السبت، 13 أكتوبر 2018

إقلاع وهبوط - سيرة طبيب من رأس بيروت ..


قادتني الصدفة والأرق لكتاب "اقلاع وهبوط: سيرة طبيب من رأس بيروت " للدكتوراللبناني منير شماعة ،وفيه يروي قصة حياته ويبرر شماعة رغبته فى كتابة سيرته الشخصية بالقول :" عندما يصل الإنسان إلى عمر معين ، وتبدأ رحلته الأخيرة ينتابه القلق ، لأنه سيذهب بلا طنة ورنة ، فيعمل على كتابة مسيرته، آملا أن يترك بصمة فى أذهان الناس" ، وقد شبه حياته بالمراحل التى تمر بها الطائرة من اقلاع وتحليق وهبوط جاعلا منها عنوان لكتابه .

يتضمن عدة فصول تناول فيها الطفولة والدراسة فى منطقة رأس بيروت وسفره للدراسة فى الولايات المتحدة الامريكية فى الفترة مابين 1955- 1957 ، وآراءه عن الحياة والعلاقات بين الجنسين والمناخ العلمي داخل المؤسسات التعليمية الامريكية و المستشفيات هناك ، ثم فترة عمله فى المملكة السعودية لفترتان متباعدتان يسجل انطباعاته عن السعوديين ، كما يتناول تجربة الخطف خلال الحرب الأهلية  ومن خلالها نتعرف على آراءه فى الفكر والسياسة والمواطنة والعروبة والطائفية ، و لم يكن الدكتور منير صاحب رؤية انعزالية رغم مامر به خلال الحرب الاهلية من تجارب لعل اشدها قسوة اختطافه من احد الجهات قبل أن يُطلق سراحه بواسطة السيد محمدحسين فضل الله ، إذ ظل يرفض منير شماعة مغادرة بيروت حتى في أشرس أيام القتال خلال الحرب الاهلية، ولم يجد في كل العروض التي قدمت له من ملوك عرب ومستشفيات امريكية واوربية ما يدفعه للرحيل عن بيروت.

تميز الكتاب بلغة بسيطة سلسة لاتخلو من عمق المعني ، يأسرك صدق الكاتب وأمانته هو يتناول تجاربه وافكاره وماطرأ عليها من تغيير وتحول فكري ونفسي دون استعلاء  ، تجعل قراءته أقرب للدردشة مع صاحب الكتاب مع وضع علامات على بعض الأجزاء فى الكتاب للعودة والتأمل فى تجربة الدكتور شماعة.
****
ولد منير شماعة  فى العام 1926 فى منطقة رأس بيروت فى أسرة مكون من ثلاث صبيان و ثلاث بنات كان منير أصغرهم، بدأ دراسته فى الخامسة من عمره فى الحضانة عند السيدة أمينة المقدسي ، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية التابعة للجامعة الأمريكية فى سنة 1935 حيث يذكر عدد من زملاءه من الأطفال العرب ممن أصبحت لهم مكانتهم فى بلدانهم منهم الشيخ عبدالله الغانم وزياد الشواف وجاسم فخرو ويقول :" بالرغم التفاوت المادي الكبير مابيني وبينهم والذى يظهر فى ملابسي فإن صداقتنا كانت حميمة جدا".
 

أكمل المرحلة الابتدائية فى سنة 1939 ودخل بالمدرسة الاستعدادية ، وفى ذلك الصيف اندلعت الحرب العالمية الثانية التى وجد فيها منير لذة كبيرة فى متابعة اخبارها وتفحص الخرائط الجغرافية ، كذلك فرصة البقاء فى بيروت بدل قضاء الصيف فى الجبل ، ويقول عن هذه الفترة من حياته :" من أهم ما اختبرته فى الحرب العالمية الثانية بروز ظاهرة الطائفية للمرة الأولي فى تفكيري .فعائلتنا بالرغم من أنها مسيحية لم تكن يوما تعير ممارسة الطقوس الدينية اهتماماً ...وكان أول اختبار لى مع الطائفية فى المدرسة إبان الحرب العالمية الثانية حيث انقسم الطلاب إلى قسمين.فالمسلمون كانوا مع المحور ، أى ألمانيا وإيطاليا، والمسيحيون كانوا مع الحلفاء .وبالرغم كم صداقات المسلمين والمسيحيين الحميمة ، فإن الاختلافات كانت صاخبة عندما تبحث مسيرة المعارك....واسترعت تلك الظاهرة انتباهي ولم أستطع فهمها آنذاك .فالطائفية بالنسبة لى لم تكن فى الحسبان، وبالأخص فى رأس بيروت التى كانت المثل الأعلي للأنصهار الوطني ..ولا بد من القول إن الاختلافات ، بالرغم من هذا الانقسام الطائفي ، لم تتعد التحيز إلى هذه القوة الخارجية أو تلك .فالمسلم والمسيحي فى ذلك الوقت كانا متفقين على كل الأمور التى تتعلق بوطنهم، والصداقات الحميمة بين العائلات المسيحية والعائلات المسلمة لم تعكرها أى شائبة ".

