الاثنين، 29 يونيو، 2009

مايكل جاكسون والكومبراشيكوس

الايام الفائتة كنت اطالع فى الاخبار نبأ وفاة مايكل جاكسون فجأة بنوبة قلبية وما اثاره من موجة حزن اجتاحت محبيه ومعجبيه حول العالم ، وبالمقابل كان هناك الكثير من الشجب لهذه الشخصية التى نُظر اليها دائما على انها شخص شديد الغرابة او مسخ حى ..بقدر ما يحزننا خبر وفاة اى شخص من حولنا فللموت حرمة ، ورهبة ، وغموض غريب ..حركت وفاته سيل الذكريات والتأملات طوال الايام الفائتة ، فمازالت اتذكرسماعى لأغانيه اول مرة فى منتصف ثمانينات القرن العشرين فى لندن وقتها كان نوع الموسيقى التى استمع لها فى سنى الصغيرة فى الغالب موسيقى كلاسيكية، الا اننى كغيرى من مراهقى تلك الفترة وجدت نفسى منجذبة للبحث عن تسجيلاته ومشاهدة عروضه الموسيقية المبهرة ، تابعت كغيرى مسيرته الفنية والشخصية عبر الصحف التى بدأت مع حلول تسعينيات القرن العشرين تركز اكثر على حياته الشخصية وسلوكياته الخاصة بالمقابل لم تحقق البواماته النجاح الذى عرفه فى وقت ابكر من حياته الفنية ....كل هذا معروف للجميع ولكن ما اثارنى الايام الفائتة هو مرورنا على الوفاة بشكل عابر، ودون التفكير فى الامر بشكل اعمق وكأنه كان مهرج البلاط توفى وهو يجرب القيام بقفزة جديد تسلينا وتبعد الملل عن حياتنا ، هكذا بدا الامر بالنسبة لى كان يلح على عقلى تذكر ترجمة للدكتور محمد قصيبات لنص" الرجل الضاحك والكمبراشيكوس لفيكتور هيجو "...الكمبراشيكوس جماعة غريبة من الرحل اشتهرت في القرن السابع عشر ، وشرعت تسقط في النسيان في الثامن عشر، ويجهلها الكثيرون في قرننا هذا (التاسع عشر). لقد تاجرت الجماعة في الأطفال وماذا كانوا يفعلون بالأطفال قبل بيعهم؟ كانوا يصنعون منهم مخلوقات مخيفة ، للضحك واللهو… فالناس في ذلك القرن كانوا في حاجة للضحك ، وكذلك الملوك ، أن يتحول الطفل إلى لعبة من أجل اللهو والضحك ، ذلك أمر حدث كثيرًا في تاريخ البشرية.. وكان الكمبراشيكوس يشترون الأطفال ويشتغلون على تغييرهم وتشويههم قبل بيعهم، وكان الباعة من كافة الناس …من الأب الفقير الذي لا يستطيع إطعام عائلته إلى السيد الذي يملك العبيد. بيع الناس في ذلك الوقت كان أمرًا سهلاً ، وهو حق مازال يطالب به البعض في زمننا هذا! لم يشتغل الكمبراشيكوس على تغيير وجوه الأطفال وحسب، بل كانت لديهم القدرة أيضًا على نزع ذاكرتهم … أو على الأقل ما استطاعوا نزعه منها. لم يدرك الأطفال ما حدث لهم صناعة المشوهين منتشرة حولنا في هذا العصر… لكن “كومبراشيكوس” هذا الزمن هم أكثر دهاء ومكرًا؛ إنهم لا يقومون بتجارتهم في سرية بل على مرأى من الجميع… لكن نتائج ما يقومون به هي التي لا تظهر على نحو مباشر.. في الزمن القديم كانت الجراح تترك آثارها على وجه الطفل وليست على عقله… أما الآن فآثارها باقية على دماغ الطفل.. في كلتا الحالتين لا يعرف الطفل التشويهات التي حدثت له...كومبراشيكوس هذا العصر لا يستعملون أدوية تخدير، بل هم يأخذون الطفل قبل أن يدرك الحقيقة ولا يدعونه يطور إدراكه للأشياء. فحيث تضع الطبيعة الدماغ السوي يصنعون هم الأطفال المتخلفين عقليًا. إنهم يجعلونك غير قادر على معرفة حقيقة عقلك وذلك ما دمت حيًا ، بالطبع ثمة قوانين وضعت لحماية الطفل وكذلك أعياد للإحتفال به ومنحه الهدايا والحلوى ، لكن كومبراشيكوس العصر الحديث هم أكثر دهاءً؛ إنهم يحولون الطفل إلى آلة تستهلك ما يريدون… فتلك تجارة أكثر ربحًا من شق شفاههم أو وضعهم في زير.. يبقى الطفل في المتوسط حوالي ثلاث ساعات في اليوم أمام “التلفزيون… ومشتقاته ..لا ادرى هل ارثى لمايكل الذى استراح اخيرا من عالمنا القاسى ام ارثى لمن مازال حى ومضطر لمواصلة العيش وسط عصر متقلب وصعب ، فى السابق كانت دائما هناك صناعة تسلية منذ اقدم العصور ولكنها فى وقتنا الحالى صارالتأثير اقوى واعمق فى عقولنا ،وليس من السهل الافلات منه .

