الأحد، 24 مايو، 2015

فيلم فانتازيا:التفسير البصري لأعظم المعزوفات الموسيقية الكلاسيكية الغربية

            


قدمتُ فى حقبة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي العديد من أفلام الرسوم المتحركة أو فن التحريك كما يصطلح عليها بعض النقاد لجمعه بين فن الرسم والسينما ، وقد تألقت أستوديوهات الأخوين فلايشر، ووالت ديزني ، و الفرنسي بول غريموو والياباني هيّاو ميازاكي فى صناعة أفلام مازالت قادرة على ادهاشنا رغم مرور سنوات طويلة عليها ، ومن بين تلك الأعمال الجميلة فى هذا الفن ، فانتازيا ، هو احد افلام  الرسوم المتحركة لوالت ديزني تم إنتاجه عام 1940، هو عبارة عن تفسيرات بصرية للأعمال العظيمة فى الموسيقي الكلاسيكية الغربية بواسطة الرسوم المتحركة ، لمجموعه من الأعمال الموسيقية الكلاسيكية لكبار المؤلفين الموسيقيين كمقطوعة التوكاتا والفوجا ليوهان سباستيان باخ وأجزاء من باليه كسارة البندق لتشايكوفسكى ، جزء من باليه طقوس الربيع للروسى إيجور سترافينسكي ، و  جزء من السمفونية الرعاوية لبيتهوفن الذى يظهر فيه مشهد الاحتفال باخوس ، وموسيقى "ليلة على الجبل الأجرد"لموديست موسوريسكي.

 بالإضافة لظهور ميكى ماوس فى دور ساحرمتدرب وهى الشخصية المقتبسة من "صبي الساحر" القصيدة الشعرية للألماني "يوهان غوته" ، حيث يكون ميكي هو تلميذ لساحر عجوز يوكل إليه القيام بواجبات أثناء غيابه عن البيت ، الذى يمارس السحررغم عدم أكماله لتدريبه كاملا ً، ذلك كى يخفف عن نفسه الأعباء المنزلية بسحر المكنسة التى يفشل فى السيطرة عليها فيكاد يتسبب بإغراق البيت بالمياه المتدفقة ، ومع عودة الأستاذ يوقف التعويذة ، وينقذ الموقف .

شارك فى كتابة مشاهد الفيلم كل من : جو جرانت و ديك هومر ، مع والت ديزني ، و تناوب على إخراج الفيلم مجموعه من المخرجين الذين قاموا بإخراج المشاهد الموسيقية بالفيلم جيمس ألجار، نورمان فيرغسون وغيرهم ، وعمل بالفيلم أكثر من ألف فنان وتقنيين ، استخدم الاستديو معظم الألوان فى مشاهد الفيلم، وكان من بين رسامي اللوحات الفنان المعروف سلفادور دالي.

وقام المايسترو " ليوبولد ستوكوفسكى" قائد أوركسترا فيلادلفيا الفيلهارمونيك  بقيادة الأوركسترا فى عزف المقطوعات الموسيقية المستعملة فى الفيلم حيث نال جائزة خاصة للموسيقى التي قاد تسجيلها ستوكوفسكي .

أخفق فيلم فانتازيا وقتئذٍ إخفاقاً كبيراً للأجواء القائمة أنذاك إذ كانت الحرب مشتعلة فى أوربا التى ألقت بظلالها على كل شىء بما فى ذلك صناعة السينما ، كما أن انتاج هذا الفيلم التجريبى والمختلف عن السائد جعل الكثير من المشاهدين من الكبار والصغار غير قادرين على استيعابه بشكل كامل ، مماجعل التجاوب أقل من المتوقع، أضافة للآراء القاسية من كبارالموسيقيين و النقاد الفنيين الذين رأوا فى الفيلم أساءة لاستخدام المقطوعات والاعمال الموسيقية الكلاسيكية ، فقد أبدى الموسيقار الروسى "إيجور سترافينسكي" امتعاضه من أسلوب عزف موسيقاه باليه طقوس الربيع، كما رأى بعض النقاد السينمائيين أن استعمال مقطوعة ليلة على الجبل الأجرد لموديست موسوريسكي فى فيلم للأطفال غير مناسبة إذ يصيبهم بالرعب وتلاحقهم الكوابيس أثناء النوم بعد مشاهدة الفيلم.

