الاثنين، 21 ديسمبر، 2009

يوم كلنا ليلى


دعوة للمشاركة فى يوم كلنا ليلى

تحت شعار

موعد سنوي للتدوين حول قضايا المرأة العربية. مبادرة مفتوحة تدعوك إلى التعبير والحوار . من أجل مجتمع أفضل لك.‬


هى دعوة مفتوحة للمدونين والمدونات من عالمنا العربى ولمن لا يملك مدونة المشاركة فى هذا الاسبوع التدوينى الذى يبدا من يوم 24 وتسمتر المناسبة حتى 30 ديسمبر...هنا اوجه الدعوة للاصدقاء من بلدى ليبيا للتفاعل مع هذه المناسبة عبر طرح كل وجهات النظربموضوعية وحيادية .

الأحد، 20 ديسمبر، 2009

عيد ميلادى ..ميلاد فراشة


يصادف يوم الثامن عشر من شهر ديسمبر
ذكرى قدومى لعالمنا الارضى
كنت دائما ارى نفسى فراشة حائرة
غادرت عالم سماوى
حيث يلاعبها سكان الغيم الابيض
وتعتلى صهوة الفجر الذهبى
والنجمات رفيقات العاب صبيانية
وقلبها يرقص طربا مع قوس القزح

مع مرور السنوات وتقدم الفراشة فى العمر..وكلما اقتربت من ضوء الحياة المبهر تشعر بان اجنحتها تكاد تذوب من حرارة ،ووهج الضوء الحارق فى بعض اللحظات ..كل عام وجزء من احلامى واحلامكم تتحقق.

السبت، 5 ديسمبر، 2009

إليجية الحزن برفقة هبينوس وتانتوس


من ذا الى يعرف مايخبئه له الغد حق المعرفة ؟ فها أنت أيضا ً،
ياخارميس ، يامن كنا نراه بالأمس رؤية العين ، نواريه فى يومنا
التالى التراب ودموعنا تغرقنا .
فما قاسى والدك ديوفون حزنا ً يفوق هذا قسوة
"الإبجراما** السادسة عشر، كاليماخوس القورينى"