الجمعة، 26 يونيو، 2009

طيفا ًرومانسيا ًغرناطيا ً


الى من اسميته يوما ًعلى الطريقة اللوركية طيفاً رومانسياً غرناطياً ، من جعلنى الامس شىء ما يحيط بعالمى ، ويملى على خطواتى ، يجعلنى أدرك أن احدهم يسكن تفكيرى ... كنت ظاهريا وحيدة بدون رفيق بشرى ، لكنك معى فى ظلام الصالات امام الشاشات الفضية تتنفس معى عبق الموسيقى البهية ..صديقتى لينا كانت ترى اننى مجنونة قليلا لأقطع تذكرتين واحدة لى وواحدة لك ، ثم توقفت عن الاحتجاج عن ثمن تذكرة مقطوعة للوهم هكذا كانت تقنعنى بعدم جدوى تصرفى .. عندما كنا نقطع النزهة الصباحية على شاطىء البحر وانا لا اتوقف عن الحديث عنك - فأمام الازرق حضورك يكون قوى فى ذاكرتى - صارت تحفظ كل كلمة عنك...صداقتنا التى أعادت الافراح من جديد وبعثت الاحلام مرة أخرى حدث لا يقدر بثمن فى حياتى، كان فى كل حلم كلمة ورائحة تشدنى أكثر واكثر نحو عالم بعيدا لا يقطنه سوانا ،بعيدا ً عن همومنا ومشاغلنا وأحزاننا ، معك أيها الرائع ابتعدت عن الاوراق وكتبى والوجوه التى اتعبتنى وصرت ارحل معك الى زمن بنفسجى نقتفى انا وانت أثره وشذاه ، فى هذه اللحظات ارت أن ابقى طويلا ً، فاللحظات معك تستحق أن نعيشها بعمق ، وفى هذه اللحظة بالذات أردت بشدة أن أكون معك فهربت من كل الدنيا إلى المتاح من همسنا وصمتنا وحلمنا حيث يحوينا مكان بعيد لا عيون ترانا ولا آذانا تسترق السمع الينا ،كنت اقول وانا انصت لصوت موجات صغيرة تداعب الشاطىء الذهبى برفق شديد :"..تعال أنى استحضرك بكل الشوق الى وجودك هنا معى حيث يمكننى أن اقبض على الامكنة فى وعى وان احنو على الذكريات فى رفق ، وأن أطوى الافق حتى قدميك ، تعال فأن مايفصلنا سوى غمضة عين ولحظة وعى ، أنى أمد يدى لك بشوق لكل أحلامنا التى سنعيشها معا ً عندما تضيع فى زحمة الاحداث والمشاغل كل الاحاسيس بالحب والجمال واشعر اننى تعبت من السير فى المجهول يحق لى فى هذا الوقت أن ابحث عن زمن اخر اراه فى عينيك...كان الحديث معك له سحر خاص ومذاق خاص فهو جميل جمال الله فى خلقه وانا لقد احببت جمال روحك الداخلي .... هذه جزء من رسالة لم استطع ارسالها لك يوم كنت خارج ليبيا ، وحتى عندما اقتربت من مكان اقامتك لم امتلك الشجاعة لكى افعل ..نزهتى المسائية على شاطىء الشابى فى بنغازى و كنت اجلس على سور الكورنيش اراقب اضواء السفن المبتعدة متأملة صفحة الماء ، و الهلال يزين السماءكحلية فضية فى صيف حار تتحرك فيه الرغبات ويوقظ فينا الامنيات ، الم يقال عن ليل بنغازى وافريقيا انه يدفع بالانسان للحلم وهو مفتوح العينين ،جعلنى احلم بك وبكلمات كسرب فراش ملون، كنت اتخيل أننى اعيد ارسالها عبر قنينة ملقاة فى البحر ..متمنية ان تلتقطها ، فى لحظة وثوقى من صدق رؤياى انحنيت على السور باتجاه البحر حتى اراقب شىء احتل خيالى فقط ..لافيق على صوت والدتى وأشقائى ..

الاثنين، 15 يونيو، 2009

شغف الرسائل ...




خيط من الضياء
يصل مابين الأفكار
شمس تكسر من حدة السحب
وتضرب إلى آفاق السماوات

جوستافو آدولفو بيكر


استمتعت الايام الماضية معك "نييديتوا " بتحقيق امنية قديمة لديك وفى الوقت نفسه استعادةتقليد عريق فى حياتى ،القيام بكتابة رسالة و تلقى رد جديد عليها ، والشعور من جديد بلهفة الانتظاروالنشوة عند ظهور تلك العلامة المميزة على سطح المكتب التى تنبه لوجود رسالة جديدة ، رغم ان الامرهنا فقد بعض من رومانسيته وغموضه وسحره ، فالرسائل الالكترونية رغم ميزاتها العديدة الا ان انتظار رسالة ورقية شعور جميل جدااا .

  يرجع الولع بتلقى الرسائل ربما الى فترات مبكرة فى سنوات طفولتى عندما كانت والدتى تترك لنا هامش لنكتب عليه تعليق ما نرسله لجدتى او واحدة من الخالات او العمات ، ثم اصبحت لنا رسائلنا المستقلة ، وكانت أعداد هائلة من الرسائل يتم تحريرها ، لا فيما يخص الاحداث الهامة واخبار الوفيات والزيجات والولادات ، بل تتعدها الى اختيار اسم مولود ، وطلب وصفة طبية ، او مقاديرلطبق ما ، وانحسر الشغف عند اشقائى ليقتصر على وحدى ، فصرت اكتب عنى وعن اشقائى رسائل تفصيلية بكل اخبارنا واحداثنا الكبيرة الى التفاصيل الصغيرة ، لتنحصر فى مرحلة لاحقة من حياتى وتقتصر على اصحاب واصدقاء طفولة عشنا متعة السفر والاغتراب والاكتشاف ثم توزعنا على قارات العالم ، فصار للبريد ورجل البريد مكانة مميزة فى حياتى ، ومشوار المرور على صندوق البريد من الاولويات فى برنامجى الاسبوعى فنمت علاقة بينى وبين من يعمل فى مكاتب البريد اينما حللت .

