا الحاضر ، فقد نجح المؤلف فى مزج حكاية الطفل "علي" و الخطاط "ياقوت "  بأسلوب سلس ومبسط لايخلو من العمق لمن يعيد القراءة أكثر من مرة ويطيل التأمل فى اللوحات المرسومة على خلفية القصة ، ويمكن اعتبار الكتاب بحد ذاته تحفة فنية ،  فاللوحات آسرة لجمال ألوانها والتصاميم الزهرية والهندسية والخطوط المتدفقة فيها تبعث على البهجة ، كما أن النص لاينشغل بالسياسة أنما يركز على رغبة ولد صغير بإيجاد السلام فى حياته الخاصة .

 و رغم وجود اشارات حول القصف والغزو الامريكي ضمن النص أو كرسومات داكنة إلا انها لاتظهر بوضوح على صفحات الكتاب لكنها تبقى فى الخلفية ملقية بظلالها على حياة العراقيين بما فيهم "علي" .
 
 هذا ونجح رمفورد فى سعيه لتقديم صورة مختلفة عن العراقيين من خلال أضاف تفاصيل صغيرة ضمن تصاميم كل صفحة بالكتاب تضمنت عملة ورقية عراقية وبطاقات تعليمية و طوابع بريدية عراقية ، تخلق العديد من الأفكار والمشاعر حول الفن ، و الثقافة والعائلة ، و البحث عن الجمال وسط الحروب ، و السلام ، و لمن يقرأ الكتاب من الأطفال أو الكبار من غير العرب فهو يقدم لهم فن الخط العربي وهو فن ساحر وفريد يعتبر جزءا ً مهما ً من الثقافة الإسلامية والعربية.



مؤلف وراسم الكتاب هو جيمس رمفورد كاتب للأطفال ورسام وصانع للكتب ، واجه صعوبة كبيرة فى نشر هذا الكتاب إذ كان غالبية الناشرين لايرغبون فى تحدي المناخ السياسى الداعم للحرب فى الولايات المتحدة الإمريكية ، ولم يحصل على فرصة للنشر إلا فى العام 2008 ، لينال الكتاب جائزة هيئة السلام للكُتاب ، وجائزة جين آدامز للسلام لأفضل كتاب للأطفال عام 2009 .

****
مترجمة الكتاب هي لبني شكري إعلامية وكاتبة ومترجمة مصرية تقيم بالولايات المتحدة. حاصلة على درجة الماجستير في الصحافة والإعلام من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2009. عملت لسنوات عدة بالإذاعة المصرية مقدمة ومعدة للبرامج الثقافية بإذاعة صوت العرب. من بين برامجها برنامج (اعترافات أدبية) الذي نالت عنه شهادة تقدير من لجنة التحكيم بمهرجان الإذاعة والتليفزيون الثامن بالقاهرة عام 2002، والذي نشرته دار الهلال في كتاب حمل الاسم نفسه عام 2006. من أعمالها الإبداعية المنشورة للأطفال سلسلة (نور تسأل) عن دار البستاني للنشر والتوزيع عام 2014. كما نشر لها مدخل بحثي عن المُدَوَنات النسائية المصرية بموسوعة ميديا الحركات الاجتماعية عن دار ساج الأمريكية عام 2010 ، ترجمة كتاب موسيقي الحروف 2015.
لبني هي صاحبة مدونات "بلادبعيدة" و "كتب نقرأها معا " ومن خلال مدونتها الأخيرة تقدم الكتب التي تتشارك قراءتها مع طفلتها نور ، وتري فى مشروعها التدويني الجديد فرصة  لعرض مايستوقفها فى سوق الكتب الأمريكية للأطفال واليافعين الذي يبهرها بتنوعه وتميز وعبقرية أفكاره وجمال وابداع رسومه ، من خلال "كتب نقرأها معا" قدمت مراجعة جميلة حول النسخة الأنجليزية من الكتاب الذى حمل عنوان Silent Music … A Story of Baghdad فجذبت بها انتباه المؤلف الذى عرض عليها أن تقوم بترجمته للعربية فصدر عن دار نشر البستاني بالقاهرة فى العام 2015 بعنوان موسيقي الحروف ..قصة عن بغداد .

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

رواية الأسود يليق بك: تواضع الحكاية وأناقة اللغة ومبالغات الصدف...



هالة الوافي مدرسة لغة عربية جزائرية فى منتصف العشرينات من عمرها ، تعود جذورها إلى منطقة مروانة بالشرق الجزائري ، والدها المطرب وأخيها طالب الطب يقُتلان على يد الإرهابيين الإسلاميين فى الجزائر فى زمن العشرية الحمراء ، ترحل هالة مع والدتها السورية الى بلدها حث تنطلق فى عالم الغناء لتصنع لنفسها اسم يكبر مع الوقت .

 تجد هالة نفسها مطاردة من "طلال هاشم"رجل اعمال لبناني خمسيني يلاحقها بالورود والهدايا والعروض الابهارية بعد أن جذبته بحديثها فى برنامج تلفزيوني ، بين بيروت وباريس وفيينا تدور أحداث رواية الأسود يليق بك ، لتنتهي بطريقة متوقعة لمن يعرف أسلوب احلام .