اعود للتدوين من جديد بعد غياب قصير امتد قرابة الشهرين لاسباب عدة من بينها متابعة وضعى الصحى الذى تحسن كثيرا ولله الحمد ...اعود بهذه التدوينة التى حاولت قدر الامكان تجاهلها بموضوعها المؤلم ولكنى لم استطع فى النهاية الاان ادرج التدوينة ، فهى تأملاتى و خواطرى التى كنت اسجلها منذ سنوات طويلة عن الموت ..ربما يستغرب بعضكم الامر ...نعم عن الموت هذه المرة سأكتب فقد فقدت خالى الشقيق الوحيد لماما منذ حوالى الشهر، بعد ان انهكه ورم خبيث كان ينتشر فى جسده بسرعة كبيرة فى فترة اقل من العام ...كنت على علم بحالته الصحية انا وشقيقاى اللذان اطلعا على تقاريره ، لم نكن نريد لجدتى مزيد من الالم واحساس الفقد وانتظار النهاية رغم انها سيدة شديدة الايمان ربما حتى اكثر منا نحن المتعلمين ...كان الامر حزين حاولت خلال الاشهر الفائتة شغل نفسى وعقلى بكل شىء ..حتى لا افكر ...كنت آمل ان يقاوم المرض وان يهبه الله الشفاء ، ولكنها ارادة الله وحكمته ...وجدت نفسى فى ليلة الوفاة اقطع الطريق باتجاه الجبل الى درنة المدينة الجبلية الصغيرة حيث بيت جدى والد ماما ومسقط راسها وراس عائلتها ..وجدت نفسى فى تلك الليلة الحزينة على طريق مسافته حوالى ال500 كم تحت زخات المطر ووحشة الليل برفقة ماما وشقيقى ايمن وزوجته وطفلهما الرضيع اعيد التفكير فى الامر ...اننى مؤمنة بالله وبان لكل كتاب اجل ، ان الموت ليس نهاية العالم بل هو انتقال من الى مرحلة اخرى فهذه نظرة الاسلام الذى يحرض كل مسلم على ان يؤمن بان كل انسان سيحاسب بعد الموت على ما قدم في الحياة الدنيا،فالخير يجزى خيرا و الشر سوف يحاسبه الله بعد الموت " بلى من كسب سيئة و احاطت به خطيئة فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون،و الذين امنوا و عملوا الصالحات اؤلئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون" البقرة 81-82... ولكن للموت وجه اخر قد لا نراه فى غمرة الاحزان فى الفترة الاولى ....عبر تلك الطريق الطويلة كنت اراقب اضواء البيوت البعيدة التى تتلألا كالنجوم فى جوف السماء وهى تخبو وتلمع ، وظلال الاشجار تمتد على الطريق ...صوت المطر الغزير تلك الليلة دفعنى لاغماض عيناى واعادة الاستماع لصوت خواطرى القديمة ...حيث كنت اتذكر رحلات ليلية قطعتها فى سنوات فائتة لحضور جنازات خالات توفين شابات او جدىوالد بابا رحمهما الله او جدتى والدة بابا رحمه الله ، او جنازة بابا رحمه الله ، فقد دُفن خارج ليبيا ثم عدنا لنقيم المأتم فى راس التاج حيث بيت العائلة وكما تقتضى التقاليد القبلية لعائلتى ....عندما توفى والدى رحمه الله اصبت بما يشبه الصدمة الغريبة إذ وجدت نفسى ، فجأة وسط الجو الذى كنت اراقبه واكتب عنه من الخارج ، ورغم احاسيس الحزن ، الا اننى كنت انسحب من العزاء لاسجل ملاحضاتى التى باتت هاجسا ً لافكاك منه ، والغريب اننى بعد رحيل أبى ، ظللت عاجزة عن البكاء لعدة أسابيع ولعل الكتابة كانت هى طريقتى فى البكاء والرثاء ...رغم ترك غيابه المفاجىء فراغا ً فى حياتى ، لكنه حافظ على الحبل الممدود بينى وبينه....فى ايام المأتم الاولى كنت اصغى للنساء اللائى يأتين لتقديم واجب العزاء ، اصغى لصوت بكائهن كنت اتسائل بينى وبين نفسى من اين يأتين بهذه القدرة على البكاء الحزين ... لم يكن هناك مظاهر للعزاء على طريقة الجاهلية القديمة لان ماما واعمامى منعوا حصول ذلك ... وان لم يكن بالامكان منع بعضهن من البكاء على طريقة اهل البادية....مع تكرار الامر على مدى ايام طويلة وجدت ان اصواتهن العذبة الحزينة لم تفارقنى حتى عند عودتى لبيتنا ببنغازى ...كنت كلما اغمضت عيناى اجد حضور الاصوات الباكية الحزينة تتشكل فى سقف حجرتى ارواح شفافة تروى عبرظلالها قصص فقد واشتياق ولوعة ، تعيد رثاء الميت وتشفق على وحشته ووحشة احباءه من بعده ، ترسم عالم اخر غامض ..فى وقت لاحق اكتشفت ان اسلوب رثاءهن هى تقاليد ممتدة عبر آلاف السنين ..وصلنا الى بيت جدى فى درنة قرابة الساعة 4 صباحا ، لنجد حزن شفيف يسيطر على البيت ...استقبلنا خالاتى وبناتهن وزوجات اخوالى وبناتهن وبعض سيدات العائلة المتقدمات فى السن ...جدتى كانت تجلس هادئة تمسك بمسبحتها...نمت لثلاث ساعات بجانب ماما فى غرفة اصغر خالاتى ، لم يكن هناك لا احلام ولا كوابيس ولا شىء ، نوم بلا مذاق او رائحة .....لاستيقظ فى الساعة ال7 على اصوات تلاوات القرآن الكريم من غالبية نساء البيت ، فالعادة فى اسرة ماما المتصوفة لا تخرج الجنازة الا على تلاوة القرآن الكريم ، فلا نواح ولا بكاء بصوت مرتفع ..مراليوم الاول والثانى دون ان اشعر بالوقت ، لانى كنت اغيب فى دروب الذكريات ...كنت استقبل النساء المعزيات مع ماما وخالاتى ...ثم اجد نفسى اجلس تحت العريشة او بجانب شجرة ياسمين نسرى حيث كان يجلس خالى رحمه الله ليتأمل منظر الجبل المحيط بالمدينة او يرسم ، فهو مغرم بالرسم وكان يقضى الكثير من وقته يرسم او يعلمنا ونحن اطفال الكثير من اسرار الالوان وكيفية الامساك بالخطوط العامة لاى مشهد ...لم ابرع الا فى التذوق للفنون التشكيلية ، وكنت خيبة فى ان اكمل رسم بدأتها تحت اشرافه ..