كان للحرب العالمية الثانية تأثير كبير على المستوي المعيشي للأسرة منير ، فقد توفي والده مع بداية الحرب بنوبة قلبية وهو فى عقده الخامس ، فأصبحت والدته هي المسؤولة عن ادارة مطعهم الصغير وتولي زمام الأسرة لايصالهم لبر الآمان. 

عمل منير كمحاسب و جرسون فى مطعم والده وكان استرعي انتباهه عند التدقيق فى دفاتر الزبائن أن الأغلبية الساحقة تطلب الوجبات التى لايزيد سعرها على الثامنية عشر قرشا ، باستثناء عدد قليل جدا من الزبائن كانوا ينفقون خمسة وعشرين قرشا على الوجبة الواحدة  وهو مبلغ باهض مقارنة بأسعار تلك الفترة، فسأل والدته التى أجابته بأن كل هؤلاء من الفلسطينيين الذين كانوا أغني الشعوب العربية ـ يأتون إلى لبنان البلد الرخيص ويصرفون كل جنيه فلسطيني بعشر ليرات سورية ، فينفقون المال بلا حساب .

يشير منير للحياة الأسرية التى عشاها رغم الفقر واليتم والحرمان ، إلا أن علاقة والديه كانت علاقة حب متينة مبنية على الاحترام ، وكانت امه من أوائل النساء اللواتي تخرجن من المدرسة الأمريكية آنذاك ماجعلها حريصة على ان يكمل منير تعليمه الجامعي رغم الظروف الاقتصادية التى مروا بها بعد وفاة الأب .


دخل الجامعة سنة 1943 وهناك بدأ يدرك الفروق المادية والاجتماعية فى مجتمع الجامعة الأمريكية ، وهنا يحكي منير عن جوانب لا يسهل تناولها فى مثل هذا النوع من كتب السير الذاتية فى العالم العربي ، فهو يشرك القارىء فى تجاربه النفسية ومعاناته أمام النساء وعدم قدرته على التحدث معهن بيسر كما كان يفعل رفقاءه ، وكان يري فى نفسه بشع لا يمكن لأي فتاة أن ترضي بالنظر إليه ، كما أن فقره وعسر معيشته لا تساعدانه على كسب قلوب الفتيات فتقوقع على نفسه لمدة ثلاث أو أربع سنوات صب فيها كل تركيزه على القراءة والدراسة حيث كان يقضى معظم الوقت فى مكتبة الجامعة . رغم ذلك ولتفوقه الكبير ساعده على التعرف على العديد من الشبان الذين احتلوا فيما بعد مراكز القرار فى لبنان وبعض الدول العربية منهم عمر السقاف .