عندما دخلت الجامعة منحنى والدى رحمه الله صندوق بريد يملكه ذو رقم مميز 111 ، يوم سلمنى مفتاحه كنت فخورة ومبهورة فكأنه منحنى مفتاح صندوق كنوز الجآن ، كنت اعيش طقس كتابة الرسائل على الورق فى السابق كرغبة مكبوتة فى خروج مابداخلى الى مدى مفتوح ، شارحة ً ومفسرة وملاحقة هواجس واسئلة وخواطر .

 كانت الورقة البيضاء فخ اقع فيه بسهولة ، وكثيرا ماسهرت ليالى طويلة لاكتب رسائل لاصحاب واصدقاء من كل مكان ومن جنسيات واديان مختلفة ، اقضى ايام وانا ابحث عن ورق جيد للكتابة نوعيات ذات نقوش لازهار صغيرة او تحمل ترويسة معينة من زمان فيكتورى ، ثم صرت عندما استقر بنا الحال هنا ، اعيد تشكيل الورق الابيض حسب مزاجى فكنت اشترى ملصقات لازهار وقلوب وفراشات ملونة ، فالرسالة بالنسبة لى وطن وحلم وعالم آخر يفصلنى عن عالمى الأرضى .

 كان تلاقى رسالة اشبه بحدث كبير ، لكل رسالة مذاق وطعم مختلف ، سعادتى بها كبيرة ، ولعل وصف الروائية الامريكية اديث وارتون لهذه اللحظة دقيق :" ... نظرة خاطفة تحصى عدد الصفحات وأخرى تتبين كيف تنتهى ، القراءة الاولى اللاهثة ، التريث عند كل عبارة ، وختاما ً اختيار العبارة التى ستسكن الفكر طوال اليوم وتضفى رونقا ً على واقع الحياة الرتيب .." .

امتد الشغف بالرسائل الى قراءة اشهر الرسائل فى التاريخ لشخصيات عامة ، جوزفين ونابوليون ، مى وجبران ، برتراندل رسل وغيرهم الكثير الكثير ممكن كانوا يسكبون خلاصة ارواحهم فى تلك الصفحات.

 ان اندثار فن كتابة الرسائل سيكون مدعاة للأسى العميق ، فلا شىء يعادل الحبور الذى تبعثه فى النفس رؤية خط مألوف على ظرف مكتنز ...كتابة رسالة تستغرق وقتا ً اطول وجهدا ً أكبر من اجراء مكاملة هاتفية ، ولكن اعتقد ان المتعة التى تمنحها الكتابة تزداد باستمرار .. وتماشيا ً مع اسلوب الحياة الحديثة اصبحت رسائل الهاتف المحمول تحل تدريجيا محل كتابة الرسائل التقليدية ، واصبحت اللهف تقل فمجرد ضغطة على زر الهاتف او جهاز الكومبيوتر فإمكان ايصال رسالتك ، وتكررها اكثر من مرة ويمكن نسخها وارسالها لاشخاص عدة بدون اى تعديل يتناسب وشخصية كل واحد منهم ..تكاد تختفى اللهفة والترقب من حياتنا .

  استرجع كلام كاتب تشيكى اسمه كارل كابك قال :" ...أما الولع بتلقى الرسائل فيرجع فى ظنى إلى أصول أعمق من هذا وأكثر منه خفاء وغرابة أنك فى خبيئة نفسك تنتظر بريد الصباح ليجيئك بشىء لا تتوقعه ولا تفكر فيه ، ولا تعرف قط ماهو ، ولا يبعد أن يكون رسالة من الجنة ، او نبأ تعينك جنرال عام فى احد البلدان ، أو شيئا ً يأتيك بالبريد من مكان ما ليبدل مصيرك ، ويجزيك على فضائلك ...أن شيئا سيأتى إلى من مكان ما ، إن هذا الآمال الغامضة غير المحدودة التى ترجو ان تتفتح عنها حقيبة ساعى البريد فى كل يوم ، رغم جميع مامضى من تجارب على أن هذا الأمل قلما يتحقق ، قديما ً سيطرة على مخيلة الناس فكرة ان الجن قد يهدونهم كنوز دفينة فى لحظة صفاء بين عالمنا وعالمهم ، ولكن فى ظل زحف متوحش لم يعد يبقى لانسان اى من الممكنات الغير متوقعة " وهذا كان فى العام 1932م ، لو انه عاش حتى هذا الزمن ماذا كان سيكتب ؟ .