فى الليلة ال3 وبعد ان اصبحت الحركة اخف ليلا فى البيت ، وجدت نفسى اشارك قريبات والدتى المتقدمات فى السن فى جلسة ذكريات عن المأتم فى درنة فى الزمن القديم ، اى قبل 4او 5عقود وماذا كان يتم فيها ...احدى تلك السيدات وهى عجوز فى ال86 من عمرها كانت تروى قصص وطرائف تحصل فى مجالس العزاء للدرناويات..حيث قالت : " احدى النساء عندما ابُلغت عن وفاة قريبها لم تجد رماد موقد لتضعه على راسها ، فهرعت الى الكانون (وسيلة تدفئة محلية) لتقوم بذر رماده فكانت فيه بضع جمرات مازالت مشتعلة ثم انطلقت لبيت المتوفى حيث شاركت فى الصراخ والنحيب ونسيت تماما ما وضعته على راسها الذى اشتعلت فيه النار ببطء ليتحول الامر الى كارثة بالنسبة لها ...فقد اصيبت بحروق وتورم فى الراس انتهى بموتها "...وقصة اخرى عن امراة كانت تقوم بالندب والقرع على الصندوق الذى يوضع فى وسط البيت ، وكانت كلما قامت بالضرب بعصاها على الصندوق كلما قامت حمامة من حمامات البيت بترك فضلاتها على راس تلك السيدة ...استمرت القصص والحكايات التى دفعنى بعضها للمقارنة فى عقلى ماقراته سابقا ًعن مراسم وطقوس العزاء القديمة فى بلادنا وحتى فى بعض الدول العربية المقاربة لنا .....ففى مدينة كدرنة متنوعة الاعراق والاديان كانت توجد جالية يهودية كبيرة العدد ، ولهم كنيس ومقبرة وشوارع مقفلة خاصة بهم ....بالاضافة لوجود بعض المسيحيين من طوائف متنوعة ..كما ان المدينة المفتوحة باتجاه بعض الموانىء اليونانية والتركية وساحل الشام كانت احيانا تتسرب اليها جزء من عادات الاخرين .....عندما وجدتنى الحاجة حميدة (احد عجائز العائلة ) مهتمة بالموضوع اخذت تسرد على مراحل اقامة طقوس العزاء ...اذ فور وقوع الموت وابلاغ اهل الميت ، يتم نصب صندوق وسط البيت ويجتمع النساء كى تقام عليه المناح ، وفى بعض الحالات يتم استئجار ندابة لترثى الميت وتعدد مناقبه ، بالاضافة لقيام كل من تاتى معزية بمسح وجهها بسواد القدور او نثر رماد المواقد على رؤسهن ، وتمزيق جزء من ثيابهن..هنا يستحضرنى ما قد سجلت المس توللى جزء من العادات القديمة لاسر الليبية التى تفجع فى احد افرادها من خلال تقديم وصف دقيق ضمن سلسلة رسائلها اثناء وجودها فى طرابلس لمدة عشرة اعوام (783- 1793م) فى بيت السفير الانجليزى باعتبارها فرد فى اسرة السير توللى ، وهيا تسجل حادثة ابلاغ اسرة السفير الليبى عبد الرحمن آغا بوفاة رب الاسرة سعادة السفير عبد الرحمن فى مراكش فى سن متقدمة ...حيث تصف لنا المس توللى كيفية وصول الخبر، وطريقة إبلاغه للأسرة فى رسالتها بتاريخ 22 نوفمبر 1792 م ، فتقول : " ولإطلاعك على المزيد من الآداب الإجتماعية لهذه البلاد ، فى مثل هذه المناسبات أروى لك ماوقع حين وصلت الأنباء إلى القلعة عن موت السفير ، أراد الباشا أن يعبر عما يكنه من صداقة وإخلاص للمتوفى عبد الرحمن وعن احترامه وتحياته لأسرته ، فأرسل الجوارى السوداوات والخادمات ، وأمرهن فى اللحظة التى يصلن فيها وسط منزل عبد الرحمن أن يعولن ويصرخن بصوت واحد ، وهذا ماقامت به الجوارى والخادمات فعلا ،سمعت اللالة خدوجة (ابنته ) والإغريقية (زوجته ) الضجة ، فخرجتا مذعورتين من حجرتيهما لتعرفا السبب ، وسرعان ما أحاطت الجوارى بالإغريقية ، وسحبن رداءها الذى يغطى جسدها ورمينه بعيدا ً بغضب وهياج على الأرض ، وجردنها من أقراطها ، وطرحنها أرضا ً ونزعن عنها مجوهراتها وحليها ، وهن يولون ويصرخن :" أصرخى واندبى زوجك " .وقلن للالة خدوجة التى وقفت جثة هامدة بلا حراك " أعولى وابكى اباك ، أندبى الحاج عبد الرحمن ، لقد مات " ثم انطلقت الجوارى يندبن ويصرخن ويرددن " ووه على ووه " بهذه الطريقة التى وصفت لك علمت اللالة منانى واللالة خدوجة بفقيدهما " ..تواصل المس توللى وصفها للموقف قائلة ً : " حين دخولنا المنزل وجدناه مكتظا ً بحشد هائل من الناس الذين جاءوا لتقديم التعازى ، كانت شقيقات السفير ، وقريبات أخريات ، وأرملته وكريماته اللائى فجعن بفقيدهن غارقات فى خضم النكبة والحزن ، فبالإضافة إلى أحزانهن التى أقضت مضاجعهن ، فقد تغيرت أشكالهن وملامح وجوههن تغيرا ً كاملا ً......كانت أرملة الحاج عبد الرحمن تبكى وتنتحب على الصندوق المرفوع وسط البيت ، حيث الجوارى السوداوات حولها يولولن وينتحبن على فقيدها ....نثرت الالة منانى وكريمة عبد الرحمن الكبرى الرماد على رأسيهما إلا أن كريمته الصغرى كانت مغطاة بالرماد تقريبا ً ، وازدادت آلام الأسرة ومآسيها بعويل صديقاتهن وصراخ السيدات الغريبات ونحيبهن المخيف المفجع " .ثم تواصل سرد بقية مراحل وطقوس العزاء وعلامات الحداد لاسرة المتوفى ، فتتطرق لعدة المرأة المسلمة قائلا ً:" " أتمت السيدة زوجة المتوفى المآتم والطقوس الجنائزية عندما لبست رداء الحداد حيث ذهبت اللالة منانى مع جواريها وخادماتها وأخفت جسمها تماما بعدد من الأغطية التى تلبسها إلى ساحل البحر، حيث كان شعرها ممشطا ً بمشط الذهب ، وكانت ضفائرها مربوطة بحرير أبيض ، بدلا ً من الشريط الأسود فوضعت عصابة بيضاء اللون على جبينها بدلا ً من عصابة ذهبية مزخرفة بالجواهر ، كانت تلبسها فى العادة ،إن الفترة المحددة لعدة أرملة هو أربعة أشهر وعشرة أيام .