الجمعة، 11 يوليو 2014

ذهب وزجاج ..



يحمل كتاب الروائى عزت القمحاوى عنوان (ذهب وزجاج) مستمدا ً من عبارة للشاعر البرتغالى فرناندو بيسوا " الطفل لايمنح قيمة للذهب  أكثر مما للزجاج ، وهل الذهب ، للحقيقة ، أعلى قيمة من الزجاج " ، يتناول عبر صفحاته 154 شخصيات متنوعة مابين شاعر و اعلامية و روائى ونجمة برامج الطهى و سياسى و تتنوع الجنسيات من الشرق والغرب ، مستعرضا بعض الجوانب  فى حياة كل واحدة من تلك الشخصيات الشهيرة او المجهولة . 


بحسب المكتوب فى مقدمة قصيرة للكاتب فى بداية الكتاب  فهو محاولة أن يستعرض لنا اساطيرهم بحسب رؤيته الشخصية لهم وهو لايطلب من القارىء ان يتفق معه فى النظر من نفس الزاوية ، فيبدأ الكتاب باستعراض شخصية الطباخة الايطالية (نايجيلا لاوسن) صاحب البرامج الشهيرة حيث يسكب مالذ وطاب من كلمات غزل حسية فى أداء الطباخة الايطالية التى اعتبرها خطر جديد يهدد استقرار البيوت ، محولا ً اياها الى نجمة اغراء لا نجمة برامج طهى.

 ومن الشخصيات التى يتناولها الكتاب( يحيى حقى) الكاتب والروائى عاشق الكتابة والحياة البسيطة بعيدا عن الاضواء ، فهو يذكر لنا عن اسلوب حياة الكاتب البشيطة ومحافظته على روتين يومى فى التجول مع زوجته وتسوقهم للحاجات البيت ، ومدى نفوره من الشهرة عكس الكثير من زملاء الكتابة والوسط الادبى ، كما يشير لرفض يحيى الانضمام لكتابة فى الاهرام فى فترة تولى محمد حسنين هيكل الرئاسة ، إذ ظل يحيى خارج برج العظماء فى نكاية عن كبار كتاب ومثقفى مصر فى الستينات ممن انضموا للكتابة او العمل ضمن الاهرام (نجيب محفوظ ، والحكيم ، ويوسف ادريس واخرين) .

كذلك من الشخصيات المجهولة يقدم لنا أحمد رسلان حارس مبانى فى عقده السابع صاحب الذراع الواحدة و الحكاية الغريبة فقد تعرف على تشى جيفارا الرمز النضالى الشهير فى صدف تاريخية ، فقد عمل أحمد رسلان منذ بلوغه السابعة عشر كحارس فيلا القائم بالاعمال الكوبى ارماندو رفييرا الذى قرر اصطحاب احمد معه بعد انتهاء خدمته الى بلاده كوبا ، لتعلق ابن الدبلوماسى الوحيد بأحمد ، فيرافقهم الى كوبا لتقع الثورة الكوبية بعد شهر فيعود القائم بالاعمال رفييرا للقاهرة كسفير لبلاده ، وليبقى أحمد كحارس لفيلا الدبلوماسى الكوبى فى هافانا بدل من العودة الى القاهرة ، هناك يتاح له الوقت والفرصة ليتعرف على المجتمع الكوبى ويتزوج من احد بناته وينجب منها ولد ، قبل ان تتحول حياته الى مأساة بسبب مشاجرة انتهت لاصابته برصاصة تسببت فى بتر ذراعه ، وترحيله الى القاهرة يرافقه زوجته الكوبية وابنه منها ، بالقاهرة يعيش احمد حياة ضنك وفقر مع اسرته الصغيرة بسبب الاعاقة ويحاول اللجوء الى كافة الابواب فلا يبقى الا ان تقوم زوجته بمخاطبة الرئيس كاسترو من خلال اسرتها فى هافانا لكى يمد لهم يد العون ، فيرسل كاسترو تذكرة سفر لزوجة والابن ويطلب من احمد ان يتدبر ثمن تذكرته إذ اراد اللحاق بزوجته ، الذى يعجز عن توفير ثمنها فتمر سنوات طويلة يتزوج خلالها احمد من مصرية وينجب اولاد ويتضائل امله فى اللحاق بزوجته او رؤية ابنه الوحيد.


والشخصية الخامسة هى الاعلامية المصرية ( منى الشاذلى) التى يتناول الكاتب سيرتها المهنية باختصار مستعرضا ً بعض ابرز محطات نجاحها فى تقديم برامج تلفزيونية جعلت منى نجمة برامج التوك شوالعربية (التى تتحول فى العالم العربى الى برامج دردشات بينما هى فى العالم الغربى يقوم المذيع باقامة حوار بين طرفى نزاع او حول قضية ما يعلب فيها دور المحايد) . حيث يشير عزت الى اسلوب منى فى تحويل حلقات برامجها خاصة (العاشرة مساء) الى جلسات فضفضة ومجاملات لاتنتهى بين الضيوف والمذيعة دون الالتزام بالمهنية الصارمة كما فى برامج حوارية فى قنوات اكثر رصانة كالجزيرة او العربية ، و  يرى عزت سر شهرة ونجومية منى هو الظرف التاريخى لظهورها حيث اصبحت تمثل  صورة لامرأة من  الطبقة الوسطى المثقفة، ولا ينسى أن يشير لخلطة جمالية تميز منى باعتبارها مزيج مابين ميرفت امين وسعاد حسنى ، نازعا ً عن منى تمتعها بثقافة سياسية عميقة كالاكاديمية رضوى عاشور او الصحفية لطيفة الزيات ، او مقدرة لغوية فهو يعدد ماترتكبه من أخطاء بحق اللغة العربية واستعمالها السىء لها.