هذا و أطلقت نسخة جديدة من الفيلم أواخر الستينات بعد انتصار حركة الحقوق المدنية للسود مع حذف لزهرة عباد الشمس على شكل شخص أسود فى الجزء الخاص بأحتفال باخوس، بينما ظلت هذه الصورة فى النسخة الأصلية بالفيلم ، كما قد إعيد انتاج الفيلم عام 2000 فى نسخة أحداث حققت مبيعات كبيرة .

يُعد اليوم من أهم الأفلام الموسيقية في تاريخ السينما العالمية ، إذ أصبح ضمن أفضل الأفلام الأمريكية خلال مائة عام 1998، كما تم ضمه لسجل ارشيف الفيلم الوطني الامريكي للأفلام السينمائية بمكتبة الكونجرس .

وقد ساهم الفيلم فى تقديم قصيدة غوته للناس ، حيث قام المخرج جون تيرتلتوت فى العام 2010 بإخراج فيلم قائم على الفقرة الموجودة بفيلم فانتازيا ، و يحمل نفس عنوان القصيدة .

لتحميل الفيلم كاملا ً:

الأربعاء، 13 مايو، 2015

نحو المجهول ...يوميات طالب سعودي في لندن ..



يتضمن هذا الكتاب تجربة طالب سعودي  يدرس في لندن لنيل درجة الماجستير فى الترجمة ، ويتناول فى فصول الكتاب الصغير مشهد وداع أسرته بمطار الرياض حتى وصوله للندن و الانطباعات الاولى لمدينة الضباب ، يحكى بأسهاب نوعا ما عن المطر و مشاعره تجاه المشي تحت المطر وهو القادم من بيئة حارة ، عن افتقاده لحرارة الشمس ونورها طوال الساعات فى طقس غائم ، عن خيبة أمله حول بساطة الطلبة الدارسين او الاساتذة والموظفين بمدرسة الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن ، يحدث القارىء عن النظام التعليمى بالكلية ، و يعرفه على المواد العلمية التى يدرسها، وعن زملائه الطلاب .

 يسرد ذكرياته ومشاهداته حول العادات والنظم للأنجليز، وأساليب المعيشة بمدينة عالمية تحاول ان تمنح سكانها فرص للتعبير عن التنوعات فى ثقافات قاطنيها ، عن بعض المواقع والمبانى والشوارع التى تملك تاريخ وسمعة عالمية ، او التى تعتبر مزارات سياحية شهيرة كشارع اكسفورد ، و شارع اجورد روود ، والمحلات والمخازن اللندنية الشهيرة كهارودز ، و السلفردج ومنتزهاتها كجيمس بارك أو الهايد بارك .

يروى تجربة صيام شهر رمضان للمرة الأولى وحيدا ، وبعيد عن أرض الوطن وبيت العائلة ، معاناة الصائم وسط بيئة وثقافة مختلفة ، عن الارهاق والتعب والراحة الروحية التى تمنحها الصلاة ، عن اول عيد فطر وعيد اضحى عاشهما بغربته الاختيارية القصيرة .

ويتوقف عند بعض المواقف التى حصلت معه فى تواصله مع الأخرين سواء من زملاء السكن أو الدراسة ، يركز على فقدان المجتمع الانجليزى للقدرة على التواصل بين الجيران أو الاصدقاء او الغرباء ، لايتوقف  المؤلف عن تنبيه القارىء فى المقدمة و عبر صفحات الكتاب من أن هذه اليوميات لا تمثل دراسة مستفيضة لمجتمع لندن ، أنما هى أقرب لانطباعات وخواطر شخصية .

الكتاب صغير الحجم ، لاتتجاوز عدد صفحاته ال116 ، مكتوبة بلغة مكثفة و مركزة حول بعض الجوانب ، تحمل نوع من الاسهاب حول مشاعر المؤلف والمطر فى بعض الصفحات ، فيستشهد بقصيدة بدر شاكر السياب الشهيرة "أنشودة المطر" .