بعد انتهاء تلك المدة ، تذهب اللالة منانى ثانية إلى ساحل البحر ، تحمل معها نفس المشط الذى استعملته ، وأربع بيضات طرية ، تعطى البيض لأول شخص تصادفه ، ويكون مضطرا ً لقبوله ، حتى ولو كان الباشا نفسه ، تتصور أنها بالبيض تتخلص من كل النحس والشؤم وسوء الطالع .ولذا فلايحب شخص قبولها ، ولكن لازالت هذه العادة الاجتماعية قائمة ، ويتبعها الناس بحيث لا يفكر أى شخص فى رفضها . تتقدم عندئذ إلى ساحل البحر حيث يمشط شعرها للمرة الثانية ، وترمى المشط فى البحر بنفسها ، وحينئذ وليس قبل ذلك يصبح لها كل الحرية فى الزواج ثانية " أى أنها بهذا تخرج من فترة العدة الشرعية .وهذا الامر ماكان يحصل قديمة بحسب رواية الحاجة حميدة حيث ان زوجة الميت او بنات الميت وكذلك قريباته يمتنعن عن الالبسة الزاهية ولا يتزين ، ويقام العزاء فى بيت الميت ثلاثة ايام تقرا فيها أوراد خاصة تسمى التاليف ويقدم طعام العشاء فى الايام الثلاثة للمعزين ، ولا يزار قبر الميت الا فى المناسبات الدينية .الى جانب ذلك كان يقام بالنسبة لجانب الخاص بالرجال طقوس جنائزية حيث يحترف البعض مهة تغسيل الميت واساليب الدفن والتلقين ، ومايجب أن يرد به الميت ثابتا ً ، فى مواجهة محكمته أو محاكمته حين يزوره ملكان الموت ليستجوبانه فى قبره عن ربه ودينه ، وكاره وذنوبه ، وتوبته ، وربما الطريقة الصوفية التى كان ينتمى إليها ، وأى عهد أخذ ، وعلى من من الأولياء ....ويمتنع الرجال عن حلق لحيهم وشعورهم والتطيب او التعطر طيلة فترة الحداد التى قد تمتد الى فترة العام...هنا خطر ببالى معلومة سبق وان قراتها عن مراسم الحداد لدى يهود ليبيا حيث يمتنع الرجال عن ازالة لحاهم لمدة 3اشهر ، واما النساء فكن يلبسن ملابس مغسولة بالماء والنطرون (مادة تستعمل قديما فى الغسيل ) .. كما ان النساء بعد اعلان الوفاة يندفعن فى الصراخ واخراج الصندوق الذى كان الميت يحفظ فيه اغراضه الخاصة ، ويحولنه الى طبل ، يتجمعن حوله ويظللن ينقرن عليه بالايدى والعصى مع ترديد بعض الأناشيد الجماعية ، بالاضافة لجرح وجوههن حتى ينزف منها الدم واطلاق شعورهن ....وكن الندابات الشهيرات فى درنة من الطائفة اليهودية ...ويتكرر الامر فى مدن ليبية اخرى كطرابلس وبنغازى بحسب ما قراته فى المراجع والكتب التى تتناول الجانب الاجتماعى لليبين قبيل الاستقلال فى الخمسينيات .....انتهت ايام العزاء ال3 وفى اليوم الخامس غادرت برفقة اشقائى الى بنغازى تاركين والدتى فى بيت جدتى كى تواسياها وتسرى عنها ....فى طريق العودة انطلقنا كقافلة واحدة غالبية خوالى القادمين من بنغازى او من طرابلس ..غادرنا درنة فى الصباح الباكر ونسمات الريح الباردة تلسع وجوهنا ..وحالة صمت تخيم على الجميع ...فى طريق العودة عبر كرسة – راس الهلال ثم الى سوسة كى نقوم بايصال احدى القريبات الى هناك ، وجدت فى طريق صعودنا باتجاه كرينيى الاغريقية فى مواجهة اكبر مدن للموتى فى العالم القديم تمتد على سفوح الجبل الاخضر ....كنت اتأمل المشهد امامى قبور جماعية واخرى فردية ومدافن فخمة والبعض يبدو عليها بساطة حال صاحبها ...لم تفارقنى تلك الاجواء رغم جمال الطبيعة وبهجة الطقس البارد ...الا ان افكارى تجاه الموت وتقاليده جعلتنى بعد رجوعى للبيت ببضع ايام اخرج اوراق قديمة كنت سجلت فيها جزء من تلك الملاحظات عندما كنت اقضى وقتى اتجول فى تلك الربوع ....كانت تسلينى اساطير اغريق المنطقة حول خارون صاحب القارب الذى يجب ان يتم دفع اجرته كى يقوم بنقل الميت الى عالم هاديس ملك العالم السفلى ...كنت فى ايامى الاولى فى بنغازى اترنح بين حالات الحزن والتأمل والكتابة والتوقف عند مقابر الطائفة المسيحية فى حى الفويهات او ادور حول مقبرة سيدى خريبيش القديمة ...كنت احاول منع نفسى من الكتابة او الاستمرار فى ترتيب افكارى حول تاريخية المراسم الجنائزية فى برقة او مدن الجبل الاخضر الاغريقية الطابع الممتزجة بخليط من التقاليد المحلية ... الا اننى لم انجح فى ذلك ، لم اجد الا صديقتى الرائعة نيدييتوا كى اخبرها عن ما اريد فعله عندما كررت سؤالها عن توقفى عن الكتابة او التدوين ، اجبتها : انتى تعرفين ياعزيزتى ما كنت امر به خلال الاشهر الفائتة ، بالاضافة الى اننى خجلة من اخبارك اننى اكتب حول الموت ..جاءنى ردها الهادىء المتزن ، ولما لا ، اكتبى وانشرى ربما تتخطين جزء مما علق بروحك من الامر ...نعم احس بان الكتابة حالة ولادة ثانية بالنسبة لى او كالذهاب الى البحر لقذف كل مايضايقنا او يكدر صفونا ...اعذرونى مرة اخرى لانى هنا اكدر صفاءكم ، لكن اوراقى القديمة كانت تحمل لى امور احببت مشاركتم اياها وقد ادهشنى بعض الجزئيات المتشابهة بين القديم والحديث .. كان الاعتقاد السائد بالنسبة للناس فى تلك الفترة القديمة أن الأموات يعيشون فى عالم سفلى يقع تحت الارض أو مايسمى هاديس ويمكن النزول إليه عن طريق بحيرة أشيروزيا التى تقع فى إبيروس الجنوبية ...