ويأتى بشخصية الروائى المغربى (محمد شكرى )المثير للجدل ليستعرض لنا جوانب من حياته وسيرته بحسب رؤية القمحاوى له ، فهذا الكاتب العصامى فارق الحياة بعد بلوغه الواحد وستين من عمره قضى معظمه يتناول طعام اقل مما يشرب من خمر . ويخبرنا القمحاوى عن انطباع اول تكون لديه من مقابلته للكاتب العصامى الذى رأى احتمالية أن يصبحا صديقان بعيد لاسباب بررها عزت بكونهما مختلفان ، ويقدم لنا شكرى الممتعض من نظرة الوسط الادبى واحتفائهم بشخصيته باعتباره (كاتب ظاهرة ) على الرغم أنه لم يتوقف عن تغذية هذه الصورة بافتعال الضجيج خارج الكتابة فى الحياة الاجتماعية ، ويصنف عزت كتابات واعمال شكرى ضمن السيرة الروائية من خلال ثلاث امثلة بارزة (الخبز الحافى ، الشطار، ووجوه) ويعتبرأهم انجازاته توسيع أفق الكتابةورفع سقف الحرية من خلال البوح الصريح والصدام المباشر مع الكثير من قيم المجتمعات العربية التى اتهمته بأنه يقدم جنس مبتذل .


أما(إميل حبيبى) الأديب الفلسطينى الشهير بـ”متشائله أبي النحس” فيحدثنا عزت بصراحة كبيرة عن عدم سعيه لمقابلته كلما حط به الرحال فى القاهرة مشاركا فى احد المناسبات الثقافية او السياسية ، فالقمحاوى لم يهضم ابدا فكرة الأديب الفلسطيني الوحيد الذي لا يرى في التطبيع مع العدو الصهيوني عارًا كما نراه نحن،  ويعرض لنا المأزق الانسانى الذى يعيشه إميل حبيبى فى تأرجحه بين حلم الأدب وواقعية السياسة ، بين التزامه كفلسطينى وبين آراءه السياسية التى يراها عزت من وجهة نظره مجرد آراء خرقاء زادتها الاحداث غرابة .


ثم يحاول ان يحلل لنا شخصية (ايهاب صلاح) مذيع الاخبار فى التلفزيون المصرى الرسمى الذى تحول من مشروع نجم تلفزيونى الى قاتل لزوجته فيصبح من قارىء الاخبار الى صانع اخباروبطلا تراجيديا باقدامه على تلك الجريمة التى جعلت الكثير من الصحافيين والناس يشنغلون بها لفترة من الزمن محاولين سبر غور العلاقة بين القاتل والقتيلة والاسباب التى أدت الى هذه النهاية المأساوية بين الزوجين ، فايهاب ابن الطبقة الوسطى يتحول الى نجم مطارد من قبل معجبة مجهولة فى البداية وذلك بمجرد ظهوره بضع مرات فى نشرات الاخبار فى التلفزيون الرسمى ، لتصبح المعجبة عاشقة تحكم قبضتها على حياته وتنتهى العلاقة الغير شرعية الى زواج يتحول من خلاله ايهاب الى مدمن مخدرات ينتهى به الحال الى قتل زوجته التى تحولت الى قدر موحش لايهاب.


ثم تأتى الشخصية الاخرى فى سلسلة كتابه للرئيس العراقى( صدام حسين) الذي يصنع بحسب القمحاوى اسطورة متسامية فوق خطاياه الكثيرة فى لحظة الاعدام فهزلية المحاكمة ورفض الطلب الاخير للمتهم رميا ً بالرصاص ، والتنفيذ يوم عيد الاضحى ، والهرج الحقود يوم التنفيذ ، عكست صورة بشعة للديمقراطيين المحتلين وعكازهم العراقى ، جاعلاً من صدام شخصية بطل تراجيدى ، الذى عانى نوعا من الفصام حتى فى لحظة الاعدام بحسب تحليل أستاذ علم النفس أحمد عكاشة ، تماما ً ككل المواجهات الصدامية التى دخلها فى حياته بدأ ً من بدأ رحلة الصمود في كامب ديفيد ثم في الحرب مع إيران، ثم التخلي عن الصمود بعد ثماني سنوات دون ذكر الأسباب، ودون الاعتذار للضحية، لينتقل سريعًا إلى غزو الكويت، والصمود على احتلالها فالخروج منها إلى الصمود تحت الحصار، وتحت الغزو ثم الصمود في الحفرة، فالصمود في المحاكمة الهزلية وانتهاء بصمود حفل الإعدام الفظ .


وبعدها يعرض لنا عزت القمحاوى شخصية غير معروفة ، بل واحدة من الشخصيات المجهولة الا لساكنى حياها هى شخصية المارشال (على درويش) حى الحسين الذى اتخذ من الدكة المقابلة للباب الشرقى لمسجد الحسين مقرا ،و العصا الخشبية المارشالية في يده بينما تثقل النياشين صدر سترته الحربية التي لا يعرف أحد إلى أي عصر تنتمي ، فوق بنطلون بيجاما مقلم ، بينما تطل أصابع القديمن من الخف الشعبى المهترىء .


