
كانت شواطىء البحر المتوسط مسرح للعمليات البحرية والمعارك والاشتباكات بين الاساطيل التى كانت تجوب مياهه الهادئة ، ولم يكن الصراع القرطاجى –الرومانى ، ومن قبله الاغريقى –الرومانى الا بعض حلقات الصراع الطويل للسيطرة على مياه هذا البحر.
تواصلت مع دخول العرب المسلمون عالم الفتوحات وسيطروا على شواطىء الشام ، ثم على معظم الشواطىء المطلة على هذا البحر تتحول الى بحيرة عربية مسلمة تقريبا ، حتى حمل اسم بحر الشام ، ومع انصراف العباسيين إلى تطبيق استراتيجية قارية ، واهمال البحر اهمالا يكاد يكون تاما ، لولا محافظة المغرب العربى على بقايا قواته البحرية ، ووجد العرب المسلمين انهم امام تحديات كبيرة فلجأوا الى حرب العصابات او مايعرف عند الاوربيين بحرب القرصنة كوسيلة دفاعية ، وبقى الامر كذلك حتى بداية القران الثامن عشر عندما بدأت الايالات المغربية الموجودة -فى كنف السلطان العثمانى فى ذلك الوقت- فى التساقط امام الضربات الاستعمارية المكثفة واحتلال الجزائر وتونس من قبل فرنسا والمغرب وقع بيد اسبانيا.
وكانت السفن المغاربية تباشر عمليات الجهاد ضد السفن الاوربية التي كانت تهاجم سواحل المغرب العربى وتشتبك مع سفن البحرية المغاربية ومصادرة حمولاتها وأسر ركابها، و التي يطلق عليها "مراكب الجهاد" فهى لم تخرج للقرصنة كما يزعم المؤرخون الغربيون، وإنما كانت تقوم بالدفاع عن الإسلام والعروبة ضد الخطر الأوربي ، وقد فشل الأوربيون في إيقاف عمل المجاهدين، وعجزت سفنهم الضخمة عن متابعة سفن المسلمين الخفيفة وشل حركتها। وقد ساعد على نجاح المجاهدين مهارتهم العالية، وشجاعتهم الفائقة، وانضباطهم الدقيق، والتزامهم بتنفيذ المهام الموكلة إليهم.
وصار لرجال البحر في مدينة الجزائر مكانة مرموقة حيث كان يعمها الفرح عند عودتهم، فيقوم التجار بشراء الرقيق والسلع التي يعودون بها،كما ان نسبة كبيرة من الاسرى المسيحيين يعلنون اسلامهم وكان يطلق عليهم علوج ، الا انه ومع مرور الوقت تحولت أعمال البحرية الجزائرية من طابع جهادي وصارت تتسم بطابع تجاري، وذلك لما كان يحققه البحارة من غنائم كثيرة اغرت الكثيرين للالتحاق بالبحرية.
هذا الامر جعل الكثير من قصص تلك البطولات والغزوات البحرية يتم التعبير عنها فى الشعر والغناء المحلى بالجزائر، وفى اثناء قراءاتى وبحثى عن افلام وثائقية تتناول التاريخ البحرى لشمال افريقيا وجدت هذه اغنية من التراث الغنائى الشعبى بالجزائر للشيخ الهاشمى القروابى بعنوان (قرصانى يغنم )وهى من نوع الحوزى الذى يعتبر نوع من الغناء الاندلسى المحلى و الكلمات للشاعر المراكشى محمد بن فريحة الذى عشا فى ايام السلطان محمد بن عبدالرحمن وهذه القصيدة موجودة في ديوان شعر الملحون مختارات الشيخ بلكبير ،الاغنية تتركز حول وصف السفينة التى اقلعت بالريس ناجم ، وهى تصف كل قطعة وكل جزء فيها ولمن له خبرة فى تاريخ السفن العثمانية سيكون سهل عليه معرفة معانى التسميات، والاغنية تبدأ بوصف وصول السبايا المالطيات وكيف انبهر سكان القصبة بالجزائر من رؤية مناظرهن وجمالهن.
وللاستاذ فارس أبو حجيلة محاولة تحليل تاريخي لنص اوردها هنا للاستفادة حول هذه الاغنية الجميلة التى تتميزباسلوب مابين الموسيقى الشرقية مع ادخال آلات غربية بطريقة لا تجعل فى تنافراو تقدم عمل موسيقى مشوه.