يتناول منير فى مذكراته المناخ  السياسي والاجتماعي فى الجامعة الامريكية فى الفترة مابين 1934-1947 حيث ساد اكثر من اتجاه منها الاتجاه القومي السوري الذى استقطب نخبة من الشبان من جميع الأديان وجميع البلدان وصهرهم من الناحية الثقافية وجعلهم من العلمانيين .أما الاتجاه الثاني فكان اتجاه العروبيين أو المؤمنيين بالوحدة العربية . كما برزت حركة سياسية أسستها شلة من المثقفين اللبنانيين أمثال كاظم الصلح وتقي الدين الصلح ورامز شحادة وغيرهم وكان خطهم السياسي خطا عربيا واضحا لا دور للطائفية فيه وسميت هذه الحركة بحزب النداء القومي وكان لها منشورات عديدة تدعو الى الوحدة العربية ورص الصفوف ونبذ الخلافات .ثم القوميين العرب فكان للدكتور قسطنين زريق نشاطه المتمثل فى عقد اجتماعات سرية يحاضر فيها عن فكرة العروبة ، وكان من مؤسيي الحركة الدكتور جورج حبش زميل منير فى كلية الطب وزميله بالمسكن فى النادي الثقافي البريطاني لمدة أربع سنوات ، وكذلك كان عضو فى هذه الحركة وديع حداد و هاني الهندي .

أما الاتجاه الثالث فكان ابرز سماته نشوء الحزب الشيوعي اللبناني الذى استقطب العديد من المثقفين منهم الدكتور منصور أرملي زميل منير ، بالإضافة لعضوية كلا من عدنان هلسة وعبدالحليم السعدي وآخرين .

العلاقة بين الاتجاهات الأربعة لم تكن دائما ودية فالعلاقة بين القوميين العرب والشيوعيين كانت عدائية والخلاف حول قضية فلسطين ، لكن جميع هذه الأحزاب والحركات كانت تلتقي كلها حول العلمانية  ، ويقول منير شماعة حول هذه النقطة :" المؤسف والمحزن أن جميع الأحزاب التى التقت على العلمنة وفصل الدين عن الدولة اضمحل نفوذها ودخلتها التيارات الطائفية والمذهبية على أنواعها.وفشلها هذا ساهم إلى حد كبير فى بروز أحزاب طائفية صرفة كالتيى نجدها فى لبنان فى يومنا الحاضر.فبينما كنا علمانيين قلبا وقالبا منذ خمسين سنة أصبحت هويتنا الآن طائفية ومذهبية".

حول عمله بالسعودية لفترتان مختلفتان يقول الدكتور منير:" عرفت الإنسان السعودي منذ زمن بعيد وعشت خصاله الحميدة ودماثة خلقه وطيبته وكرمه ومازلت أفخر بصداقتي للكثير من السعوديين الذين أحبوا لبنان واللبنانيين ". لكنأن السيل المتدفق من الدخل المالي جعل من المال هو العنوان الأول فى المملكة وتغيرت كل المقاييس ، فبعدما كان المواطن السعودي يعمل جاهدا فى الثلث الأول من القرن العشرين لكسب لقمة العيش ، أصبح المال يتدفق عليه بلا حساب ، ماأحدث تغييرات بشعة فى تصرفات بعض صغار النفوس من أهالي المملكة خصوصا فى تجوالهم فى بلاد الغرب مماجعلهم فريسة للأعلام الغربي والصهيوني .

أما عن انطباعات الدكتور منير حول الحياة الامريكية فلم تخلو من نظرة سلبية للقيم المادية الطاغية على المجتمع الامريكية ، و لخلو العلاقات الأسرية والعائلية من تلك الروابط القوية المتينة كما فى الشرق حسب رأي الدكتور منير ، وأن كان يري فى تجربته فى الولايات المتحدة الامريكية غني كبير عملته الكثير خصوصا فى محيط جامعة هارفرد التى تخصص فيها فى طب الجهاز الهضمي .كانت تضم مالايقل عن ثلاثة أساتذة يحلمون جائزة نوبل فى الطب والكيمياء العضوية ، ويقول حول ذلك:" عندما تتحدث معهم يبدون كأنهم صغار القوم يلبسون الثياب البسيطة ويعملون فى مكاتب متواضعة لاتبلغ مساحة الواحد منها مساحة غرف البوابين فى شقق بيروت الفخمة ، وهم يعملون من الصباح الباكر حتي ساعات متأخرة من الليل فى الدراسة والأبحاث ثم يستقلون الفطار ليذهبوا إلى بيوتهم ... كما تجد أن الأستاذ فى أمريكا يردد بعد كل جملة يقولها:"وقد أكون على خطأ" و" وأرجو أن تدلوا بآرائكم إذا كانت تختلف عما أقوله لكم". فالتواضع العلمي والذهني الذى وجدته فى أمريكا كان له التأثير العظيم على حياتي العلمية".