وتأتى شخصية ( محمد البساطى) الكاتب صاحب الصوت الخفيف للأنين والوحشة الانسانية وسط عالم صاخب ، لايتخلى فيه عن دوره فى مواجهة الفساد او الدفاع عن حقوق المواطن او حرية الابداع والتفكير ، ماجعله يعرف طريق الاعتقال فى عهد السادات متظاهرا ً ضد توقيع كامب ديفيد ، محافظا ً على مكانه فى الصفوف الاولى للمثقفين فى المظاهرات والاعتصامات ، معريا ً تصرفات التبع من المثقفين و عازفا ً عن حضور الندوات والمناسبات الثقافية .


وبعدها يتناول القمحاوى شخصية الفنان التشكيلى( جودة خليفة )صاحب الروح الضاحكة والاعمال التى لاتسندها أسطورة يصنعها البعض لانفسهم من خلال شبكات العلاقات بالنافذين والمؤثرين فى ذلك الوسط ، فيصدر بورتريه جودة بعبارة عاش وفقا ً لارادته ومات ضد إرادة محبيه ، بمرض لاشفاء منه . 


فى حين الشخصية السادسة عشر فى هذا الكتاب هى لكاتب القصة (ابراهيم منصور) صاحب القصة الوحيدة فى رصيده الادبى تحمل عنوان "اليوم 24 ساعة " ليتوقف بعدها متحولا لراصد للكتابات الرديئة والممارسات السياسية الاكثر رداءة ، فهو من جيل الرفض فى الستينات ، فضل الحياة على الكتابة إذ انصرف الى اللهوء والشرب والتدخين بدل الانغماس فى عالم القصة رغم اعتراف الوسط الادبى بموهبته الكبيرة ، وقد ظل ابراهيم منصور فى طليعة المحتجين منذ منتصف الخمسينات حتى السبعينات فتفرغ لكتابة اللافتات، وفى مابعد كامب ديفيد أصبحت هناك قسمة ظالمة بين السلطة والمثقف تقضى بأن يقول المثقف مايريد وتفعل السلطة ماتريده ، ولم ترضى ابراهيم منصور فمات .


ويقدم لشخصية الاعلامية الامريكية السمراء (اوبرا وينفرى) بعنوان استبداد الشيوكلاته ، متسائلا عن سر نجاح هذه المرأة ، وعن قوتها كاعلامية و كامرأة  الأكثر تأثيرا فى العالم فى سن الخمسين ، السن التى تصلح فيه المرأة بالكاد للرمى بحسب منطق صناع الصور، مشرحا ً لشخصية اوبرا التى يختبىء تحت صوتها الاقرب للذكورة ، ذكريات الاغتصاب والفقر و مرارة التشرد والضياع فى سنوات حياتها الاولى ، يرى القمحاوى فى شخصية اوبرا جانب المبشرة فهى تدفع جمهورها فى الاتجاه الذى ترغبه مفكرة ً نيابا ً عنهم ، فهى تدعم اوباما صاحب البشرة السمراء مثلها ، مانحة ً الامل لملايين الامريكيين السود بعدالة عرقية كاذبة .


ويحدثنا القمحاوى عن بطل تراجيدى اغريقى معاصرهو مايكل جاكسون  فإنه يربطها بتاريخ الرئيس الأمريكي الأسود أوباما في موضوع واحد هو (ثقل البياض الذي لايحتمل) الذي يعرض فيه بطريقة أعتقد أنها مختلفة تمامًا الفرق بين سيرة حياة كلا “النجمين العالميين” وما أهل الأول للوصول إلى أهم مقعد سياسي في العالم، وما وصل بالآخر إلى أن يكون أهم مغن عالمي بعد المرور بإحباطات الدنيا كلها ، كما أن حياة جاكسون ومذكرات اوباما تنضحان بآلام أرواح السود، التى لم تتحرر بعد من على الرغم من التقدم الشكلى فى الحقوق القانونية .

تأتى بعدها ثنائية جديدة يستعرض من خلالها القمحاوى شخصيتان امريكيتان شهيرتان هما ستيف جوبز وبيل جيتس ، التى تقوم بين حرب تكنولوجيا بين الشركتين ، معيدة أجواء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتى و الولايات المتحدة الامريكية .


ثالث ثلاثة يضعها عنوان لتقديم شخصية أحمد زكى الذى يشكل مع سعاد حسنى و عبدالحليم حافظ ثلاثى تبناهم الشاعر صلاح جاهين ، وجمعهم مصير مآساوى رغم النجومية والشهرة ، وظل سر نجومية الفتى الاسمر فى عينيه الصادقتين جدا المقنعتين دائما ً.


ويرى عزت أن الشاعر الفلسطينى درويش كان أكثر اتساقا مع حياته ، رغم أنفه رمزا ًأكثر ، وبشرا ً أقل . ولاينسى أن يعرج على حكاية  زياد أبو عواد الفلسطينى الخمسينى الذى تعرض محله للمداهمة من قبل جنود الاحتلال ليسألوا عن أطفال رشقوا الدورية بالحجارة وهربوا ، فتنهال عليه اعقاب البنادق وفيلفظ أنفاسه فى الطريق الى المستشفى ، لأن زياد اجرى جراحة قلب مفتوح منذ شهور قليلة ، ويتحول زياد اخ رياض صديق عزت الى اكثر من مجرد رقم جديد يضاف الى ارقام شهداء فلسطين ، فقد عرف حياته وحياة أسرته من خلال مايصفه له صديقه رياض عن حياة اخيه واسرته بالاراضى المحتلة .


 ويستئذن عزت قرائه فى الحديث عن ابن خاله سمير يوسف احد ضحايا حرب الإبادة التى يتعرض لها المصريون دون أن يتضامن معهم أحد، نتيجة للأوبئة المتوطنة فى أكبادهم ، ويصف عزت ابن خاله بأنه الصديق ذو الجسد السمين والروح الثمينة ، هو الموسيقى الذى لم يلحن ، والشاعر وإن لم يكتب . 


وليقدم لنا بعدها القمحاوى رثاء مؤثر لصديقه الفنان “حازم شحاتة” شهيد مأساة مسرح بني سويف عام 2005 الذي يقول له (ضع ضحايا المبيدات المسرطنة مع ضحايا القطارات والسيارات والعبارات مع ضحايا قرب الدم الملوثة التي توقع بمرضى  صاروا يتعاطون الموت في المستشفيات بدلاً من العلاج، وبعد ذلك أشعل شمعة، لا لكي تضيء فالشمعة لا يمكن أن تبدد كل هذا الظلام، لكن بوسعها أن تريح من تبقى عندما تشتعل قاعة المسرح يحترق فيها الممثلون مع النقاد مع الجمهور) في عرضٍ لن يشاهده أحد .


تحضر(مارلين مونرو) الشهيرة بفتنة الجسد العاري أمامه فيصف تلك الصور التي أخذها لها المصور العالمي (برت شتيرن) أنها “اتخذت في بعض الصور أوضاعًا تبين إلى  حد كانت فنانة في إرضاء جلاديها من الرجال دون أن يبدو عليها أي قدر من الاستمتاع" . ولتضع نهاية لحياتها وضعتها فى خدمة رغبات الاخرين . ويستعرض تباين أسلوب كل عاصمة غربية فى الاحتفال بذكرى وفاة مونرو فباريس تحتفى بالجسد العارى فى حين امريكا تستعرض سراويلها الداخلية ، بينما يكتفى الانجليز برسم تخيلى لمارلين فى سن الثمانين .


ثم يقدم لنا شخصية ساعى بريد فريد ومن نوعه هو صالح باشا ابن سلالة غنية فقدت ثروتها ولم تكن وظيفة ساعى البريد التى حصل عليها بواسطة اصدقاء العائلة لم تكن الاولى ، بل الاخيرة فى سلسلة وظائف صغيرة طُرد منها واحدة بعد اخر.


ولايكمل استعراض شخصيات كتابه قبل أن يعرج على شخصية عرَفها بخطيب الفتنة الذي لم يعرف اسمه، وكان يجيء إلى القرية ليعظ الناس فيخرج وقد أوغر صدور الآباء على أبنائهم للحد الذي جعل أبًا لأحد أصدقائه يتخوف من تعليم ابنه لئلا يكبر فيصبح جاحدًا له . ويختم القمحاوى سلسلة الشخصيات بيوسف شاهين وسهير البابلى .


الكتاب جيد الى حد كبير، يجدر التنويه إلى أنه فى الاصل سلسلة مقالات سبق نشرها بأحدى الصحف العربية، ا ستعمل الكاتب والروائى عزت القمحاوى اسلوب سردى تجعل القارىء مستمتع بالقراءة ، هو لايخوص عميقا ً فى تناول شخصياته ولايفسر ويحلل الا بحسب رؤيته الشخصية لهم  ، الكتاب خفيف ومسلى يصلح للقراءة فى اوقات الانتظار او كأستراحة بين قراءات عميقة . 

الاثنين، 7 يوليو 2014

علي حدوث العبيدي: الإنتماء في سير الشهداء...



"لم يكن حدوث قصة نادرة في تاريخ النضال الليبى ، فهو سار على درب الأجداد ، فهناك الشهيد عوض العقاب الغيثى الذى شارك فى العديد من المعارك فى الجبل الأخضر والقرضابية ومصراته والجغبوب والكفرة ،

لاشك أن الدافع وراء مشاركتهم القتال فى أكثر من مكان على تراب هذا الوطن هو ايمانهم بوحدة هذا الوطن ، وماغُرس فى وجدانهم من قيم سامية ونبيلة من التضحية والايثار من أجل حماية الأرض والعرض.."



السادس من يوليو هى الذكرى الثالثة لاستشهاد (على عطية الله حدوث العبيدى) في جبهة مصراتة إثناء معركة سوق الثلاثاء على مشارف مدينة زليتن.كم نحتاج للتأمل بعمق فى حكاية هذا الشهيد الشجاع والوطني فى هذه الأوقات ، إذ أصبحنا نعيش أوقات غريبة مضطربة تدور فيها مناقشات حامية تُبنى حول اقاويل واشاعات واخبار غير دقيقة فى معظمها ، وكلما اشتدت تلك المناقشات بين الافراد و الجماعات بالمجتمع سواء فى العالم الواقعي او الافتراضي تفرز افكار مشوهة ، وبناء ً عليها تُشن حملات تنضح بالكراهية والدعوة لتمزيق جسد الوطن المثخن بالجراح العميقة .


***

 "ليبيا دونها تاريخ و مجد...ليبيا دونها تاريخ أجدادنا الشرفاء ..لم ننحنى ولن ننحنى بإذن اللهنحنا مش جرذان ... نحنا رجال لنا تاريخ ولنا مجد و تاريخ مسطر بالدم...نحن نمشى على شفرات السيوف ونأتى المنية من ابوابها.. لن نخسر هذه المعركة ...لن نخسرها أبدأ" .كانت هذه الكلمات جزء من حديث للشهيد على حدوث مسجل فى فيديو بعد وصوله لمدينة مصراته ، و تم نشرو تداول الفيديوعبر اليوتيوب الكثير من المرات ، إذ اصبحت كلمة هذا الرجل الشجاع من الكلمات المؤثرة والعميقة فى تاريخ الثورة .



ولد الشهيد بمدينة طبرق حيث تلقى تعليمه الأولي في مدارسها، ثم أكمل دراسته في كلية الطيران الحربي بيوغسلافيا سنة 1972، ليتدرج بعدها في الرتب العسكرية بقاعدة بنيننا الجوية في بنغازي، ثم وجد نفسه في حروب القذافي و مناوشاته مع مصر و تشاد وشارك في مواجهات عام 1986 ضد الولايات المتحدة فوق خليج سرت .



عندما هبت على المنطقة رياح التغيير والثورة فى تونس ومصر ، بدأ علي حدوث يترقب الاوضاع ويتحين فرصة اندلاع ثورة في بلاده القابعة تحت حكم القذافى . يذكر اخاه محمد حدوث أن الشهيد علي كان على علم بخروج مظاهرات يوم 17 فبراير فقام بتغيير محل إقامته من بهو الضباط إلى مقر قرب البوابة الرئيسية بقاعدة معيتيقة ، ويقول بإن اخاه قد تعرض لضغوطات وتهديدات كما حدث مع الكثير من كبار الضباط بالجيش الليبى المتواجدين بطرابلس او بمدن أخرى تحت قبضة النظام ، فقرر علي حدوث يغادر القاعدة الجوية ويذهب إلى الزنتان ولكن الظروف حالت دون ان ينفذ نيته وقرر التوجه إلى مصراته ، فقام برحلته مشيا على الاقدام لمدة 15 يوما ، في ظروف صعبة في شهر مارس من عام 2011 ، ليصل الى مدينة مصراته ويستقر بها ، رافضا ً مغادرتها والعودة لعائلته الصغيرة بمدينة بنغازى عبر البحر ، إذ اتخذ قراره بالبقاء للمشاركة فى الدفاع عن مصراته من اجتياح كتائب القذافى .



قرر الشهيد بوحدوث ان يشارك في القتال فشكل كتيبة من شباب مصراته الذين اعتبروه أبا وقائدا ً ملهما ، وهو عاملهم كأولاده ، وكان يقاتل معهم في الخط الأول للمواجهات الدامية ، ويذكر بعض من قاتل الى جانبه بإنه اوصاهم " اذا نفذت الذخيرة لاتولوا الادبار كبروا واضربوهم بالحجارة " ، وقد اُصيب ثلاث مرات وبعد كل اصابة يتماثل منها للشفاء يعود لحمل سلاحه مشاركا ًفي القتال من جديد ، رافضا ً المغادرة إلى أي مكان . ويقول اخاه ادريس عندما زاره بمصراته بعد تعرضه للاصابة  " رأيت العميد في جبهات قتال الدافنية ونعيمة حافي القدمين في حالة يرثى لها، حيث اندمج بكل عواطفه مع الثورة والثوار" ، ويشيد زملاء الشهيد من ضباط الجيش الليبى بسيرته العطرة كرجل شريف عفيف ،لم تحسب عليه أي إدانة أو رشوة.



يوم 6-7-2011 أستشهد هذا القائد المقدام مقبلا غير مدبرعن عمر يناهز 61 عام ،أستشهد وهو يقاتل قوى الشر والطغيان فكان رمزاً للشجاعة والتضحية في سبيل عزة الوطن ، ووري الشهيد الثرى بمقبرة الولي أحمد الزروق في ضواحي مصراتة، ولم يتم إطلاق الرصاص أثناء تشييع جثمانه كما جرت العادة امتثالا لوصيته ، وقد إفتقده كل من عرفه وكل من شاهد مقطع الفيديو الحماسي الذي أعلن فيه إنشقاقه، وكانت كلمته الشهيرة من المقاطع المتداولة بكثرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وفي اجهزة الهواتف المحمولة بين الليبيين من مدن وقبائل مختلفة .

***



وقد نعاه الصحفي الإيطالي الشهير "جوفاني دفتنيتي" في اول مقالة له في سلسة مذكراته الشخصية التي نشرتها جريدة "لاستامبا" الإيطالية :



"وداعا يا جنرال الدافنية ..



منذ وصولنا الى مدينة مصراتة قررنا التوجه الى جبهة القتال في الدافنية ، كنا اربعة اشخاص واقفين امام فندق ( قوز التيك ) في يوم حار من أيام مصراتة الثائرة، ننتظر سيارة لتقلنا الى الجبهة، فمرت سيارة نقل بجانبنا و طلبنا من سائقها ان يأخذنا الى الدافنية، و لبى طلبنا بالكرم الليبي المعهود.



عند وصولنا الي الدافنية انتظرنا قليلا للقاء آمر الثوار في المنطقة، و عند الأنتظار، حكي لنا أحد الثوار قصة هذا البطل، اسمه علي حدوث العبيدي رجل في ال 61 من العمر، عميد سابق في السلاح الجوي الليبي في طرابلس، عند بداية الثوره طُلب من العميد ان يقصف مدينة بنغازي لكنه رفض ذلك و استطاع مغادره طرابلس سيرا علي الاقدام الي مصراته رافضا الاوامر التي كان ستؤدي الي مجزره لقتل المئات من الابرياء ، راحلا سيرا علي الأقدام ، متخفيا عن أعين الاعداء متكبدا عناء الجوع والعطش والمشقة .