لم يوفق المؤلف فى طرح بعض المواقف والاستعانة بها للتدليل على قساوة ومادية الحياة بالغرب ، إذ برأيى تحمل تصرفات أولئك الناس اكثر من تبرير ، أيضا لم يتوسع فى تناول انطباعاته وزياراته لبعض المواقع واكتفى بذكر القليل ، العنوان "نحو المجهول يوميات طالب سعودى فى لندن" لم أجد له أى انعكاس ، إذ كانت الامور تسير بسلاسة فى اجراءات التسجيل والقبول ، وحتى مسألة السكن لم تكن عائق كبير كما كانت فى تجارب طلبة أخرين ، وبالاضافة إلى توفر معلومات كثيرة حول لندن فى الاعوام الاخيرة بالاخص مع تدفق العرب إليها منذ السبعينات ، فلو كانت الرحلة فى تلك السنوات لربما تفهمت مخاوف وشكوك وهواجس المؤلف ، بالمجمل هو كتاب مسلى ، ومناسب الاطلاع عليه لتعرف على تجارب الاخرين فى الحياة ، جاء اختيارى له كنوع من التغيير فى نوعية المواضيع ، بالاضافة لميلى القوى تجاه كتب الرحلات والتجارب الذاتية والحياتية .


                                                   ***


هنا قراءة جميلة لقصيدة أنشودة المطر للشاعر العراقي بدر شاكر السياب :


عازف البيانو : دراما الموسيقي والحرب

 قصة فيلم "عازف البيانو" مقتبسة من كتاب "موت المدينة" لعازف البيانو البولندي اليهودي "فلاديسلاف شبيلمان" حول تجربته إثناء الاحتلال النازي لبلاده، و ماتعرض له هو و أسرته و يهود بولندا على يد النازيين من جرائم و ما عاشوه من معاناة أودت بحياة الكثير من البولنديين من يهود ومسيحيين في فترة الإحتلال النازي لبولندا.

كان شبيلمان يعيش مع اسرته بمدينة وارسو خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كان يعمل كعازف في الإذاعة البولندية، و كان من عشاق الموسيقار فردريك شوبان، لهذا تضمن الفيلم العديد من مقطوعات الموسيقار البولندي شوبان.

ينجو شبيلمان من مصير الترحيل إلى معسكرات الاشغال الشاقة، أي الابادة، بفضل ضابط الامن اليهودي المتعاون مع سلطات الاحتلال النازي، إذ يقوم بسحبه من الطابور قبل ركوبه مع افراد اسرته في القطار. يصبح شبيلمان عامل سخرة لدي القوات النازية، و يشهد في تلك الاثناء الترتيبات لثورة البولنديين ضد الاحتلال النازي، قبل أن يغادر هاربا ً حيث ينجح في الاختباء بمساعدة "أندريك وزوجته جانينا" و هما من أصدقائه البولنديين المسيحيين، اللذان يقبض عليهما الشرطة النازية بعد انتفاضة وارسو، و يذهب "شبيلمان" إلى عنوان للجوء إليه في حالات الطوارئ، ليجد أن "دورتا" الفتاة التي كان معجبًا بها منذ سنوات، هي زوجة الرجل الذي أرسل إليه.

بعد ذلك ظل شبيلمان يتنقل بين مخابئ اعدها اصدقائه قبل أن يلقى القبض عليهم إثناء انتفاضة وارسو الكبري، فينتهي به الحال وحيدا ً مختبئا ً في أحد المباني المهدمة في وراسو المحترقة بالكامل، و هناك التقى هوسنفيلد الضابط النازي الذي كان من بين من ساعدوه للبقاء على قيد الحياة، إذ حملت إجابته عن مهنته الخلاص من الموت، فالضابط النازي يُعجب بعزف شبيلمان، حتى أنه وعده بالإستماع اليه عند عودة الأوضاع إلى سابق عهدها، بعودة فالديك للعزف في إذاعة وارسو، وهو الأمر الذي لم يحدث.

في المشهد الأخير نرى شبيلمان يعزف ضمن اوركسترا معزوفة لشوبان في حفل كبير وباذخ. ثم نرى على الشاشة معلومة توثيقية تقول بأن "فلاديسلاف شبيلمان" قد واصل حياته اليومية في وارسو حتى وفاته في العام 2000 عن عمر يبلغ آنذاك 88 سنة، أما النقيب الألماني هوزنفيلد فقد توفي في معسكر بالاتحاد السوفييتي لأسرى الحرب عام 1952.
                                     