****
كتاب إقلاع وهبوط - سيرة طبيب من رأس بيروت
المؤلف: منير شماعة
دار رياض الريس للكتب والنشر
2008 ، 178 ص
    

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018

ليلة مرعبة : محمد الأسطي يتذكر الأيام الأولي للغزو الإيطالي لليبيا .



  فى ذكري الغزو الإيطالي (1) 

طرابلس عام 1910، وتظهر في الصورة سفارتي اليونان وأمريكا
 كانت ليبيا عند نهاية القرن التاسع عشر، هي الجزء الوحيد المتبقي من أملاك الدولة العثمانية فى شمال افريقيا، ولقرب ليبيا من إيطاليا جعلها هدفا رئيسا من أهداف السياسة الاستعمارية الإيطالية التى دخلت مجال التوسع الاستعماري متأخرة ، ولم يصعب على إيطاليا اختلاق الذرائع الواهية لاحتلال ليبيا فاعلنت الحرب على تركيا في 29 سبتمبر سنة 1911م، وبدأ الأسطول الحربي الإيطالي ضرب مدينة طرابلس فى 3 من اكتوبر سنة 1911.


و خلال السنوات الماضية صدرت الكثير من الكتب والدراسات الاكاديمية والمقالات العلمية  على المستوي المحلي او العربي او الايطالي والغربي حول الاحتلال الايطالي لليبيا ، إلا انها ظلت تقتصر على الروايات الرسمية والسرد الجاف الذى يخلو من القصص والشهادات الشخصية للكيفية  التى واجه  بها الليبيين تلك المحنة و ماعاشوه من تجارب مروعة ودموية على يد القوات الايطالية الغازية التى لم تتورع عن القيام بإعمال العنف والمذابح ضد الشعب الليبي ، وقد وجدت ضالتي فى  السيرة الذاتية للباحث التاريخي الراحل محمد محمد الأسطي*(1900-1991) .

فى كتابه "صفحات مطوية" الذى يتضمن سيرته الذاتية التي سبق نشرها في صحيفة الأسبوع الثقافي سنة 1976  فى حلقات متسلسلة  قبل أن تصدر فى كتاب سنة 1983، قدم لنا ذكرياته منذ سنوات الطفولة المبكرة التى شهدت حدث تاريخي جلل سيغير من أقدار الليبيين وليبيا إلا وهو الغزو الإيطالي الذى يترك آثر لايُنسي فى ذاكرة محمد الأسطي الطفل آنذاك و التى رواها  فى الفصل الذى يحمل عنوان ليلة مرعبة هذه مقتطفات منه .

(1)

رافق محمد الأسطي والده إلى مقهي قريب فى فترة عيد الفطر حيث استمع الى احاديث عن قرب عدوان مسلح تزمع إيطاليا القيام به  ، وقد سبق له ألتقاط هذه الاخبار خلال زيارات شقيقه الضابط فى سلاح الفرسان ، حيث اصبحت البلاد تشهد حركة غير طبيعية بعد عيد الفطر مباشرة ..ويتذكر محمد الأسطي عن تلك الفترة الحرجة :" كانت هناك تجري عمليات واسعة لنقل الامتعة والذخيرة الموجودة بمخازن الجيش الى خارج المدينة و فى الأول من  اكتوبر  سنة 1911 جاء أخي الى البيت فى غير موعده ، ليخبرنا عن مشاهدته مع رفقاءه  دخان السفن الحربية الإيطالية ، وعندما عاد والدي اخبرته امي بذهاب اخي سالم لمعسكره فلحقه ليلقي النظرة الأخيرة على ابنه ولكن سالم كان قد غادر إلى غريان ولم يعد منها فقد استشهد وهو يدافع عنها ضد الغزاة ".