و وصل السيد العبيدي الينا، رحب بنا ببشاشة، ثم اعطانا توجيهات عامة بخصوص التحرك في الجبهة بعد ذلك اصطحبنا الي معسكر للثوار و عرفنا علي رجاله. كان ذلك لقائي الأول بهذا الرجل العظيم، تلته عدة لقاءات طوال فترة تواجدي بمصراتة، كان خلالها يعاملني بنبل الفرسان و كان دائما يحب ان يقاسمنا طعامه كأننا نعرف بعضنا منذ فترة طويلة . و في احدى المرات اصطحبني معه الي مشارف زليتن ، كان هذا الرجل يعرف ماذا يفعل من كافة النواحي القتالية و الأحتياطات الامنية ، في اخر يوم رأيته فيه قال لي سوف نتقابل قريبا يا جوفاني قريبا إن شاء الله ،ويومالسادس من يوليو كنت بالقرب من مستشفي الدافنية حيث كان القتال شديد هناك ، تعرفت علي بعض وجوه الرجال وكانوا كلهم يبكون ،فذهبت اليهم وسألتهم عن اسباب بكائهم قالوا لي ان (علي حدوث ) قد استشهد، صدمت، بل صعقت لما قالوه لي .



رأيت الجثمان هناك ولم اصدق او لم ارد التصديق انه السيد علي نزلت من عيوني الدموع بشكل لم اعهده من قبل على فقدان رجلٍ تعلقت به، حضرت جنازته و شاركت في مراسم دفن جثمان البطل، اكثر شي اثار اعجابي في هذا الرجل شجاعته الأسطورية و موقفه البطولي من ثورة شعبه، لن انسى استقباله لي وكأننا اصدقاء طفولة، وسأتذكره كأنني أعرفه منذ زمن طويل كصديق قديم ، كم تمنيت ان نلتقي مجددا كما قال لي ، رمقت جثامنه بنظرة أخيرة و قلت له " وداعا يا جنرال الدافنية".


عوض العقاب الغيثى
 اعتقد كلمته الشهيرة "ليبيا دونها تاريخ و مجد...ليبيا دونها تاريخ أجدادنا الشرفاء ..لم ننحنى ولن ننحنى بإذن الله" جاءت استلهاما لتاريخ عائلى يخص الشهيد فوالده هو الراحل (عطية الله حدوث العبيدي) كانت أسرته قد حُشرت بمعتقل العقيلة ككثير من العائلات الليبية التى حُشرت بتلك المعتقلات السيئة الصيت في العهد الإيطالى ، ثم جُند الأب (عطية الله حدوث) في الجيش الإيطالي للمشاركة بالقتال في الحبشة التى عاد منها ليلتحق فيما بعد بالجيش السنوسي لتحرير ليبيا في الحرب العالمية الثانية .



لم يكن حدوث الإبن او الأب قصص نادرة في التاريخ الليبى ، فهما سارا على درب الأجداد ممن ناضلوا ضد أي غاصب ظالم او محتل ، فهناك مجاهد ينتمى لقبيلة العبيدات هو الشهيد ( عوض العقاب الغيثى ) الذي شارك في العديد من المعارك في اكثر من مكان من هذا الوطن فمن القتال بربوع الجبل الأخضر إلى القرضابيةومعاركبمصراته وإلى الجغبوب والكفرة وقدإشتهر في المنطقة الغربية والمعاراك التى شارك فيها "بالعبيدي" نسبة لقبيلته التي ينتمي إليها، وقد استشهد أثناء قتاله بمعركة الحوار فيأوائل شهر مايو عام 1931. لاشك أن الدافع وراء مشاركة الشهيد المجاهد (عوض العقاب الغيثى ) في القتال في أكثر من مكان على تراب هذا الوطن هو ايمانه بوحدة هذا الوطن ، وماغُرس في وجدانه من قيم سامية ونبيلة من التضحية والايثار من أجل حماية الأرض والعرض .



حكاية هذا الفارس الشجاع تجعلني اتلمس فكرة أن الانتماء للوطن عقيدة راسخة في أرواح وعقول اجدادنا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس كقِيم ومبادئ ، وتضحية وإيثار، والتزام أخلاقي للفرد والأمة ككل،و من قيم الانتماء والولاء للوطن، العمل على إبراز الحفاظ على الوحدة الوطنية فمايجمع أبناء هذا الوطن أكثر بكثير ممايتصور الغالبية ممن يغفلون عن هذه الجوانب ، وأعتقد أننا في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ وطننا نحتاج لنقاش على مستوى واسع ، يقوده أناس تملك حس عالي بالمسئولية والوطنية والالتزام بالقيم الانسانية من أجل أثارة نقاش معمق حول مفهوم الوطنية المغُيبة خلال العقود الاربع الماضية بتأثير سياسات قادها النظام السابق في محاولة لمسخ روح الوطن في الوجدان الليبي .


  

الخميس، 3 يوليو 2014

دراجنوف: نقلة كبيرة في الدراما الليبية ..



"... دراجنوف هو محاولة أولى لتوثيق التغيرات التى اعترت المجتمع الليبي ، حاول المخرج وكاتب القصة أن يلامسا جرح لم يبرأ بعد ..."