الفيلم من اخراج الفرنسي - البولندي "رومان بولانسكي"، وأنتاج العام 2002، و تم تصوير الفيلم في بولندا و بريطانيا و ألمانيا، كما أن أطلال البنايات التى ظهرت في الفيلم تعود لفترة الحرب العالمية الثانية، و الموسيقي التصويرية لفوزسيتش كيلار .

تحصل الفيلم على العديد من جوائز الاوسكار عن فئة أفضل ممثل - أدريان برودي، و فئة أفضل مخرج - رومان بولانسكي، فئة أفضل سيناريو مقتبس - رونالد هاروود، كما نال الفيلم العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية كجائزة البافتا، و السعفة الذهبية، و السيزر.

كان فيلم "عازف البيانو" التجربة الاهم في المسيرة الفنية للممثل أدريان برودي، إذ شكل نقلة كبيرة بفوزه بجائزة الأوسكار في سن لم يتجاوز فيها التاسعة و العشرين من عمره، و قد تألق النجم برودي في تقديم شخصية العازف البولندي شبيلمان، كما نجح بولانسكي في تصوير معاناة ضحايا الاحتلال النازي، فهو لم يقصر الأمر على توثيق الجرائم بحق اليهود، بل قدم جزء من محاولات البولنديين للثورة على الاحتلال، و الاحتفاء بنضالهم .

من الأشياء الجيدة حول هذا الفيلم تحديدا هو نجاحه في تقديم صورة متوازنة حول وجود يهود خانوا أبناء دينهم و وطنهم، بالمقابل كان هناك ألمان نازيين لم ينسلخوا عن انسانيتهم كليا ً، و ربما هذا ما وضع كتاب شبيلمان في قائمة الكتب الممنوعة في بولندا و الاتحاد السوفياتي، و لاحقاً في إسرائيل إذ اعتُبر من غير المعقول و المنطقي للأسرائيليين أن يدين يهودي بحياته و نجاته من الإبادة لضابط ألماني نازي.

مابين مشاهد طويلة، و أخري قصيرة، و تجنب التركيز على المعارك الحربية،واستخدام الاضاءة والموسيقى قدم بولانسكي فيلم يمس الروح، كما يحفز المشاهد على ادراك تأثير الموسيقى على بعث شعور الأمل و التشبث بالحياة حتى في أحلك و أسوء ما يمكن أن يمر به الانسان. فالموسيقى تحرك انسانية الضابط النازي، و تعطي لشبيلمان طاقة لتحمل البقاء حبيس جدران شقة مخصصة كاحدى المخابئ، ففي مشهد لايُنسي يجلس أمام آلة البيانو ليعزف في الهواء محركا ً اصابعه ،دون أن يلمس البيانو، خوفا ً من لفت انتباه الجيران لوجوده في الشقة المغلقة و المهجورة .

 من الأشياء اللافتة لانتباه بالنسبة إلى عند مشاهدتي لهذا الفيلم هو لجوء شبيلمان  للعزف في الظروف الصعبة التي تلّم به، ففي هروبه و تنقله في المباني المهدمة، و خطر وجود الجنود النازيين، و معاناته مع الجوع و البرد، يجلس في احد المباني تلك ليعزف على بيانو وهمي مقطوعات كان يقدمها لجمهوره من المستمعين.

كما ان اختيار مقطوعات شوبان الموسيقار البولندي لتكون ضمن ماعزفه شبيلمان بالفيلم، اضفى على الفيلم مسحة من الخصوصية، فمقطوعة  "النكيتورينوز" الفها شوبان عام 1830 م، و هي كانت مهداة لشقيقته، تميزت برقة ممزوجة بمسحة كآبة شاعرية، و قد اعتُبرت من الابتكارات الموسيقية الجديدة لآلة الييانو، تميز شوبان بالقدرة على الارتجال على المسرح، بعيدا عن القواعد الموسيقية، مما جعل جمهوره يسعد بحضور حفلاته، إذ كان بهذه الارتجالات يحرك عواطف المستمعين ويثير لديهم مشاعر الحنين و الشجن ، فأستحق لقب شاعر البيانو .

بعيدا ً عن التصنيف المسبق لمثل هذا النوع من الافلام المرتبطة باإبادة اليهود على أيدي النازيين ، فيلم "عازف البيانو" عمل فني متكامل وناضج من حيث الشكل والمضمون.




عزف "فلاديسلاف شبيلمان" لمقطوعة النكيتورينو ، شوبان: