الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

ظلال الارواح..


 
العالم الذي كان عالمنا لم يعد كذلك بعد الآن ..
(الشاعر الانجليزى لورنس بينيون )

كل شىء يتغير من حولنا، ونحن نكافح الا يطالنا التغيير على الاقل ، إلا يطال ارواحنا ويحولنا الى نسخ مشوهة علقت صديقتى رشا بعد طول صمت ونحن نتمشى ذهابا وايابا على طول الرصيف العريض الملاصق لشاطىء البحر بمنطقة الشابى بمدينة بنغازى نـتأمل ماطرأ من تغييرات على المكان بعد فبراير إذ يقابلنا من الناحية الثانية للطريق مبنى المحكمة وساحة الحرية التى انطلقت منها اولى المظاهرات الداعية لاسقاط النظام ، حاولنا الاقتراب من حافة الكورنيش لاستنشاق هواء البحر و الاستمتاع بمنظر الامواج الصغيرة وهى تتكسر على الصخور البارزة من بين المياه حيث يقف بعض هواة الصيد ، وبعض الزوارق تتأرجح على سطح الماء .

ظلت عبارة رشا تدور فى ذهنى لبقية الوقت من نزهتنا تمتزج مع موسيقى ( كونشيرتو التشيللو للبريطانى إدوارد إلغار من مقام مى مينور رقم  85)  تنساب فى ذاكرتى فى تلك اللحظات لتعكس ماكنت احاول التعبير عنه لشهور طويلة بعد نهاية حرب التحرر من قبضة القذافى وعصابته ، إذ كنت اشعر بالكثير من العجز عن التعبير عما يعتمل بأعماقى من مشاعر وافكار واحاسيس تضطرب وتصطخب كأحد قوارب الصيادين فى يوم عاصف ، لم انجح فى فهم مااعترى روحى إلا بعد زيارتى الاخيرة لبيروت حيث التقيت بصديقات رائعات احدهن طبيبة نفسية ساعدتنى على فهم مااصابنى أنها آثار الحرب وتقلبات المراحل الانتقالية ياعزيزتى ، كنت اصغى لشروحات صديقتى لينا سليمان وهى اللبنانية التى عاصرت الحرب الاهلية وآثارها السلبية على ابناء جيلها فهى من مواليد عقد الستينات وعايشت مرحلة الحرب بكل تقلباتها.كنت لشهور اعانى من مشاكل فى النوم بعمق او قضاء ليالى طويلة فى حالة أرق يجعلنى منهكة جسديا عاجزة عن انجاز اعمالى فى لاسابيع متتالية ، بالاضافة لشعور بالحزن العميق ، و الشعور بالتوتر الشديد فى اوقات كثيرة ، وعدم انتظام حياتى كما كانت قبل فبراير ، فخسائرالارواح فى الحرب والمشاكل التى ترتبت على اسلوب القذافى فى قمع الثورة عبر استعداء الاخوة وابناء العموم ضد بعضهم البعض ، وتركة عقود اربعة من القتل والاعتقال والاعدامات العلانية و الاخفاء القسرى والافقار المادى والافساد الاخلاقى ومحاولات تمزيق النسيج الاجتماعى لليبيين كلها أصبحت ازمات ومشاكل نعيش آثارها ونتائجها يوم بيوم مابعد فبراير .

بعد نهاية الحرب واعلان التحرير فى اكتوبر2011 لم اكن افعل الكثير إذ كنت اجلس واطيل النظر الى السماء من نافذة غرفتى واستمع الى هذه الموسيقى مرارا وتكرارا حتى اصبحت متغلغلة فى خلايا عقلى وذاكرتى ، موسيقى كونشيرتو التشيللو للبريطانى إدوارد إلغار من مقام مى مينور رقم 85.