في بعض الأحيان تتمنى لو تستطيع أن تعيد المرة الأولى أكثر من مرة، لما يصاحبها من شعور مختلف لا يمكن تكراره، أعتقد أن هذا هو حالي بالضبط مع الحلقات الثلاث الأولى  من المسلسل الليبى ( دراجنوف ). فقد اعجبتنى فكرة المسلسل التى تتناول المجتمع الليبى قبيل الثورة وخلال مرحلة الثورة وما بعد سقوط نظام القذافى وتغير كل الاوضاع القديمة فى المجتمع والدولة الليبية، من خلال قصة حب رقيقة تنمو بين احد ابطال المسلسل (عمر الكاسح) المنتمي إلى أسرة لصيقة بنظام القذافي و (منى) وهي فتاة ليبية تدرس بالجامعة  من أسرة بسيطة ، ذلك الحب الذي نتعرف عليه من خلال لقطات سريعة وجميلة دون ابتذال، وفي خط متوازي تقدم الحلقة الاولى والثانية عرض جيد ومركز حول الشخصيات التي ستلعب أدوارها على مسرح الأحداث خلال بقية حلقات المسلسل. الشخصيات التى ظهرت لغاية الآن تعكس تنوع جيد فهناك الأم الليبية الكادحة، مقابلها هناك أم عائلة الكاسح وهي من نساء السلطة التي توضح عبارتها لأبنها الآخر (علاء) عن انتماءها لنفس مدينة القذافي الصحراوية، فهي تعده بأن تنحر 10 جمال فى حالة نجاحه فيهز الأبن رأسه ساخرا من تمسكها بهذه الثقافة التى عرفناها من خلال صعود القذافى للسلطة ومثابرته واصراره على ابقاء المجتمع الليبى ضمن طابع البداوة رغم ماقطع الليبيين من مراحل تحديث وتطوير لاساليب حياتهم فى مرحلة ماقبل الانقلاب.


بالاضافة الى وجود شخصيات نسائية تعكس ماكان يجري في المجتمع الليبي من فساد وانحلال اخلاقي ، فالطالبة الجامعية الآخرى التي تؤدي دورها (غزلان منير) ابنة الأمين صاحبة الشخصية الفاسدة والمتغطرسة المتربصة بقصة الحب التي تجمع عمر ومنى هي نموذج كنا نراه فى مجتمع الجامعة ، بالاضافة الى نجلاء اخت منى السكرتيرة بشركة ضمن القطاع الخاص من خلال ظهورها الأول على الشاشة ،  يمكن ان نتلمس ملامح هذه الشخصية النسائية التي تعكس نموذج عن شره وانحراف لفتيات من أسر بسيطة نتيجة للفقر و الحاجة .


جاء تصميم مقدمة المسلسل بشكل عصري وجذاب ، وأما نهاية المسلسل من ناحية ترتيب اسماء طاقم العمل والموسيقى التصويرية المصاحبة لها فكانت ممتازة تضاهي تصاميم الافلام والمسلسلات الغربية الاحترافية .
 

كان اختيار (محمد عثمان)  فى دور (على الكاسح ) موفق جدا فهذا الممثل يقوم بتطوير نفسه عمل بعد أخر ، وناسبه جدا دور قائد كتيبة امنية ينتمي لنفس اصول القذافي ، فقط شاب مشهد استعراض الجنود فى أثناء دخوله مقر الكتيبة نوع من المبالغة المفرطة فى اظهار حدة شخصية هذا الضابط ، كما أن (واصف الخويلدي) المؤدي لدور الاخ الاصغر (علاء الكاسح) كان احد مفاجأت المسلسل السارة من ناحية توفر ممثلين ليبيين لديهم القدرة على الأداء العميق لمشاهد تعكس شخصيات مضطربة وعنيفة دون ان يكون بالصراخ او الانفعال الهستيري كما كنا نشاهد لدى الكثير من الممثلين المحليين فى السابق ، أيضا الأداء الجميل و الهادىء  للممثل المؤدي لدور عمر الكاسح ، و بساطته وعدم تكلفه أثناء ادائه للمشاهد العاطفية .


من ناحية تصوير الحلقات الثلاث الأولى اعجبتني الزوايا والمشاهد واللقطات القريبة و البعيدة ووضوح الصورة ونقاء الصوت، هنا يظهر فارق كبير عما كنا نشاهده سابقا ً من مسلسلات محلية مما دفعني للبحث عن مدير التصوير لمعرفة إن كان ليبي او عربي ، أيضا التصوير فى اماكن حقيقية ومفتوحة من الأشياء الجيدة المحسوبة لفريق العمل. ولكن مشهد الزنزانة لم يبدو مقنع كفاية ، فهل من المعقول ان سلطات النظام السابق لم تلقي بالقبض إلا على خمس كما ورد على لسان آمر الكتيبة علي الكاسح ! فما اذكره جيدا أن العدد كان أكثر بكثير منذ نهاية يناير 2011 ، ربما كان من الأفضل ان تكون الزنزانة ضمن سجن حقيقي ، ومكتظة بالاجساد المرهقة ، بالاضافة للمبالغة فى إظهار كمية الدم على حوائط الزنزانة فلو تصورنا أى انسان ينزف هذه الكمية فى 3 أيام لن يبقى على قيد الحياة يوم آخر.


اغنية المسلسل جميلة من ناحية الكلمات واللحن واداء المطربة جيد ، وإنما غير متجانسة مع الموسيقى التصويرية للمسلسل ، ومع مضموت العمل الدرامي المليء بالاحداث الدرامية العنيفة والمتسارعة  لو تم اختيار صوت اقوى لربما افضل كي يبقى فى ذاكرة المشاهد. ففي السنوات الأخيرة اصبحت مقدمة المسلسلات تدخل ضمن التنافس واجتذاب المشاهد عبر عرضها فى اعلانات ترويجية حول العمل فتساهم في الدعاية وجذب انتباه المشاهدين .