حيث تستقر الأرواح بعد الموت وتظل تحيا فيه ويصوره الكتاب الكلاسيكيين بأنه ملىء بالأنهار والبحيرات التى تفصل مكان وآخر وأنه مظلم لا تدخل الشمس ....ويتم وضع ارشادات بالنسبة للميت بعد ان يتم وضع قطعة نقدية فى فمه كأجرة نقله فى قارب خيرون حارس عالم هاديس ...هنا يشد انتباهى هذه الارشادات "...سوف تجد فى بيت هاديس على اليمين ينبوع ماء بالقرب منه شجرة صفصاف بيضاء ، لا تقترب من هذا الينبوع ، ثم تجد بعد ذلك ماء ً باردا ً يجرى من بحيرة الذاكرة ، يقف عنده حراس يسألونك ماذا تريد ، قل لهم الحقيقة كلها ، قل لهم أنى طفل من الأرض والسماء ذات النجوم ، واسمى استيريو وقد جف حلقى من العطش ، دعونى أشرب من الينبوع .." فى ذلك العالم السلفى تتم محاكمة الاموات عما اقترفوه فى حياتهم يتولى هذه المحاكمة قضاة او زيوس كبير الالهة الاغريقية او هاديس بنفسه ، وتتقرر بعد المحاكمة مصير الارواح فالاشرار سيكون مصيرهم فى الهاوية التى تسمى تارتاروس الواقعة اسف هاديس ، حيث ينالون أقصى العقوبات ويكفرون عن ذنوبهم ، أما الأخيار فالشائع أنهم يعيشون فى حقول الإليزيون التى تقع عند مدخل عالم هاديس ومن يسكن بها يعيش فى سعادة دائمة ....أما عن طقوس الدفن والعادات الجنائزية فى المنطقة ، فهى تسمى (كيدييا) وتمر بثلاث مراحل أساسية هى تجهيز الميت وغرضه ثم موكب الجنازة وأخيرا ً عملية الدفن ...فعند وفاة الشخص يقوم أقاربه إغلاق عينيه ، وقفل فمه ، وذلك لانها تحمل معنى روحيا ً للاعتقاد بأن قفل العيون يمثل ضمانا ً لتحرر الروح من البدن ، وان ترك العيون مفتوحة يوحى بالحياة...ومن ثمة يقمن نساء البيت من قريبات الميت اللائى تجاوزن ال60 عاما ً بغسل الميت وتجهيزه وذلك بدلك الجسد بالاسفنجة والمياه المقدسة التى تجلب من نبع المدينة ثم يتم دهن الجسد بالزيوت العطرية ، وبعدها يتم تكفينه أما بملابسه او بكفن من الكتان حيث يترك الراس عاريا ً ، اما النساء فكن يتم تزيينهن بحليهن ، كما يتم وضع أكاليل من ورق الزيتون أو من الذهب او البرونز بحسب القدرة المالية للميت ...وبعد انجاز هذه الاستعدادت يوضع على سرير خشبى أو نعش وتحت رأسه وسادة وأقدامه فى اتجاه الباب .. ثم يصبح الميت جاهز لعرضه فى ساحة مفتوحة فى البيت وكانت تستمر ايام بحسب المكانة الاجتماعية ، ثم اصبحت تستغرق يوم واحد ، ويرجح بعض الباحثين ان اطالة ايام العرض لتمكن من حفر القبر وتجهيزه ....وكان يتم الاجتماع حول نعش الميت افراد اسرته واقاربه ويقومون إضافة إلى الأشخاص الذين يتوافدون على البيت بممارسة طقس النواح والعويل ، وقد يتم ذلك بواسطة النادبات المستأجرات من خلفه وهم يرفعون أيديهم ويضربون صدورهم وتقطع النساء شعورهن ويلطمن خدودهن ويضعن الرماد على رؤوسهن ، طبعا امكان لنا كباحثين معرفة كل هذه الطقوس والتقاليد الجنائزية من الرسومات على الاوانى الفخارية ....وبعد اكمال ممارسة تلك القطوس ببيت الميت يتم وضعه فى نعشه استعدادا ً لنقله فى اليوم التالى والتى تسمى (إكفورا ) وهى تبدأ قبل شروق الشمس لاعتقاد بان اشعة الشمس قد تساهم فى تحلل الجثمان ..وكان ينطلق الموكب من البيت حيث يحمل النعش اخوة الميت او اقاربه من الرجال ويرافق الموكب اقرب اقارب الميت كالوالدين او الزوجة او الزوج او الابناء واقرب الاصدقاء، بالاضافة لنساء الاسرة المتقدمات فى السن يرافقهم موكب النائحات وان كانت بعض الاماكن فى العالم الاغريقى تشترط أن يحمل الميت فى صمت ...عبر الدروب والازقة الضيقة منعا ً للضجيج فى المدينة ...ثم يتم انزاله فى القبر المفتوح او يتم احراق جثمان الميت وذلك بحسب الرغبة الشخصية وان نلاحظ من كثرة القبور فى كرينيكى او فى الريف المحيط بالمدينة تنتشر الكثير من القبور الفرادية والجماعية .....وكانت الالهة المصاحبة لهذه المرحلة فى عملية الدفن تُسمى هبينوس (اله النوم ) ، تانتوس (اله الموت ) وبذلك يرمز اسطوريا ً الى أن الموت ماهو الا نومة أبدية ...اما بعد الدفن فأن افراد اسرة الميت يباشروا القيام باعداد الوليمة الجنائزية حيث يأتى الاقارب فقط ، الذين كانوا يساهمون فى اعداد الوليمة وذلك لان الطقوس تمنع اهل الميت من ايقاد النار فى البيت طيلة فترة الحداد ، وكما انهم يتركون أهل الميت لأحزانهم ..وفى اليوم الرابع يتم اعادة ايقاد النار وتقديم قربان لربة الموقد هستيا ...وتختلف فترة الحداد من اسرة لاخرى ، فقد تصل الى اربعة اشهر بالنسبة للرجال وخمسة للنساء ، وكان يفرض على النساء اللون القاتم أما للرجال والاطفال فكان اللون الابيض أو الاسود ويقص الشعر تعبير عن الحزن...وفى نهاية تلك الفترة يتم تقديم وجبة طعام تسمى (كاثيدرا)...ليعود أهل الميت للمراسة حياتهم العادية ...دون قطع صلتهم بالميت وذلك عبر تذكره بشكل سنوى فى احتفال سنوى يقام فى الجبانة بمناسبة الذكرى السنوية لدفنه او ميلاده ...واخيرا ايها المبحرين فى محيطى .. لست بمعاندة لحكم الله ولا لمشيئته ..ربما هى سيطرة حالة الباحثة عن مكونات شخصيتنا كالليبيين هو مادفعنى هنا لتدوين مادونته ....اسال الله الرحمة لخالى ولكل سائر المسلمين ....ولا اراكم الله مكروها فى حبيب .