الخميس، 11 يونيو، 2009

راستاجو..رائحة الذكريات وعبق القلب



راس التاج حيث تسكن اسرة والدى ، هى احدى ضواحى القبة البلدة الجبلية الصغيرة المتكئة على ربوة دائمة الخضرة ،فى راس التاج حيث يقع بيت جدى القديم والجديد ، فالبيت القديم الذى سكنه جدى وجدتى منذ الستينات بعد حصول بلادى على الاستقلال عام 1951م ، كانت تعود ملكيته الى مزارع ايطالى استغل الارض المحيطة بالبيت المبنى على طراز البيوت الريفية الايطالية ، حجارته مقطوعة بشكل جيد ،كثيرا ما ادهشتنى سمك الجدران الداخلية للبيت ، تنتصب شجرة لوز عتيقة فى باحته الامامية ، غرسها الايطالى صاحب البيت القديم، احيانا اجد نفسى افكر فى ذلك الايطالى الغامض صاحب ذلك البيت الذى سكنه جدى واسرته ، ثم عمى الاصغر واسرته من بعد ، احاول ان ارسم ملامح شخصيته ، بما كان يعتمل بصدره من امال عريضة، عندما غادر وطنه الى مكان غريب من اجل بداية جديدة ، افكر احيانا فى خيبة امله وتحطم احلامه فى الحصول على حياة افضل ، واتسائل هل فكر فى اولئك الليبيين البائسين الذين سكن ارضهم ، اعترف اننى كنت احيانا اجلس على عتبة البيت الامامية محاولة استراق النظر من وراء كتفاى الى الفناء الخلفى او احدى الغرف المظلمة ، لعلى المح طيف شبح أولئك الطليان الذين سكنوا المكان ، فى مرات كثيرة كنت اغمض عيناى واسترق السمع لهسهسة اشجار الارز المحلى والصفصاف المزروعة حول البيت ، واتخيل انها تروى اسرار المكان .

اول مرة زرت فيها ذلك البيت كنت فى التاسعة من عمرى ، اخذنى والدى من يدى واصطحبنى فى جولة على الاقدام فى البيت وما حوله ، بدى لى المكان فى تلك السن الصغيرة ساحر يلفه غموض جذاب ، احببت تلك الجولة التى لم تتكرر مرة ثانية مع والدى ، لاسباب عدة ، المهم اننى وجدت غابة من اشجار الصنوبر والدردار الضخم واشجار التفاح البرى الشهى ،وحزمات من النباتات العطرية البرية ، اغرمت بالمكان لدرجة الجنون، وظل ذلك فى ذاكرتى الطفولية ليكبر وينمو كالغابة السحرية مع نموى ونضجى عبر السنين .

اخبرنى والدى بان راس التاج هى موطن اسرته منذ ازمنة قديمة ، وبان قبيلته عاشت تتجول فى حدود هذه الارض ، حتى حدوث الاحتلال الايطالى لبلادى ، وما تعرض له الليبيين من تنكيل وتشريد على ايدى القادة الطليان دون تفرقة ، حتى بلغت قمة الشراسة مع مجىء غراتسيانى الى برقة ،لوالدى ومعظم الليبيين خاصة سكان المنطقة الشرقية طريقة لفظ لذيذة لاسم برقة ، تحس معها بان معظم من يستخدم هذا الاسم للدلالة على المنطقة ، وكانه يذكر نفسه باشياء عريقة تحمل للنفس الكبرياءوالفخر.