ربما ماجعلنى افضل هذه المقطوعة فى تلك الفترة مايحمله من معانى قريبة لما كنت امر به وقتها، إذ يعتبر هذا العمل ضمن سلسلة من الآعمال الفنية المتميزة  للمؤلف الإنجليزي سير إدوارد إلغار التي أنتجها خلال الحرب العالمية الأولى وبعد انتهائها ، والذي أصبح أحد أهم الأعمال الموسيقية لآلة التشيلو، ولتأليف هذا الكونشيرتو ، قصة تعود إلى صيف العام 1918 حين كان إلغار يعيش في عزلة بيت ريفى بمقاطعة ساسكس وفي ذاكرته صوت مدفعية الحرب العالمية الأولى التي كان يسمعها خلال الأعوام الماضية ، وخضع إلغار بعد ذلك لعملية جراحية في لندن كانت تعتبر بالغة الخطورة لرجل في الحادية والستين من عمره. وبعد استعادة وعيه بعد عملية التخدير، طلب من زوجته قلماً وورقة كتب عليها اللحن الأول الذي أصبح فيما بعد اللحن المحوري الأول للكونشيرتو، ويعتبر النقاد هذه المقطوعة تمثل مشاعر اليأس وخيبة الأمل بالنسبة لإلغار الذي كان يشعر بها بعد نهاية الحرب، فضلا عن كونها نظرة من أعماق إلغار إلى الموت والخلود ،  فيها الكثير من الغضب والحزن والألم، لأن المؤّلف تأثر بالأموات والخراب الذي جاءت به الحرب الاولى.

يتألف هذا العمل الفني من أربع حركات : إفتتاحية جليلة ومؤثرة جداً تتبعها مرحلة أولى من الغزف بالقيثارة تستند إلى وتيرة منسجمة ومتماوجة تعكس مساحات الهضاب التي أحبها المؤلف هي هضاب مالفيرن حيث حيث نشأ، أو حتى منطقة ساوث داونز في ساسكس حيث أقام بين 1917 و1919. 

تليها المرحلة الثانية وهي عبارة عن حركات شديدة الحماسة يؤديها المؤلف. أما المرحلة الثالثة فتجسد فحوى العمل العاطفي وجو البريق المفقود. وفي المرحلة الرابعة عودة إلى المرحلة الأولى، لكن إعادة تجسيد رحلة النجومية تغذي نوعاً جديداً من العواطف عبر عالم الموسيقى الداخلي .

لم يلاقى الكونشيرتو الكثير من القبول من قبل النقاد الموسيقيين فى عرضه الاول فى نهاية العشرينات من القرن الماضى ، ليعود إلغار ليقدمه فى تسجيل على اسطوانات الجرمفون بتوقيع العازفة البريطانية الموهوبة بياتريس هاريسون فى العام 1928 حيث يسمح لها بتقديم بعض الاجزاء فى عزف منفرد ضمن الاوركسترا التى قادها ألغار بنفسه ، ليتعرض هذا الكونشيرتو لاهمال من قبل عروض الفرق الموسيقية وعازفى الموسيقى الكلاسيكية لوقت طويل لتساهم عازفة التشيللو البريطانية الراحلة جاكلين دى برى بمنحه شهرة كبيرة بعد قيامها بعزف الكونشيرتو فى عام 1965 بقيادة السير جون باربيولي ليصبح أحد التسجيلات الكلاسيكية التي حازت إعجاب الكثيرين وحققت نسبة مبيعات خيالية على مدى العقود الماضية. كما حُفظ أداء جاكلين في فيلم صوّره صديقها كريستوفر نوبن.

لتعود شركة التسجيل الموسيقى البريطانية فى العام 2007 لاصدار تسجيل جديد بتوقيع العازف البريطانية الشابة الموهوبة ناتالى كلاين لتبث الحياة من جديد فى العمل وفق لرؤية واسلوب ناتالى .

السبت، 17 أغسطس 2013

رحيل سامبو او سى محمد معتوق...

مقهى العردوى (ميدان البلدية )عام 1954 يجلس سى محمد معتوق فى الوسط بين الشاعر الكبيررفيق المهدوى وعبدالكريم لياس








حمل شهر رمضان لهذا العام الكثير من المآسي والفواجع لمدينتي بنغازي ، فقد كان الموت والحزن يخيم على ليالي وأيام هذا الشهر الكريم ، ولم يكد يطل هلال العيد حتى كان الالم والحزن قد استوطن عميقا فى ارواحنا... وكأن سكان المدينة لم تكفهم تلك الحوادث المؤلمة فأمتد الموت ليطال شخصية بنغازية من اجمل شخصيات المدينة واكثرها إنسانية بإجماع من عرفوها ، سي محمد معتوق او سامبو راوية أشعار رفيق .

لقد عرفت سي محمد من خلال صداقة ربطت بين بناته ووالدتي التي قامت بالتدريس لهن فى فترات مختلفة ، ثم أصبحن زميلاتها بالمدرسة نفسها ، لتتحول الرابطة بين المعلمة وتلميذاتها الى علاقة صداقة جميلة مليئة بالاحترام والدفء .. 