فى تلك الفترة كانت طرابلس فى آخر ايامها من الحكم العثماني شهدت حضور الاف البدو من الدواخل تطوعوا لنقل المؤن والاسلحة والذخائر إلى أماكن آمنة خارج المدينة .و كانت طرابلس تشهد حركة كبيرة إذ أخذ الأهالي ينقلون كل ماقد يستفيد منه العدو ، ويقول الأسطي :" اتجهت نحو مدرستي لاشاهد ماصابها ، فدخلت اليها فلم اجد الابواب والنوافذ والمقاعد .كلها حملها الاهالي او هشموها حتي لاتقع فى ايدي الايطاليين.كانت الادوات المدرسية مبعثرة على الارض والكرة الارضية وجدتها مهشمة فوق الارض..خرجت متأثرا  متجها الى البيت ودموعي تسبقني لم اصادف طوال الطريق الا المسلحين من ابناء الشعب ، معظم الدكاكين مقفلة والوالد موجود فى البيت حيث قال لنا ان الانذار الايطالي بقصف المدينة ينتهي اليوم عشية ".

وكانت ايطاليا قد اعلنت قبلها الحرب على الدولة العثمانية حيث سلموا الانذار الى وكيل الوالي احمد بسيم وكان يصادف تاريخ 2 اكتوبر 1911، وقد رفض وكيل الوالي توقيع ورق الاستسلام وقال :" ان هذه البلاد تاريخها ناصع وانا اعرف ان مدافع الاسطول الايطالي اقوي من مدافع قلاع طرابلس ولكن لابد من الضرب والمقاومة حتي لا يقال ان قلعتنا استسلمت دونما مقاومة كي يغفر التاريخ لنا".
فى تلك الأثناء انتقلت اسرة محمد الأسطي من منزلهم بمنطقة الظهرة بزقاق الرخام الى منطقة الهاني وهي تبعد قليلا عن البحر ، ليجدوا عدد من الضباط الليبيين يشرفون على تدريب مجموعة متطوعين ليبيين، وعند الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الثالث من اكتوبر تشرع سفن الايطاليين فى قصف المدينة حتي ساعات الغروب لتستأنف القصف فى اليوم الثاني وكانت مدافع القلاع بطرابلس ترد على نيران مدفعية الاسطول الايطالي ونظرا لتفوق الاسلحة الحديثة الايطالية وتهالك مابيد المدافعين الليبيين سكتت استحكامات القلاع الليبية عن الرد لينزل البحارة الايطاليون الى البر صباح الخامس من اكتوبر 1911 .

مع عودة الهدوء المؤقت للمدينة ترجع أسرة الاسطي الى بيتهم فى منطقة الظهرة حيث شهد محمد (11عام ) نزول الجنود الايطاليون فى ميناء الحلفة ، يقول :" كنت اتخيل حال مدرستي التى احببتها ورفاقي فى الصف وقد تشتتوا ومديرنا ومعلمينا الطيبين ، تري هل يجتمع شملنا من جديد بعد ماحدث..لا أظن ..احنيت رأسي وقد غلبتني الدموع".

فى ليلة العاشر من اكتوبر 1911 بدأ اول صدام بين البحارة الايطاليين فى ابي مليانة ودورية من المجاهدين بقيادة الملازم اول اشرف المزوغي .

كانت ساحة سوق الثلاثاء تُستخدم كسوق شعبي يباع فيه كل شىء من الأقمشة واللحوم والحبوب والخردوات وتصدير الحلفا  حيث يأتي سكان الدواخل للبيع والشراء بدء من عشية الاثنين  حتي مغيب شمس يوم الثلاثاء . إلا أن الحال تغير من تاريخ العاشر من اكتوبر حيث غصت  الساحة بالجنود الايطاليين والخيل والبغال والمدافع واكداس الصناديق ، وفى تلك الأثناء تم توزيع منشورات بكميات كبيرة مكتوبة باللغة العربية تتوعد السكان من لايسلم اسلحته لقوات الاحتلال بأبشع العقوبات ، وكان الأهالي تصرفوا بذكاء إذ قاموا بتسليم بنادق الصيد والبنادق القديمة واحتفظوا بالبنادق الحديثة التى تسلموها من السلطات العثمانية قبيل الاحتلال ، وقد انطلت الحيلة على الايطاليين فظنوا ان الاهالي اصبحوا عزل من أى سلاح وبالتالي أعطاهم هذا جو من الثقة والطمأنينة .

(2)

خيمت سحبا ً من الكآبة على سكان مدينة طرابلس ، ولكي يوهم الايطالييون الناس بأن الحالة عادية والإيحاء لهم بان ثمة حاكم ذهب ، وأتي حاكم غيره فكانوا فى الأيام الأولي للغزو لايضيقون على الناس ولايمنعون خروجهم الى الضواحي او مغادرة المدينة ، إلى ان جاء يوم الاثنين 23 اكتوبر 1911 خرج محمد من البيت بحاثا عن اصدقاءه بالمدرسة ، ليجد الشوارع تخلو من الناس الا قلائل يجلسون امام حوانيتهم فى منطقة الظهرة وهناك بدأ محمد يسمع اصوات اطلاق رصاص كثيف فركض عائدا  الى بيتهم ليقابل فى الطريق رجل مسرع يبشر الناس بالقول:" ياجماعة الخير ابشركم بان المجاهدين دخلوا منطقة سيدي المصري وقد شاهدت بعيني علما بهلاله ونجمته مرفوعا  على مئذنة جامع الصومعة الحمراء".

اغلقت الحوانيت ابوابها وخلت الشوارع والازقة من المارة وصار الخروج خطرا ، مع تزايد عدوانية الجنود الايطاليين  المصدومين بالمقاومة ، فكانوا يقتحمون البيوت بحثا عن الاسلحة والذخائر ويطلقون النار على السكان ، ويتذكر محمد مافعلوه بجيرانهم :" لقد قتلوا الشيخ حسين البارودي وابنيه الشابين الطالبين بالمدرسة الرشدية العسكرية أخرجوهم من بيتهم ، قادوهم الى الخلاء المواجه لجامع ضرار وصوبوا بنادقهم الى صدورهم واطلقوا الاعيرة ....وشيخ الحزب فى زاوية سيدي محمد بن الامام وهو الحاج قاسم بن لطيف اطلقوا عليه الرصاص ايضا امام بتيه لمجرد انه رفع صوته فى مواجهتهم وتركوا الجثث غارقة فى دمائها".
المذابح التي أرتكبتها القوات الإيطالية الغازية ضد الأبرياء الليبيين اكتوبر1911

وأما فى الليل فقد قام الجنود الايطاليين باشعال النار فى أكواخ(زرائب) الجاليتين البرناوية والوادوية** لقيام احد هؤلاء بقتل جندي ايطالي .

وتصبح المدينة القديمة مكتظة بجموع اللاجئين من الارياف القريبة والأحياء الواقعة فى اطراف المدينة . رغم صعوبة الحصول على تصاريح للتنقل إذ صار التنقل ومغادرة المدينة يحتاج لتصاريح تمكن السكان من المرور عبر دوريات الايطاليين، وقد نجح والد محمد فى الحصول على تصريح لدخول المدينة والبحث عن مكان للأقامة فيه ، ويفسر الأسطي هذا الأمر بالقول :" طلبنا دخول المدينة سببه تلك الخطورة المتمثلة فى القتل الجماعي الذى يمارسه الايطاليون فى الاطراف ، وهكذا خرجنا من بيوتنا وتركناها بمافيها فلم نحمل معنا إلا مانرتديه من ملابس".

يتبع ..


* ولد محمد محمد الأسطي فى مدينة طرابلس سنة 1900 حيث تلقي تعليمه الأول بها ، ثم واصله فى تركيا ، وعاد الى طرابلس سنة 1919 وعمل بالتجارة ثم ألتحق بالتعليم إلى أن عُين مترجما ً فى دار المحفوظات التاريخية سنة 1955 ، وقد شارك بتأليف عدد كبير من المقالات والبحوث التى نشرت فى العديد من الدوريات المحكمة ، وتوفي فى سنة 1991. 


**الجاليتين البرناوية والوادوية هما اهل النيجر (برونو) و التشاديين(الوادوي)، وتقع اكواخهم فى المكان الذى به فندق قصر ليبيا الآن .

السبت، 20 مايو 2017

روبيك : دراما ليبية مثيرة تسلط الضوء على تغلغل مافيات الفساد والجريمة المنظمة فى البلد ..