*إليجية :احد اوزان الشعر المستخدمة فى الفترة البطلمية فى اقليم كرينى حيث يستخدمونه الشعراء والكتاب فى كتابة موضوع قصصى ، وكان كاليماخوس القورينى احد اشهر من استخدموه .
**الإبجراما هى قصائد قصيرة استخدمها القدماء على شواهد القبور او فى الاهداءات للتعبير عن مواضيع شتى كالحزن والفرح وغيرها وكان كاليماخوس من أعظم من كتب بها اعماله الشعرية .

السبت، 19 سبتمبر، 2009

تهنئة بعيد الفطر السعيد

تهنئة من القلب لكل الاصدقاء لمناسبة حلول عيد الفطر السعيد ، راجية من الله ان يعيده علينا بالخير والعافية ، وبصلاح حال أمة محمد .....اتمنى للجميع ان يكون عيد هذا العام بداية لاحسن سنوات العمر.

الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2009

والدتى وذكريات زمنها الجميل ...



تنحدر والدتى من مدينة درنة الجبلية الواقعة وسط ريف جميل حيث تنحصر بين الجبل الاخضر و البحرالذى يضطجع عند أقدام المدينة بسكون حيث تنبثق وسط واحة طبيعية بديعة ، دفعت الرحالة الغربيين الذين مروا بها فى طريقها لمصر لاطلاق تسمية جوهرة البحر المتوسط على درنة، فهى تقوم بين مجموعة من البساتين الخصبة واشجار النخيل الجميلة والفواكه المثمرة التى ترويها جداول منسابة من الوادى تجرى فى قنوات منظمة تسمى محليا ً السواقى، يقال بان الوالى المحلى للمدينة سيدى امحمد بى قام بشقها فى القرن الرابع عشرللميلاد ...ويتميز مناخها فهو معتدل لطيف...بالاضافة لاشتهارها بكثرة الأشجار والنباتات المختلفة بسبب خصوبة أرضهاوتوفر مياه الرى التى تصل إلى المدينة عن طريق وادى درنة ، وتنهمر مياه الشلال فى أبى منصور ، الذى يحصل منه معظم سكان المدينة على حاجتها من المياه النقية العذبة الصالحة للشرب منه ...وكانت درنة تشتهر بموزها الذى كان يصدر الى كل من طرابلس وايطاليا ، وبالإضافة إلى وجود أشجار الفاكهة المتنوعة بالمدينة ونباتات الزينة كالزهور كالورد القرنفلى ، والغرنوقى "زهرة إبرة الراعى" كما تشتهر بنوع من الياسمين المتمز برائحة نفاذة يعرف محليا باسم "النسرى" مما جعل الرحالة العرب يطلقون عليها اسم مدينة الحدائق المعطرة " ، وكانت الورود ونباتات الزينة تباع فى سوق المدينة القديم مع الخضروات والفواكه .. كما أن الهدوء الذى تميز به درنة بمبانيها البيضاء المشيدة وسط غابة من أشجار الفواكه والنخيل والشلال المتدفق بالمياه الغزيرة يعطى السواح والزائرين منظرا ً خلابا ً لا تنساه العين أبدا ً خاصة عند الغروب.


وكانت عودة والدتي من بيت جدى بدرنة محملة بزهر الليمون لا يعنى انها ستعيد الحياة لبيتنا فقط، بل تحمل معهاروح تلك المدينة الجبلية الصغيرة الساحرة المعلقة بين البحرالازرق والجبل الاخضر،تحمل الى عطرأزقتها القديمة وفوارتها الأندلسية ،وعرائشها ،وياسمينها ، وبهجة ذكرى الطفولة ، تنثر الوان من الجمال والفرح ، تبدو كوردة تبعث عبيرها الوهن ، لفرط عذوبته ، فى أوصال من ولد وعاش وسمع وعبر فى واديها ، وشرب من شلالها، وتنزه فى سوانيها.



وتنقسم المدينة القديمة إلى الاحياء الاربعة التقليدية القائمة داخل اسوار القديمة ، وهى كالتالى : حى بو منصور ، وحى المغار ، وحى البلاد وحى الجبيلة ...بالاضافة للاحياء الجديد التى اخذت تنحت لها شوارع وبيوت فى باطن الجبل الصخرى المكسو بشجيرات دائمة الخضرة ، منها حى بابا شيحة، وبابا طبرق ، والساحل الشرقى والساحل الغربى ، وغيرها من احياء تتوسع فى اتجاه الجبل مانحة المدينة منظر جميل باآلاف الاضواء ليلا ، لمن يتطلع من البحر.



يقع بيت عائلة والدتى فى حى بو منصور فى زنقة زليتن حيث يقال بحسب الأبحاث الأثرية حول تاريخ المدينة انها من اقدم ازقة المدينة العتيقة .