ولد سي محمد في مدينة بنغازي فى العشرينيات من القرن الماضى حيث نشأ في اسرة بسيطة كغيرها من الاسر الليبيين في فترة الاحتلال الايطالي ، فلم يتلقى الا تعليم بسيط ، وبسبب الاوضاع المادية لأسرته التحق بالعمل فى احد مقاهي ميدان البلدية في فترة الاستعمار الايطالي ثم انتقل للعمل ضمن ورشة تملكها الحكومة ، قبل أن ينتقل للعمل كنادل فى مقهى الفردوس الشهير لصاحبه الحاج اهويدى بالروين .. ويقدم لنا الباحث التاريخي الاستاذ سالم الكبتى وصفا لاسلوب سي معتوق فى العمل كنادل حيث حقق شعبية كبيرة بين مرتادي المقهى  فيقول: "كان رشيقا وصاحب طريقة خاصه فى توزيعه للطلبات واختير مع غيره من زملاء المهنه فى تقديم الخدمات فى المناسبات الرسميه التى يحضرها الملك ادريس وكبار رجال الدوله وضيوف ليبيا". بعدها انتقل سي محمد للعمل كفني كهرباء فى محطة كهرباء بنغازي حتى تقاعده من العمل قبل سنوات.

لقد تمتع سي محمد معتوق بمحبة الناس واحترامهم الكبير له ، ولم يكن يحمل الا الود والمحبة لسكان مدينته. إذ تمتع بأخلاق عالية و صفات انسانية فى منتهى الجمال جعلته قريبا من كافة اطياف المجتمع البنغازينو ، فقد ربطته صداقات وعلاقات قوية بالكثير من الشخصيات السياسية والادبية و الرياضية فى بنغازى ، فمنذ سنوات الخمسينات رافق الشاعر أحمد رفيق المهدوي الذى شجعه على القراءة وعلى تثقيف نفسه، وأصبح سي محمد يحفظ اشعارالمهدوي ويرويها فى كل مكان يذهب اليه ، ومن القصص الطريفة التى تُروى عن سي محمد استعماله لبيت شعر يخص رفيق المهدوى فى توجيه عتب مؤدب لشخصية سياسية لها وزنها ، ففى احد الايام مر عليهم والي ولاية برقة السيد حسين مازق ولم يطلق عليهم السلام فقال له سي محمد "يا ايها المتغطرسون رويدكم ....فلن يستبد بارضنا حكام" ، فرجع حسين مازق وقال لهم "والله ما شفتكم" .

نشأ سي محمد متأثرا بالفكر الاسلامي حيث اصبح من أوائل الملتحقين بجماعة الاخوان المسلمين في ليبيا فى الخمسينيات من القرن الماضي ، وقد تم ايداعه السجن بعد خطاب زوارة فى العام 1973 او ما يعرف "بالثورة الثقافية" التى منعت أى شكل من اشكال التجمع المدنى السلمي وحلت الاحزاب والنقابات واعتقل المئات من المثقفين و المحامين و الادباء والفنانين والسياسيين ولم ينجو من تلك الحملة الشرسة الا من استطاع الهرب خارج ليبيا .

يروي سي محمد رحمه الله ذكرياته عن تجربة السجن فيقول : "فجمعتنا إدارة السجن نحن وأخوة آخرين من تيارات أخرى كالقوميين والبعثيين والماركسيين وغيرهم فى حجرة واحدة ، وفي اليوم الأول سمعت حديثا جانبيا بين بعض النزلاء عن مسائل فكرية فعلقت وقلت ، يا اخوان توا كل واحد اللي فى راسه ايسكر عليه وخلونا انمشوا هالحبسة هذي نين ايفرج الله كيف الخوت واللى حبسك حبسني معناها نحن فى خندق واحد، فاستحسن الجميع النصيحة وامضينا فترة السجن التى كانت 6 أشهر على أحسن حال ولم يحدث ما يعكرها حتى تم إطلاق سراحنا" ...