لم تكن مساحة ذلك البيت العتيق كبيرة ، الا انها كانت مناسبة لاسرة غربية اكثر من اسرة عربية تتمد كما تتمدد الاجسام بالحرارة ،فقد انتقلت اسرة والدى الى بيت جديد اوسع قليلا من الاول واحدث وتتوفر به وسائل الحياة العصرية ، منح لهم من قبل الحكومة فى السبعينات ،تحيط به ارض زراعية ، وقد لعب ذلك البيت دورا غاية فى الاهمية فى حياتى حتى ناهزت الثامنة عشر من عمرى ، فقد كان زياراتنا الصيفية والشتوية فرصة لتتعود عيناى مراى الافاق الفسيحة ومنظر الغروب الذى لا يعوقه شىء ، وقد فقدت سعادة العيش منذ ان حرمت التطلع الى هذين المنظرين ، لان الابنية الحديثة المشوهة المعالم بدات تزحف بشكل متوحش على الاراضى الرحبة لتعوق الرؤية ، فى كل زيارة خلال السنوات الاخيرة اجد صراع صامت بين الارض والابنية ، بقدر التوسع بالاراضى المغروسة اشجار مثمرة ، تنتصب ابنية لا تحمل اى طابع معمارى يتعلق بالمنطقة وتاريخها .

 عاش بيت جدى القديم فى مخيلتى طويلا بعد تلك الزيارة الفريدة مع والدى ، انسج عنه وعن غابته اوهاما ..اذ كانت معظم الاحاديث التى سمعتها تدور حول قصص وخرافات تتعلق بالمنطقة ...راس التاج التى حملت هذه التسمية لاطلالتها على البحربادية للناظر وكانها راس يحمل تاج، طبعا سكان المنطقة ينطقونها راس تاجو، بشكل سلس،فى صغرى كنت مقتنعة بان اسمها الاصلى هو راس التاج وبان اؤلئك السكان يحبون فقط تدليل موطنهم.

كان من عادتى ان اتجول فى تلك الاراضى المحيطة بالبيت الجديد وحيدة ، اجمع بعض النباتات العطرية البرية التى تشدنى رائحتها ، او اجلس على حائط قديم اتامل البقايا الاثرية فى المنطقة ، محاولة تخمين العصر الذى خلفها ، او اراقب الفراشات ،حالمة باصطياد احداهن للاغراء القوى فى اجنحتها الملونة ، ولاعتقادى بحرية تلك المخلوقات الرقيقة ، لا اعرف اين قرات ان وضعى فى ليلة يكتمل فيها القمر جناحى فراش تحت مخدتى قادرتين على منحى اجنحة اسطورية للتحليق، ظل هذا الحلم يراودنى حتى بلغت سن المراهقة ،فاصبح حلمى ان اراها ترفرف حولى دائما، اعتقد بان فترات الاطلاع الحر للعالم الخارجى من جانبى دون اى تدخلات من الكبار ، لها اهمية حيث تتيح الفرصة لتكوين انطباعات وان بدت عابرة ولكنها جوهرية فعلا.

كانت معظم الاحاديث التى سمعتها فى بيت جدى الجديد تدور حول اشياء حدثت فى الماضى ،منها ما كان يتردد حول جدى واسرته التى فقد معظم افرادها فى الفترة الاستعمارية خلف اسلاك احد المعتقلات الجماعية ، تلك الاماكن المخيفة التى لم يستطع اللليبين حتى الان نسيان اثارها ، على الاقل بالنسبة لجيل الجدود ، الذى غيب الموت معظمه ، بعد بقاءهم قابعين فى ظلال ذكريات الالم لتلك السنوات الصعبة.
 
كان جدى كما اذكره شيخا جاوز الستين من عمره ، يتنقل بمساعدة عكاز فى ارجاء البيت او المزرعة ، يجلس فى الشرفة الامامية للبيت معظم الوقت ،حيث يقضى وقته مسترجعا ذكرياته مع زواره من مجايليه اوالا صغر منه، كثيرا ما احببت ملامسة بشرة يديه الناعمتين عند مصافحته، كنا ندخل بهدوء ونظام انا واشقائى مع والدتى الى الشرفة الامامية للسلام عليه فور وصولنا الى راس التاج ،كانت لحظات محببة ،على الرغم من ان الحديث كان يدور بكيفية معينة لكى لا نتعب جدنا العزيز ، حسب كلام والدى الفخور باطفاله، كانت علاقة جدى بوالدتى تتميز بالاحترام المتبادل بينه وبين كنته الحضرية ، والدتى بالنسبة لها رات فيه صورة اب فقدته فى سن مبكرة ، عندما اتذكر ان صغر سنى وكبر ومرض جدى المرهق بذكرياته ، حال دون ان استمتع برفقته وان اتذوق حكاياته عن الماضى ،احس بشىء محزن ،لحرمانى من تلك المتعة الانسانية .

عندما توفى جدى كنت فى سن العشرين ،وبعيدة معظم الوقت بحكم ظروف حياة وعمل والدى ،وفاته وانا على وشك التخرج من الجامعة ، من قسم يدرس التاريخ ، جعلنى اتسائل عن ماضى جدى ، اذ اننى اذكرجيدا عدم معرفتى يوما لذلك الماضى ، الامن خلال بعض نتف الحكايات والذكريات من احاديث والدى المسروقة من رحلاته المستمرة وانشغالاته باعماله، او من افراد العائلة ، هذه الشذرات لم تروى ظماى لمعرفة حياة جدى قبل ان اولد بعقود ، فوجدت نفسى فى السنوات الاخيرة اسعى وراء افراد عائلتى طارحة اسئلة منظمة حتى ظفرت اخيرا ببعض الاجابات ،استطعت معها ان ارسم ملامح ذلك الحياة ، فقد عرفت ان جدى ولد فى العام 1909م بمنطقة "عين مارة "، اثناء تنقل قبيلته فى تلك النواحى ، طبعا "عين مارة" تدخل ضمن مناطق انتشار قبيلة والدى، كانت ولادة جدى لاب ميسور الحال منحه فرصة للحياة بشكل جيد، حسب رواية احدى سيدات العائلة الطاعنات فى السن اللائى عاصرن ذلك الاب ،خاصة وان والده لم يبقى من نسله على قيد الحياة سوى جدى وابنة اخرى ، لظروف البيئة القاسية فى ذلك الوقت.

 عندما وصل الايطاليين للجبل وبدات حركة المقاومة الشرسة من القبائل البدوية ، هرع جدى كغيره من شباب المنطقة للانظمام الى دور قبيلته ، وحمل السلاح الى جانب عمر المختار،حيث شهد معه معارك كثيرة ،كما رافقه الى مفاوضات سيدى ارحومة 1929م، مع قوة كبيرة من المجاهدين ، لا انسى اننى فى طفولتى شاهدت بندقية من طراز قديم ظلت معلقة فى غرفة نوم جدى ، وقتها ظننت ان جدى يحب الصيد كوالدى وان كان يفضل استخدم واحدة قديمة ،لم اعرف بانها بندقية جدى الذى خباءه فى احدى الكهوف الواقعة بالمنطقة عندماوقع بالاسر وفر بالبندقية الثمينة احد اقاربه ، فسلاح فى تلك الحقبة ضنين والبدوى لا يفرط فيه بسهولة ، فقد اسرى فى احد المعارك ، ليتم نقله الى سجن "سيدى خريبيش" ببنغازى ، ذلك السجن الذى شهد اعتقال وتعذيب الاف المجاهدين ، والذى هدم على يد الحكومة فى فترة الحكم الملكى لبلادى ، لينمحى اثر حمل ذكريات سيئة لمعظم الليبيين الذين قضوا بين جدرانه، ولتكبربعدها اجيال جديدة تتضائل فى نظرها معاناة الجدود ، لغياب المزارات السيئة الذكر.