 يطل بيت جدى على حافة وادى درنة الذى يقسم المدينة الى نصفين يربطهما جسر رئيسى حجرى بنى فى الفترة العثمانية ثم تم تجديده فى الحقبة الاستعمارية الايطالية ليبقى الى وقتنا الحاضر شاهد على امور وقصص كثيرة تتردد فى جنبات الوادى الهادر الصاخب وقت فصل الشتاء حيث يمتلىء بمياه الامطار التى تندفع حاملة صخور واشجار الوادى وحيواناته بالاضافة للبيوت التى يكون من سوء حظها ان تقع ضحية لغضبة ذلك الوادى..كثيرا ما فتنتنى مراقبة المياه وهى ترتفع فى الوادى ...يقع ايضا بيت جدى بالقرب من مقبرة الصحابة لا يفصلهم عنها سوى طريق رئيسى ، وبالامكان الاستماع للصلاة التى ترفع فى مسجد المقبرة بوضوح ، كما بالامكان متابعة الاحتفالات التى تقام فى المناسبات الدينية كذكرى المولد النبوى والسنة الهجرية واحياء ليالى رمضان من سطح بيت جدى.
 
فى ظل هذه الاجواء نشأت والدتى وترعرعت وكبرت ...والدتى من الجيل الذى ولد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فى نهاية عقد الاربعينات حيث المدن الليبية مازالت محتفظة بشىء من البراءة وبساطة العيش ، ورجالها يعيشون حلم الاستقلال والكفاح لتوحيد الاقاليم الثلاث التى قُسمت اليها بلادى البهية بعد اندحار ايطاليا المستعمر الكريه ، فكانت برقة الاقليم الشرقى لليبيا واقع تحت الادارة البريطانية العسكرية وكذلك اقليم طرابلس الغربى اما الجنوب فهو واقع تحت السيطرة الفرنسية ...تلقت والدتى تعليمها وانخرطت فى شؤون الحياة العامة متطوعة فى دروس محو الامية وجمع التبرعات للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسى، ودعم المجهود الحربى المصرى ، ومتظاهرة مع صديقاتها وبنات مدينتها الصغيرة- ذات الطابع الشديد التحضر فى محيط بدوى- متظاهرة ضد الاحتلال الصهيونى وتقسيم فلسطين . 


كانت احفظ سيرة حياة والدتى عن ظهر غيب، خاصة عندما بدأت الكتابة لصالح مؤسسة تبرة لدعم المرأة الليبية مابين اعوام (2004-2008) إذ كانت السيدة هناء النعاس تعمل على توثيق تجارب نساء جيل ماقبل الانقلاب ممن تغافلت عنهن الأبحاث والدراسات و مشاريع التوثيق بمركز الدراسات التاريخية ...والدتى كانت احدهن ... لم تتوقف والدتى يوما عن حكاية ذكرياتها او قصصها او تجاربها راوية لى عبرها تاريخ مدينتها الصغيرة الجبلية وتاريخ بلادى عبرها ...كنا نتشارك انا وهى واشقائى وشقيقتى جلسات شتائية طويلة مع والدى الذى كان ينصت صامتا ، ثم سرعان ما ينهمكان فى سرد حياة عاشوها فى ليبيا الخمسينات والستينات بالأخص ، إذ كانا حريصان على غرس محبة الوطن والاعجاب بتاريخنا وتقدير دور اجدادنا ، وتقوية روابطنا العائلية والابقاء على جذوة الانتماء حية بداخلنا ،حتى صرت احفظ تفاصيل التفاصيل ....ولاننا فى شهر رمضان حيث ليالى المحبة والتقارب والتشارك فى السهرات العائلية التى تجمع الاسر وذوى القربى فى داخل الوطن ، وتقرب الاسر والافراد بالمهجر من بعضهم البعض .




احببت ان نتشارك ذكريات والدتى عن طقوس واجواء رمضان وعن الحياة الاجتماعية خلال هذا الشهر فى فترة شبابها فى مدينتها الساحرة :

"...تتذكر أنه لم يكن هناك أنواع كثيرة من الاطعمة ، فقد كانت الشربة الحمراء هى الطبق الرئيسى على مائدة الافطار ، والى جانبها يكون الملفوف ورق العنب ، او الكرنب ، والمحاشى ، ومعه طاجين البطاطا ، او أرز ، أما لحم المفروم فلم يكن الليبيين فى تلك الفترة يستصيغوا تناول اللحوم الخارجية ، فيقومون باحضار لحم خروف وطنى يبلغ سعره الكيلو بسعر تلك الفترة ربع دينار أى 25قرش ، عندما سمعت الرقم أصابتنى حالة ذهول كبيرة ،لأننى ظننتها مزحة او لديها ثقب فى ذاكرتها، فسعر الخروف كله بلحمه وصوفه وقرونه ، حى على قدميه يبلغ سعره دينارين ، او جنيهان بسعر تلك الايام وعملتها ..قلت لماما مازحة كنت اشتريتى بعشرة دنانير خرفان وخبأتيها لهذا الزمن الصعب مما يدفعنى للتساؤل حول وضعنا اليوم فسعر كيلو اللحم الضأن يتخطى ال14 دينار هو غالى بالنسبة للاسر المحدودة الدخل ، ماذا حصل لنا نحن الليبيين؟ .

أما المعكرونة( مكرونا كما تنطق فى لهجتنا المحلية ) فهى قليلة الاستعمال ، لأرتفاع سعرها فى ذلك الوقت ، وكن نساء المدينة يستعضن عن المعكرونة بنوع من المعجنات يقمن بصناعتها ، تسمى دويدا : تصنع من دقيق القمح ، وتعجن بالماء والملح ، ويقمن نساء الشارع أو الأسرة الكبيرة بالتجمع فى بيت أحدهن للقيام بعجن المعكرونة على شكل كرات صغيرة ،ثم يقمن يطرحها على أقمشة نظيفة وتعرضها فى الشمس لبضعة أيام حتى تجف العجينة ثم تجمع وتحفظ فى وعاء من الفخار النظيف ، تقول ماما أن تلك كانت تمثل وجبة لذيذة ضمن وجبات التى كان يعرفها الدراونة فى تلك الفترة ، كانت الدويدا أى اللازانيا فى وقتنا الحالى حيث اعدت محاولة صنعها مع ماما حتى اعرف ماهى بالضبط هذه العجينة ...فى أواخر الخمسينات أستطاع أبن عم ماما أحضر مكينة لعمل المعكرونة السباغيتى ، جلبها له صديق يونانى مقيم فى سوسه ، تشاركا معا فى العمل فى ورشة لتصليح السيارات حيث اصبح يساهم فى تزويد بعض بيوت عائلة والدتى القاطنين زنقة واحدة بهذا النوع من المعجنات .

اما بالنسبة للخبر فقد كان كل بيت فى درنة أو معظمهم يحصلون عليه من خلال تجهيز العجينة ، والقيام برميها فى التنور (موقد محلى موجود فى معظم الدول العربية ) ...أما للحلويات فكانت الكنافة هى التى يتم شراءها من السوق وانما لم يكن شراءها يتم بشكل يومى كما يحصل الان ، فيتم تجهيزها فى البيت ثم ترسل للفرن (الكوشة) من أجل خبزها فى الفرن البلدى ، حيث يقوم أجير الفرن بصب معقود العسل أو الشربات ، بالاضافة لصنع المقروض او الغريبة او الكعك وهذه حلويات تعد للاحتفال بالعيد .... لم يكن سكان المدينة فى ذلك الوقت يعرفون شرب القهوة على مستوى واسع ، بل أن الرجال فقط من يقومون بشربها فى البيوت ، أو فى المقاهى ... تقول ماما صادف حلول شهر رمضان فى فصل الشتاء حيث الامطار الغزيرة ودرجة شدة البرودة، لم يوقف الاسرة والاقارب عن القيام بزيارات وسهرات عائلية تبدأ بعد صلاة التراويح حتى منتصف الليل ، حيث تتذكر ماما عن ذلك أن الخروج تحت المطرملتفين بأغطية صوفية وعباءات الكبار متعة لا تقدر بثمن ،أو مستأجرين حنتور يزحف عبر طرقات المدينة المتعرجة، وزيارة بيت جد والدتى بحى المغار قمة الاثارة فى ذلك الشهر ، لأنهم سيحظون بدلال الجدالذى سيحضر لهم حلوى الشكير(لااعرف ما شكلها لانها مهم قامت ماما بوصفها فلم اعرفها وسط ماهو موجود الآن بالسوق ) والاستمتاع بحكايات الجدة والكبار ، واللعب ، والتسلية البريئة حيث تجتمع الاسرة والاقارب حول العدالة اى ادوات صنع الشاهى على طريقة الليبيين ايام زمان ، والتى تكاد ان تندثر من غالبية بيوتنا او اصبحت مجرد اكسسوارات توضع فى واجهة الدواليب الزجاجية حيث تصنع من الفضة والزجاج الثمين المزخرف ، لتبقى شاهد على زمن يكاد تختفى كل ملامحه ومعالمه .

و تسترجع ماما زيارات شقيقتها المتزوجة الخالة ياسمين التى تكبرها فى السن بكثير، حيث يلتف الجميع حول جدتى وهى تعد الشاهى ، وماما او احدى خالاتى يقمن بتجهيز الكاكوية واللوز ، وتسخين الاطعمة المتبقية من وجبة الافطار لتناولها فى وجبة السحور العائلية ، بساطة فى الزيارة تقابل تكلف زياراتنا فى الوقت الحاضر وعدم الاستمتاع بطعم تلك السهرات بسب الاجهاد والصخب والتبذير المبالغ به فى كثير من الاحيان فيتحول الامر لمهرجان استعراض اطعمة اكثر من كونه فرصة للحديث وتبادل الحكايات والقصص العائلية او الاستماع لحكايات وخراريف تروى حكم وعبر تشبع الروح وتغنى العقل .



أحدث دخول الراديو لبيت والدتى بعد قيام جدى بشراءه أواخر خمسينيات القرن الفائت ، أحدث نقلة نوعية فى تسلية البنات المراهقات اللآئى صرن يستمتعن بمتابعة تمثيليات صوت الشرق الاوسط ، والاستماع الى البرامج الرمضانية ، والاغانى المصرية الخاصة بهذا الشهر الفضيل كاأغنية وحوى ياوحوى ، أو رمضان جاءنا ، او رمضان رحلة الهدى ، كماكانت جدتى وخالاتى يضبطن رمى حبات الشعيرية فى الشوربة (الشربة ) على صوت أذان القاهرة ، لأنه يعنى أقتراب وقت أذان المغرب فى مدينة درنة الجبلية الواقعة على مسافة غير بعيدة من الحدود الليبية المصرية .

 الان عندما تسترجع والدتي ذكرياتها أجد لمعة من الحنين ، والشغف لتلك الايام البسيطة والخالية من المشاكل والهموم الكبيرة ،أحيانا اتعمد أن اعدل الراديوا الخاص بالتلفزيون على صوت الشرق الاوسط ، او محطة الاغانى القديمة ، لكى تستمتع ماما بتذكر أغانى قديمة يبثها الراديو ، تذكرها بفترة شبابها ، وطفولتها .

سأتوقف هنا لاننى لااعرف هل الماضى جميل لاننا لم نعشه ؟ او لان الحنين للماضى صفة ملازمة للانسان ؟ اما ان التذكر والشعور بالحنين هو وسيلة للابقاء على ذات الواحد منا فى حالة تناسق مع بيئته وافكاره ، شرط عدم التفكير فى الانغلاق واقفال الباب امام حياة حديثة اخرى قد نجد فيها مساحات يمكننا ملؤها بالمودة والمحبة كما فى ماضى وزمن جميل ونقى ...مارأيكم أنتم يامن تعبرون محيطى ؟