جاء في مطلع مطلع القصيدة:-
قرصان يغنم
جاب علجات اخواص من حوز مالطة
الكل عازبات سلمو كياقوتات"
الشاعر هنا يصف مزهوا الغنائم الثمينة التي سلّمها سكان غرب مدينة مالطة للقوة البحرية مقابل فك الحصار المفروض عليهم، حيث يرد في بيت في نهاية القصيدة: "رضاو الغلب وسلّمونا لبنات" أي أن المالطيين استسلموا معترفين بهزيمتهم وسلموا بناتهم العذارى مقابل عودة البحرية الجزائرية عن مدينتهم، هذه التسوية ليست تسوية من الناحية المادية وفقط، بل هي إمعان في إيقاع الضرر المعنوي على المالطيين أكثر من المادي، وهدر لشرفهم وكرامتهم।ينتقل الشاعر بعدها إلى وصف القوة البحرية الجزائرية المتجهة لغزو مدينة مالطة، فيبدأ بوصف دقيق للسفينة الرئيسية، حيث يشير إلى أنها تحوي ثلاث صواري عالية: " مكمول مسقّم ليه تلت صواري في الموج صابطة"، وهو دليل على عظم هذه السفينة الحربية، حيث كانت أغلب السفن الحربية في تلك الحقبة تحمل أشرعتها صارية رئيسية وأخرى احتياطية، بالإضافة إلى هذه السفينة الرئيسية كانت تتبع لها ستة عشر "قلعة" بحرية، وهي قطع بحرية تستخدم في حصار الموانئ وقصفها بالمدافع.تنطلق القوة البحرية من ميناء الجزائر العاصمة، وبحارتها في حالة نشاط وتأهب لغزو مدينة مالطة، بقيادة "الرّايس ناجم" الذي يلزم قمرته مستعينا بأدواته: ساعة رملية، وخريطة وبوصلة لتحديد اتجاه الرحلة، هذا الهدوء والنعيم الذي ينعم به "الرّايس ناجم" هو نتيجة لكفاءة وقوة الألفي رجل المؤتمرين بأمره: "إذا يتنعّم ألفين من البحرية ليه شارطة"، يصف الشاعر مشهد وصول القوة البحرية إلى ميناء مالطة بيوم الحشر الكبير، لينقل لنا بعدها مشهد قصف الميناء وصدى عملية القصف الذي عم جميع نواحي المدينة "الكور تكلّم فعفع المداين الجبال والوطا"، هذا القصف الذي أثمر عملية إنزال بحري للقوة الجزائرية غرب المدينة: "غرب مدينة مالطة بالقهر تواطات".أما نتيجة الهجوم الخاطف فتمثلت في استسلام المالطيين وإعلانهم الطاعة، مع إرسال بناتهم العذارى هدية غنمها البحارة و"رايسهم": "اسطاعت لعجم، جات الهدية من لبنات هابطة، رضاو الغلب سلموا وغنمنا لبنات"، كما لا يغفل الشاعر الشعور بالنصر والفرح بالغنيمة الثمينة التي رافقت رفع الحصار وسحب القطع البحرية وعودتها سالمة إلى ميناء "البهجة" الذي يصفه برباط الفتح: "رباط الفتح هكذا جابوه في السورات".يختتم الشاعر قصيدته بوصف نزول "السبايا المالطيات" في ميناء العاصمة وانبهاره بهيئتهن وجمالهن: "هبطو لعوارم كل وحدة تمشي مشية مرهّطة...."، فلا يخفي شغفه بهنّ وبذله للذهب في سبيل الحصول على بعضهن، وهي من العادات المتفشية بين التجار وكبار الملاّك في تلك الحقبة.
هذه الاغنية ليست فقط جميلة ومختلفة عن النمط عن الشائع فى الغناء العربى فى الوقت الحالى ، بل هى من من الغناء التوثيقى لحادثة تاريخية ربما لو تعمق احد الباحثين او المهتمين فى التاريخ البحرى لشمال افريقيا خاصة فى الفترة العثمانية سيجد الكثير الكثير ، وخاصة بلادنا(ليبيا)التى كانت لاعب رئيسى فى حفظ التوازنات فى تلك الحقبة عندما كان العرب المسلمين قوة ترعب اعداءها، بالنسبة الى الهاشمى قراوبى من مطربى المفضلين لانه يغنى كلمات تحمل قيم انسانية ومعانى فلسفية كالبارح كان عمرى عشرين.