كما يتناول المحامى جمعة اعتيقة تلك التجربة التى تشاركها مع سى محمد فيشير إليها فى مذكراته الشخصية المعنونة باسم " مـذكـراتـي في السـجن والغــربة " .. "وجدت نفسي وسط مجموعة لم اكن اعرف منها سوى عدد قليل... يبلغ عدد المجموعة حوالي خمسة عشر شخصا... استقبلت بحن و ود... (والجود من الموجود) من البداية كانت ملامح الاختلاف العقائدي مع المجموعة ظاهرة... فمعظمهم ينتمي للاخوان اوحزب التحرير وكنت انا في تلك الفترة على تحذم اليسار.. لم يؤثر هذا الاختلاف على علاقتنا الودية... والتي كان يوجهها ويخدمها مسلك ذلك الاسمر مدير القاعه الأستاذ (محمد معتوق) الذي بدأ حياته مرافقا لرفيق المهدوي ليصبح راويه شعره... قبل ان يتحول الى فكر( الاخوان المسلمين ) كان الرجل غاية في الحنان الابوي تجاهنا نحن  الشباب لا انسى صوته الجهوري؟ وهويردد بيتا من الشعر لرفيق المهدوي كان له اثر السحر في قلوبنا ومداركنا وقدراتنا في المواجهة (ان تدخل السجن ما في السجن من بأساً فيه الكرام وفيه افضل الناس) للذين القت بهم ادوات العسف وراء الشمس كان اباً حنونا عطوفا وسنداً قوياً في مواجهة المحنه... بقينا على حالنا وايامنا تمضي بين ممارسة الرياضة والصلاة وبعض المناقشات المتناغمة التى لم يكن يشوبها سوى بعض المناكشات التي كنت اثيرها تعليقا على بعض الاحكام والاحلام وربما بعض الاوهام التي كانت تستغرق المجموعة" . 

ورغم تجربة السجن تلك الا أن سي محمد لم يتخلى عن مبادئه او افكاره وظل يأنف من الاقتراب من نظام القذافي ، وحتى مع استمرار المراقبة لتحركاته وأنشطته ، فأنه لم يحاول أن يتنازل قيد أنملة لكي ينال الحظوة والرعاية كما فعل اخرين من الليبيين ، رغم المصاعب المادية والمعيشية التى مر بها مع اسرته .

كما غيره من الشباب الليبى الذين نشأوا فى فترة الاستعمار الايطالى وعايشوا الادارة العسكرية الاجنبية  و ساهموا بقدر جهدهم فى دولة الاستقلال ، كان سي محمد احد المؤسسين لنادي الاهلي باعتباره عضو جمعية عمر المختار التى وضعت حجر الاساس لهذا النادي العريق ، كما شارك فى الصحافة المحلية بين الحين والآخر فى سنوات ماقبل الانقلاب وبعده فى كتابة بعض التعليقات حول الاحداث الرياضية او المباريات ضمن الدوري المحلي او الايطالي .

تمتع سي محمد بشخصية دافئة ودودة مع اسرته ، فقد عُرف عنه بره الكبير بوالدته ، وبمحبته ووفائه لزوجته الراحلة التى تركت له خمس بنات وولدين قام على تربيتهم احسن تربية فتخرجوا جميعا من الجامعة ، ونالوا ثناء كل من عرفهم لحسن تربيتهم وأخلاقهم العالية . كما أن سي محمد قام برعاية أسرة شقيقه عبدالحميد المدرس بمدارس بنغازي والقريب من سكانها تماما كأخيه سي محمد ، فقد توفت زوجة اخيه اولا ليلحقها الاخ ، فيقوم سي محمد على تربية اولاد وبنات اخيه المقيمين معه بنفس البيت .

لقد كان سي محمد رجل فريد فى المجتمع البنغازىنو بروحه الودودة الطيبة المعطاة فلم يكن يحب أن يدخل الا الفرح والسرور والمواساة على كل من عرفه فى افراح بنغازى واتراحها ..كما قال عنه الاستاذ سالم الكبتي ".. هذا الفتى الاسمر .. رجل من نوع اخر .. من طراز خاص .. اتسع قلبه للجميع.. حمل الجميع فى قلبه على مختلف تياراتهم ومدارسهم واتجاهاتهم .." .. بوفاته تفقد بنغازي شىء من دفء روحها وطيبة قلبها فقد كان سي محمد وبنغازي معجونين من نفس الطينة ...لروحك سلام وروح و ريحان من الرحمن يا سي محمد .

الثلاثاء، 22 يناير 2013

بهجة ..



مع صوت بلاسيدو اشعر بأن بابا رحمه الله قريب منى يسهر معى على بعد نجمة او نجمتين ..اغمض عيناى فأجد نفسى اركض فى ازقة غرناطة العتيقة ، استمع لاصوات النوافير القديمة يناسب منها الماء حساسا ً ، طروبا ً ، كأنما هو ذوبان الدنيا بماوسعت ، تحتوينى عرائشها وياسمينها ، أعود طفلة تشهق من الفرح والدهشة ...بلاسيدو صوت يبعث فى روحى بهجة لذيذة افتقدها فى اوقات كثيرة مع يومياتى على الطريقة الليبية ..

الأحد، 13 يناير 2013

اسقاس دامقاز...



تبدأ رأس السنة وفقا للتقويم الامازيغى يوم 13 يناير الذى يسمى (يان ءير) أى الشهر الاول فى السنة ، وقد اتخذ الامازيغ من حدث تاريخى بداية لحساب السنة الامازيغية وذلك من تاريخ اعتلاء عرش وادى النيل من قبل الامير الليبى شيشنق زعيم قبيلة المشواش (المهاجرة لوادى النيل فى تلك الازمنة القديمة ) بعد وفاة الفرعون العجوز بسيخينو الثاني سنة 942 ق.م تقريباً، وقد أعاد لوادى النيل إستقرارها ونشاطها الداخلي وممتلكاتها ونفوذها الخارجي ، كما عرف شرق ليبيا ازدهار وسلام فى تلك الفترة*.

 ويعتبر التقويم الامازيغى تقويم زراعى بامتياز فهو يعتمد على الزراعة وماتنتجه الارض من غلال وكل شهر له ارتباط بهموم وشؤون الفلاحين ، وهناك طقوس تتعلق بكل مرحلة من مراحله، بل أن مظاهر الفرح والعادات والتقاليد يقصد منها جلب المطر مثل عادة تاسليت نـ ونژار (أمك طنبو)، ويعتبر التقويم الأمازيغي تقويم غير معروف على نطاق واسع ، للمرة الاولى فى ليبيا مابعد القذافى يحتفل الليبيين الناطقين بالامازيغية بهذه المناسبة فى يناير الماضى ، وفى هذا العام اعتبروا هذه المناسبة عطلة رسمية فى مناطقهم و قراهم .

(اسقاس دامقاز) هكى يقولوا امازيغنا فى نفوسة للتهنئة برأس السنة ....

*المعلومات عن ويكبيديا والاصدقاء الليبيين الناطقين بالامازيغية.

الأحد، 18 نوفمبر 2012

عادات وتقاليد الليبيين فى الاحتفال بحلول العام الهجري..

اللوحة للفنانة الليبية نجلاء شوكت الفيتورى

تظل العادات والتقاليد هى جزء من حياة كل أمة وشعب قد يختفى بعضها ويستمر بعضها الأخر وفقا لممارسات قد تختلف من منطقة لأخرى . غير أن العادات والتقاليد المرتبطة بالجوانب الدينية فى حياة الليبيين حتى وإن قل اداؤها لسبب من الاسباب فإنها لم تنقطع نهائيا ًعند نسبة لابأس بها من الاسر الليبية ، ومن بين تلك المناسبات الدينية الاحتفال ببداية العام الهجرى ،قبل يوم واحد من بداية كل عام هجري ( عربي ) جديد يجتمع افراد العائلة لاحتفال بيوم الكبيرة ، حيث يقوم كل افراد العائلة بالاستحمام وتقوم النساء بالتطيب والتزيين، و يقمن بإعداد وجبة عشاء دسمة و يفضل ان يكون امبوخ و تحتوي علي القديد. 