استعمال ملخص للحلقات السابقة بداية كل حلقة جديدة من الأفكار الجيدة المستخدمة فى المسلسل .


كانت فكرة ظهور خميس الكاسح كشبح يتحاور معه الابن (علي) ومن خلالها نتعرف على عمق العلاقة بين اسرة الكاسح ونظام القذافي بل والقذافي نفسه ، واختيار الممثل التونسي الكبير هشام رستم لأداء هذا الدور اختيار موفق جدا .


من الأشياء المزعجة هو الأداء الحاد للممثلة التونسية (هناء الفهري) التى تؤدي دور (عبير) ابنة عائلة الكاسح، إذ تبالغ فى إظهار ردة فعلها الغاضبة من خلال ملامح وجهها وجسدها المتشنج، مشهد المكتب لم يكن موفق كثيرا ، بالاضافة لمشهد لقائها بلاعب كرة القدم على الطريق بدى وكأنه استنساخ لمشهد من فيلم غربي ، بالاضافة الى وجود خطأ فى ظهور الفتاة المتربصة بقصة حب منى وعمر فى خلفية مشهد يتذكره عمر على خلفية اغنية لفيروز محادثة مع حبيبته (منى) ، فالمشهد هو ضمن ذاكرة عمر التي لاتعي وجود من يتربص بهما أي هو ومنى ، وخاصة ان الفتاة لايكون ظهورها صامت ، انما برفقة صديقة وتتكلمان فى السيارة حول منى ثم عمر.


لم يكن حديث الممثلات (هناء الفهري بدور عبير) و (سهير بن عمارة بدور منى ) باللهجة الليبية متقنة ، فبدى كلامهن ثقيل ،يتعثرن في نطق بعض الكلمات و يتباطىء الحوار فى بعض المواضع، بالاضافة لافتقاد الممثلين للحيوية المطلوبة فى بعض المشاهد ، فشاب ادائهم نوع من البرود والتخشب ، وهذا لنقص الخبرة والدراسة والتدريب ، ربما يتم تداركه مستقبلا.

تنكر الشباب المتلزمين و شيخ الجامع لم يكن متقن كثيرا فظهرت لحيهم المصطنعة واضحة جدا ، والمتبع الآن في التنكر فى الاعمال الكبيرة إذ تطلب الأمر اطلاق لحية ان يقوم بذلك الممثلين أثناء الاستعداد للعمل .


مشهد المطاردة الأولى فى الحلقة الأولى كان بطيء الى جد كبير والمطاردة لم تكن تحمل أي طابع تشويقي ، ملابس الجنود والضباط فى الكتيبة ظهرت وكأنها جديدة ، وكان الأدق ان تظهر مدعوكة قليلا او يظهر عليها آثار الاستعمال السابق .


اخراج الحلقات الثلاث الأولى جيدة جدا كما اعتدت من اسامة رزق كمخرج ليبي لديه امكانيات كبيرة ولديه رؤيته و مشروعه الاخراجي المتميز وسط جيل الشباب الليبي او حتى ضمن تاريخ الدراما الليبية ، كم أن شريكه سراج هويدي قدم حوار و سيناريو مكتوبان بطريقة احترافية عالية ، رغم ماشاب المونتاج من بطء فى بعض المشاهد .


دراجنوف هو محاولة أولى لتوثيق التغيرات التى اعترت المجتمع الليبي ، حاول المخرج وكاتب القصة أن يلامسا جرح لم يبرأ بعد ، فالثورة جاءت لا لتسقط النظام فقط ، إنما لتعرية كل ماكان يجري فى الخفاء من جرائم وانحرافات من كل الانواع ، ودراجنوف جاء ليضع أمامنا ماكنا نحاول ان نهرب منه خلال المراحل الماضية ، هي محاولة شجاعة جدا لمساعدتنا على رؤية امراض وعلل و مشاكل المجتمع  الليبي.


تابعت خلال الفترات الماضية ما أُثير من ضجة حول المسلسل لظهور فتاة ليبية تضع رجليها على طاولة مكتب وتقوم بالتدخين ، بالاضافة لتضمن برومو المسلسل للقطات سريعة لمنى وعمر وهما يتبادلان كلمات حب عفيفة ، هذه الضجة في جزء منها محاولة بائسة من التهرب من مواجهة المشاكل و الظواهر السيئة في مجتمعنا، محاولة إنكار بائسة، كما أنها محاولة فاشلة للطعن في المسلسل من أطراف يسيء إليها أن يطلع عموم المجتمع على صورة من صور الفساد الكبير الذي كان يعتري النظام السابق. فمن المؤكد أن شاهد الليبيون وسمعوا اكثر منها سوءاً في المسلسلات التركية او العربية. مواجهة الأمراض و الظواهر السلبية في المجتمع هي الطريق لمعالجتها إن كنا نريد إعادة بناء المجتمع على أسس صحيحة. 


في هذا الإطار أرى أن مسلسل دراجنوف المحاولة الجادة الأولى لبناء دراما ليبية تساهم فى تسليط الضوء على مشاكل وازمات هذا المجتمع ، بالإضافة إلى أنه نقلة كبيرة في الدراما الليبية كعمل فني.


شكرا لمؤسسة العين لإنتاجها هذا العمل الفني و شكرا لفريق المسلسل مع تمنياتي لهم لمزيد من التألق و النجاح.

لمن يرغب فى تحميل الحلقات المعروضة او معرفة المزيد عن المسلسل ألقاء نظرة هنا: https://www.facebook.com/Dragunov.ly