أن مواجهة الأمراض و الظواهر السلبية في المجتمع هي الطريق لمعالجتها إن كنا نريد إعادة بناء المجتمع على أسس صحيحة ، من خلال الدراما قد ننجح فى تسليط الضوء على هذه المشاكل والأمراض ، وربما هذا مايحاول المخرج ( أسامة رزق) و الكاتب (سراج هويدي) أن يفعلاه من خلال تقديم مسلسل جديد يسلط الضوء على عالم الجريمة المنظمة و الفساد فى البلد .

مسلسل (روبيك) المأخوذ من اسم اللعبة الشهيرة يتناول عالم الجريمة المنظمة و ارتباطها ببعض الرجال النافذين في السلطه بالبلد ، من خلال حكاية مروان وهو شاب ليبي يتيم كبر فى بيت عمته وزوجها ، و يعمل فى ورشة لتصليح السيارات يقع فى غرام أميرة فيسعي لاثارة اعجابها ونيل موافقتها على الزواج به لكنه يصطدم برفض الأم لتقوده الظروف فى اتجاه مختلف .

اعجبتنى فكرة المسلسل لتناوله قضية صارت تؤرق الليبيين خلال السنوات الأخيرة أى تنامي الجريمة المنظمة المتمثلة فى اعمال التهريب (مخدرات ، بشر) و الخطف مقابل الفدية ، و الاغتيالات وغيرها من الاعمال الغير مشروعة التى صارت تهدد بقاء المجتمع الليبي .

جاء اختيار (محمد عثمان) فى دور (الشامخ ) و (فتحي كحلول) لدور صاحب الورشة و (واصف الخويلدي) المؤدي لدور (مروان) و الممثل المخضرم (محمد بن يوسف) لدور الوزير موفق جدا ، إذ قدموا أداء متميز جدا ً لأدوارهم بالمسلسل ، و ربما يرجع التطور فى أداءهم عن اعمالهم السابقة للاستمرارية فى تقديم اعمال تلفزيونية ومسرحية طوال العام ، وربما هذا الأمر ماجعل أداء ممثل قديم (كعياد الزلطني) ضعيف يتسم بالجمود والافتعال فى تعابير الوجه وحركة الجسد لغيابه منذ سنوات طويلة عن الساحة الفنية المحلية .

اختيار كلا من (لبني عبدالحميد) فى دور والدة أميرة مناسب لها كثيرا ً ، أيضا (جميلة المبروك) فى دور عمة مروان أداءها سلس ومقنع جداً، وكذلك (منيرة بالروين) فى دور أميرة مناسب وموفق لأداءها الرائع للشخصية .

كما جاء اختيار (نجلاء بن عبدالله) التونسية فى دور والدة مروان ليمنح المسلسل أضافة مهمة من ناحية الشخصيات النسائية رغم قصر ظهورها ،إذ كان لها حضور مريح وأداء احترافي من ناحية اتقان اللكنة الطرابلسية .

مقدمة المسلسل صُممت بشكل جذاب مع موسيقي تصويرية جميلة للتونسي (ربيع الزموري)، أما من ناحية التصوير فقد اعجبتني الزوايا والمشاهد واللقطات القريبة و البعيدة ووضوح الصورة ونقاء الصوت، هنا يظهر فارق كبير عما كنا نشاهده سابقا ً من مسلسلات محلية ، أيضا التصوير فى اماكن حقيقية ومفتوحة من الأشياء الجيدة المحسوبة لفريق العمل حتي وأن تم تنفيذ بعض الحلقات فى تونس العاصمة التى لاتختلف بعض أحياءها عن بعض أحياء طرابلس.

أتوقع أن يثير مسلسل(وربيك) عند عرضه فى شهر رمضان القادم ضجة كبيرة ، وربما ستكون هناك حملات للطعن في المسلسل من أطراف متورطة فى الفساد الكبير الذي أصبح يعتري البلد خلال السنوات الماضية .

كما ذكرت سابقا ً فأن المخرج أسامة رزق و الكاتب سراج هويدي يقدمان اعمال تُعتبر نقلات كبيرة في الدراما الليبية .فشكرا لفريق المسلسل مع تمنياتي لهم لمزيد من التألق و النجاح.

أمتناني العميق لثقة المخرج (أسامة رزق) فى منحي فرصة مشاهدة جزء من العمل قبل عرضه على الشاشة.