و يتناولون وجبة العشاء و هم يتحدثون و يتسامرون و يتبادلون التهاني بالعام الجديد وتتميز (كبيرة) رأس السنة الهجرية باحتفال خاص بها وتسمى (كبيرة الفتاشة) وفى تلك الليلة تطبخ النساء أكلة الكسسكو بعظام القديد ( اعظيمات العيد ) الذي اعُد في عيد الاضحى، ويتبادل الأهل والجيران اطباق الكسكسو بالفتاشة من باب صلة الرحم والمودة التى سادت المجتمع الليبى فى العقود الماضية ،ولكى يشجعون الاطفال والاولاد الصغار على تناول هذا الطعام يوم الكبيرة يكرر الكبار توصيات بضرورة تناول الجميع  لتلك الوجبة حتى لاتأتيهم (الفتاشة) فى الليل ، والفتاشة شخصية وهمية من صنع الخيال الشعبى ، تظهر على شكل امرأة عجوز تطوف على البيوت ليلا ، وتفتش البطون ، فمن وجدته قد أكل من الكسكسو تركته بخير ، ومن وجدت بطنه خالية ، تترك له فى بطنه حيطة أى حجر ثقيل ، لذلك يحرص الاولاد والاطفال أشد الحرص على أكل الكسكسو ، بل ويبالغ بعضهم فى الاكل لحد التخمة ، وتتذكر الدكتورة سكينة بن عامر فى كتابه طيارة ورقة ماكان ينتابهم من آلام واوجاع بسبب الاكثار من تناول تلك الوجبة الدسمة :( كنا نحرص على أكل (الكسكو) ، بل ونبالغ  فى بعض الأحيان إلى درجة أننا نثير غضب الفتاشة فتزورنا وتترك لنا أحجارا ً أكثر بكثير مما كنا نخاف منها أو نتوقعها ).

وفى اليوم الأول من شهرمحرم يقوم بعض الشباب من صغار السن بوضع مقدار ملعقة صغيرة من الجير فوق كل عتبة منزل إشعارا ً لأهل البيت بحلول شهر محرم ، او يكتفى البعض بوضع الملح أو الدقيق على مداخل البيوت والغرف تيمنا بأن يكون العام الجديد عام خير وبركة .وربما تعود فكرة الأكل ووضع الجير الأبيض أمام الباب فى هذه الليلة إلى التفاؤل بقدوم سنة جديدة يكون خيرها وفيرا ً، وزرقها أكثر ، فالبطون ممتلئة بالأكل الجيد ، والبياض رمز للخير فى كل مكان ، ولذلك فالكل يتفائل بأن تكون هذه السنة سنة بيضاء مليئة بالخصب والخير الوفير.

لم يحتفل الليبيين بالعام الهجرى كعيد رسمى فى فترة الاستعمار الايطالى وان اعتُبرت المحافظة على عادة تناول (طعام الفتاشة ) فى اليوم الذى يسبق دخول العام الهجرى تأكيدا على الهوية المحلية للمجتمع الليبى واحتفاء ً بالحدث التاريخى الاسلامى الهام أى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وماتحمله من مضامين روحية عميقة و تحولات مفصليةعلى مستوى الدعوة وانتشار الدين الاسلامى وتكون دولة المسلمين بالمدينة المنورة .

بقيام دولة الاستقلال عام 1952م اصبح بداية العام الهجرى من ضمن المناسبات الدينية التى يوجه فيها رأس الدولة اى الملك ادريس تهنئة للشعب الليبى وللامة الاسلامية ، كما يعتبر يوم عطلة للشعب الليبى .

 واستمر الحال على هذا المنوال حتى مجىء القذافى الى الحكم عبر الانقلاب الاسود فى العام 1969 ، حيث اتخذ القذافى فى السنوات الاولى من عمر الانقلاب العديد من الاجراءات التى تظهره بمظهر المحافظ على الدين الاسلامى ، بأصداراوامرباغلاق النوادي الليلية وحظر الترفيه المستفز أو غير المحتشم والاستفادة من التقويم الهجري ، ثم سرعان ما انقلب على تلك الاجراءات والقرارات ليدعو الى إلى إعادة النظر في التقويم الهجري قائلا أنه ينبغي حسابه من تاريخ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  عام 632 وهو حدث كان يشعر أنه أكثر أهمية من عشر سنوات هجرية في وقت سابق .

كانت من بين القرارات الصادمة والمثيرة للجدل وسط الشعب الليبى آنذاك ، وقد اصبحت الدولة الليبية من شهر فبراير عام 1979م تؤرخ بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكانت تلك السنة هي سنة 1388 من وفاة الرسول  الموافقة للسنة 1399 للهجرة؛ أي بفارق عشر سنوات بين التقويمين، ومنذ قرون اصبح الليبيين لايحتفلون بتلك المناسبة التاريخية ، وكما كانت بداية تحدى القذافى للثقافة الدينية للشعب الليبى واستفزازا ً لمشاعره ،و لم يُفهم الغرض الحقيقى من هذا التحول من التأريخ بالهجرة الى التأريخ بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو التقويم المعمول به فى ليبيا وباقى العالم الاسلامى من خلافة عمر بن الخطاب حتى مجىء القذافى الى سدة الحكم فى ليبيا ، ورغم كل ما ذكره يومها من مبررات واهية وسخيفة ، الا ان الليبيين ظلوا لايعترفون بذلك التغيير فى التقويم الهجرى الذى توارث الاباء والابناء العمل به فى ضبط تواريخ حياتهم واهم الاحداث لوطنهم .

 كما كانت حادثة التغيير تلك مؤشر على ماينتظر الليبيين على يدى القذافى من تحدى لثقافتهم الدينية استمرت طوال اعوام حكمه ، وظل الحال كما هو عليه فى هذه المسألة حتى انتصار ثورة فبراير والاطاحة بحكم القذافى ، فقررت السلطات الجديدة العودة لتأريخ بالتقويم الهجرى واعتباره يوم عطلة .

كل عام وأنتم بخير ..


الاثنين، 16 يوليو 2012

قليلا من الاحترام كثيرا من الفوضى والفضائح ..





(المليارات لم تخلق بشراً طوال عمرها، ولن تخلق بشرا، وهذه ميزة للبلد واهله، على ما فينا من اخطاء وعلل، فقد انتج الفقر شعبا محترما متعلما، فيما غيرنا لم يؤثر المال في حياته، الا عبر تورم ذاته السيئة والجاهلة والعنترية).


الاقتباس اعلاه من مقال للكاتب الاردنى (ماهر ابو طير) بصحيفة الدستور معلقا على احداث الشغب لمتدربين ليبيين بالاردن تم ابتعاثهم لاكاديمية الشرطة الاردنية للحصول على تدريبات مكثفة لاكثر من 1100 شاب ليبى من حملة المؤهلات المتوسطة والاقل تعليما ، بناءً على قرار الايفاد الذى اصدره وزير الداخلية (فوزى عبدالعال) الذى اثبت فشله وعدم جدارته لتبوء منصبه الوزارى ، كم شعرت خلال الشهور الماضية بالخجل من السمعة السيئة التى اكتسبها الليبيين المقيمين فى الاردن سواء من جرحى المعارك او من المرضى الذين هبطوا على الاردن كالجراد يدمرون ويتلفون كل شىء امامهم ايام وزارة د.ناجى بركات المكلف بالملف الصحى بالمكتب التنفيذى والذى لم ينجح فى ضبط الامور ووضعها فى نصابها الصحيح ، بل تفشى الفساد والمحسوبية فى هذا الموضوع اى ارسال جرحى ومعاقى الحرب المستحقين للعلاج بالاردن فقد اُتخمنا طوال شهور الثورة والحرب بقصص عن مرضى ليبيين يشتكون من اللوزتين او مشاكل الصلع والعقم تمت معالجتها على حساب المجلس الانتقالى فى اصعب ايام الحرب ، ليتطور الوضع الى ارسال عجائز ليزلن اوشامهن او نساء وفتيات ليجرين عمليات تكبير للصدر او نفخ للخدود وكل يوم صرن نسمع عن حكايات تنضح بالفساد والعقلية الارتزاقية الجاهلية التى كرسها المقبور عبر ابتداع طرق واساليب لجعل المواطن الليبى يعود بسرعة الضوء الى عصور ماقبل التاريخ من خلال اكتساب سلوكيات وتصرفات وانماط تفكير همجية  خالية من روح المدنية الحديثة .


والآن اتفاجىء بوجود هذا العدد الكبير من المتدربين من سلك الشرطة  والمشاكل التى قرأت عنها من باقى الليبيين المتواجدين بالاردن لاسباب مختلفة ، الم يكن من الاجدى والاقل كلفة اقامة برامج لتدريب هذا العدد الكبير بالداخل الليبى والاستعانة بالخبرات التدريبية للدول الصديقة والشقيقة وتوفير المبالغ الضخمة المرصودة لمثل هذه البرامج التدريبية التى تتضمن تكاليف السفر والاقامة والدراسة ، بالاضافة لمنع حدوث مثل هذه الفضائح التى اعتدناها بالداخل الليبى خلال عقود المقبور حيث كان يسمح بحصول مثل هذه التجاوزات للتنفيس عن غضب الشعب المكبوت دون ان يسمح ان تخرج الامور عن حدود السيطرة او الاخلال بالامن الداخلى لنظامه ،والموجع اكثر هو معرفة الاسباب السخيفة وراء قيام مثل هذه المشاكل فقد ذكر احد المتدربين الليبيين المرحلين من الاردن لوكالة أنباء التضامن الليبية ( بأن  سبب المشكلة أصلا كان مجرد مشادة كلامية بين المتدربين الذين ينتمون إلى مناطق مختلفة من ليبيا؛ الأمر الذي أدى إلى قيام أحدهم بإشعال النار في المبيت الخاص بالآخرين، مما جعل الطرف الآخر يقوم بالرد بالمثل وإشعال المزيد من الحرائق). الا يبعث هذا السلوك السىء ممن يفترض فيهم ان يقوموا على توفير الامن والامان للمواطن الليبى الا يبعث على التساؤل حول جدوى ارسالهم اذا كانوا يتمتعون بسلوك غاية فى السوء واخلاق متدنية مالذى سنستفيده من تدريبهم ، واى فوضى قد ينشرونها فى طول البلاد وعرضها مستقبلا فى حالة خرجت الامور عن طبيعتها، هل يمكن ان نثق فى اولئك المتدربين وفى قدرتهم على فرض النظام والانضباط وهم لا يتوفرون على اقل قدر منه .


لا استطيع ان الوم اى كاتب او مواطن اردنى يشتم الليبيين او يخرج عن طوره فالذى اعرفه عن هذا الشعب العربى هو طيب اصله ، وكرم اخلاقه ، فصحيفة اخبار الاردن وصفت الليبيين المبتعثين للتدريب باكاديمية الشرطة الاردنية (بالجرذان) بعد قيامهم باحراق المهاجع ومبانى بالاكاديمية بالاضافة للاشتباك مع الشرطة الاردنية ، سبقها مشاكل كبيرة بهذا البلد الهادىء طوال الشهور الماضية من عام 2011 وبداية عام 2012، فقد سبق لبعض المواطنيين الليبيين السكارى القيام بمظاهرة هتفوا فيها ضد الملك الاردنى، مع تصرفاتهم بروح الامبالاة والفوضى وعدم احترام قوانين البلد فى استخدام الفنادق او المستشفيات او الاماكن العام فالشعب الاردنى لايستحق منا الحاق الاذى بهم ، بل يجب علينا اظهارالاحترام والتقدير لمواقفهم من ثورتنا وشعبنا ، فمنذ الاشهر الاولى للثورة الليبية اى عقب اعتراف الاردن بالمجلس الانتقالى كممثل شرعى ووحيد للشعب الليبى في الرابع والعشرين من شهر مايو2011، ساهمت الاردن فى دعم الجهد العسكرى للمقاتلين الليبيين وحماية الشعب الليبى عبر المشاركة فى الحملة الجوية لفرض الحظرعلى نظام المقبور، وسعت الحكومة الاردنية والملك الاردنى لاستقبال جرحى المعارك الشرسة بين الثوار وكتائب المقبور، وتقديم اول مستشفى ميدانى لعلاج الجرحى بالاضافة للمساعدات الانسانية الاخرى رغم الامكانيات المتواضعة للاردن ، تصرفات الليبيين بالاردن لاتعكس الا عقلية قذافية متجذرة فى التعامل  مع الاخرين من منطق دفع فواتير باهضة مقابل سلوكيات سيئة كثيرا ما طبعت حياة اولاد المقبور فى اوربا وباقى انحاء العالم .


ارى ان فضائح الليبيين ومشاكلهم (جرحى ومرضى) ليس فى الاردن فقط ، بل وفى كل مكان ذهبوا اليه تعكس ازمة اخلاقية وتربوية نعانى منها نتيجة لسياسة التجهيل وتكريس الفوضى والهمجية طوال العقود الماضية حان الوقت لمعالجتها  بشكل مركز لتلافى ماتبقى من سمعة ليبيا الجديدة ، وعلى الحكومة المنتخبة ان تضع هذا الامر نصب اعينها وتحاول ان تعالج هذه الازمة الاخلاقية التربوية التعليمية الخطيرة، كما ان ابناء الشعب من مثقفين واخصائيين اجتماعيين ونفسيين ومعلمين ووعاظ مساجد و بحاث اكاديميين فى التربية عليهم التكاثف لوضع خطط ضمن مؤسسات المجتمع المدنى للمساهمة فى حل هذه الازمة .