****
لم تعجبني شخصية هالة الوافي فقد بدت متناقضة مع ماوُضع على لسانها من استعراض  لقناعاتها ومبادئها كامرأة تعتز بإستقلاليتها وكرامتها ، فطوال أحداث الرواية من بعد دخول طلال لحياتها وهي تتقبل المعاملة السيئة من الحبيب صاحب المزاج الصعب ، الذى يعاقبها على أخطاء لاذنبها لها فيها ، ويضعها فى اختبارات غير منطقية كمثال ركوبه معها الطائرة من بيروت لباريس أربع ساعات قبل أن يتركها بالمطار دون أى اتصال مقاطعا ً لها ومعاقبا ً لكونها لم تتعرف عليه وهو واقف قريبا منها فى أول موعد عاطفي بينهما بعد شهور من المطاردة وأرسال باقات الورود والبطاقات الصغيرة .

كما أن العلاقة بين هالة وطلال تقوم على مصادفات غير مقنعة ومواقف مفتعلة ، كمثال خشيته من الظهور معها فى الأماكن العامة بباريس خوفا ً على سمعته وحرصا ًمشاعر زوجته ، ثم نتفاجىء فى موضع آخر فى الرواية بتجواله مع هالة فى شوارع باريس متوقفين أمام محل للساعات باهضة الثمن اعتاد شراء هداياه منه ، أيضا قضاء الحبيبين ليلة كاملة فى غرفة فندق فخم دون أن اى تلامس جسدي هو نوع من المشاهد الروائية الساذجة خاصة وأن طلال هاشم لم يخفي رغبته الجسدية بها منذ شاهدها فى تلك المقابلة التلفزيونية ، كما أن شخصية طلال كرجل اعمال كما قدمته أحلام فى الرواية هو من ذلك النوع الذى يصرف الكثير على نزواته وملذاته ، ولديه نساءه وعشيقاته فى مدن عديدة .

 النهاية جاءت متوائمة مع نوع العلاقة المقدمة فى الرواية بين هالة وطلال فلم يكن حب عظيم كما حاولت مستغانمي تصوير مشاعرهما فسرعة انكسار العلاقة وهشاشتها لاتعكس إلا علاقة تملكية استحواذية من طرف طلال تجاه هالة المبهورة بالعروض الباذخة لطلال الثري التى تستسلم له من قبل ان تتعرف عليه ،فهي تنتظر حب مفترض من بعد باقته الأولي لها ، ربما الرواية تعكس العلاقة بين عالم الفنانات ورجال الأعمال،وهذا موضوع جيد ولكنها لم تنجح فى استغلاله كي تصنع منه عمل روائي يستحق أن يضاف إلى رصيدها كروائية . 

أما من ناحية اللغة والجوانب السردية فى هذه الرواية فهي كعادتها تلجأ لأستخدام لغة شعرية مبهرة تميل فيها للإستعراض المبالغ فيه ، خاصة عندما تطيل الوصف فى بعض أجزاء الرواية بطريقة تبعث على الملل، كما استخدمت المنولوج الداخلي لكلا البطلين من خلاله نتعرف على الكثير من ملامح وأحداث الحياة الخاصة لكليهما، وأن جاءت باقي الشخصيات بالعمل باهتة الحضور، رغم أن علاقة اخيها علاء بحبيبته هدي طالبة الإعلام تستحق ان يفُسح لها المجال لتأخذ مساحة اوسع بالرواية كي تضفي قيمة أكبر على العمل إلا أنها تجاهلتها وركزت على بطلي الرواية فقط .

كما أن محاولاتها لحشر بعض المواضيع والقضايا المهمة على لسان البطلة لقضايا كالهجرة غير الشرعية ، و البطالة والتضخم فى الجزائر ، و الدكتاتورية فى البلدان العربية ، و العشرية الحمراء بالجزائر فى التسعينات ، والإرهاب جاء بطريقة سطحية لا تخدم النص او تضيف رؤية جديدة حولها.

****
أثارت رواية الأسود يليق بك ضجة كبيرة ربما لم تحدثها أعمال روائية وأدبية لها عمق وقيمة أكبر صدرت بنفس الفترة ما احدثه صدورها ، حيث سبق ظهورها بالمكتبات حملة تسويقية كبيرة فى وسائل الإعلام جعلت من قراء أحلام يتلهفون على اقتناء الرواية حيث بلغت مبيعاتها مايفوق المليون نسخة حسب ماأذُيع فى الإعلام ، حتى بدت للقارىء الشغوف او القاري العادي تحفة أدبية ،يبدو الاحتفاء والضجيج المبالغ فيه جزء من حيل تسويقية رخيصة للكتب الرديئة أو التى تُقدم اكبر من قيمتها الحقيقية.

****
لم استعجل قراءة "الأسود يليق بك" فور نزولها بالمكتبات وتوفر نسخ ألكترونية لأني لا أحب أن أقرا أو اشاهد تحت تأثير الدعاية المبالغ فيها ، ووجدت هذا اليوم فرصة لقراءة الرواية أثناء قضائى وقت طويلة مع والدتي بالمصحة الإيوائية التى ترقد فيها جعلتني أقطع الوقت بقراءتها ، أقر بأن الرواية نجحت فى تسليتي والتخفيف عني فقد استمتعت باللغة الباذخة المفرطة فى استعراضياتها ، وبالمشاهد العاطفية والمصادفات المفتعلة التى تذكرني بالمسلسلات المكسيكية ، كما أن ملامح وشخصية البطل بدي لى امتداد لإبطال سلسلة روايات عبير الشهيرة  .