 قضى جدى مع رفاقه فى السلاح اربعة اشهر فى السجن بانتظار حكم الاعدام المزمع تنفيذ فيهم ، "ذكر لى عمى الكبير ان والده فى الليلة قبيل تنفيذ حكم الاعدام به وبرفاقه،سمع صوت فى منامه يبشره بانه الوحيد الذى سينجو من الموت ، وفى اليوم التالى نقل السجانون الطليان رفقاء الزنزانة الى مدينة المرج حيث كانت تنفذ بها احكام الاعدام فى ساحة عامة بوسط المدينة القديمة ، باستثناء جدى الذى اطلق سراحه فيما بعد ، حيث ظل لفترة طويلة لا يفهم سبب ذلك العفو عنه ، وان كانت امه، تعزو ذلك لقوة فعل الخير التى كان زوجها يصنعها مع الاخرين " طبعا ذلك ايمان عميق بالله لدى جدودنا نفتقده نحن الجيل الجديد .فى سنوات الثلاثينات تم اعتقاله مع افراد اسرته المكونة من ثمانية افراد بمعتقل البريقة لمدة ثلاث سنوات ، حيث اطلق سراحهم بعد انطفاء شعلة المقاومة بالجبل ، بعد اعدام الشيخ الاسد ،خرج جدى من المعتقل برفقة والدته وشقيقته وابنته المراهقة ، بعد ان فقد معظم افراد اسرته ، من بينهم والده وزوجته ،لينقلوا الى منطقة البطنان رغما عنهم ، وابعادهم عن موطنهم الاصلى "عين مارة" ليتم حصارهم فى منطقة ام الركبة"تتذكر عمتى عن قسوة تلك الفترة ،فالطعام كان ضنين ،رغم ذلك لم يياس جدى من امكانية العودة الى موطنه ، فظل يتحين فرصة العودة حتى سمح له بعد تحسن الاوضاع بالجبل الاخضر واحساس الايطاليين با نتصارهم اخيرا على المقاومة الشرسة لليبيين الحفاة البدائيين ، حسب وجهة نظرهم المتعالية ،اشعرهم هذا الامر برغبتهم فى افساح حيز من الحركة للسكان المهدئين .

 ويتذكر عمى معاناة جدى ورفاقه من اولاد العمومة فى التنقل مشيا على الاقدام ، مجتازين مساحة طويلة من البطنان حتى" عين مارة" التى فرض عليه مغادرتها لاقامة فى" القبة" التى حرم من العمل بها فى البداية ، ثم اجبر على العمل سخرة مع احد البنائين الايطاليين لغرض بناء نصب تذكارى بمدخل القبة الشرقى ، هو قوس يحمل اسم الايطالى "بيجو" هذا الى جانب تحديد اقامته بالمنطقة لعدة اشهرفيما بعد ،حيث فرض عليه قطع المسافة بين" القبة" و"عين مارة" والبالغة حوالى 15كم، من اجل اثبات تواجده بالمنطقة فى سجل حضور يومى بمركز شرطة المنطقة .

 عند الانتهاء من بناء ذلك النصب اجبر جدى مع غيره من بعض سكان المنطقة على الذهاب الى الكفرة لنقل بعض العتاد ، الذى يحمل على ظهور الابل ، بينما يضطر رفقاء القافلة من الليبين من السير مشيا على الاقدام على رمال الصحراء اللاذعة ، محرقة الشمس بشرتهم، دون ماء او مؤنة أو اجرة عمل طبعا ، لم ينقذهم من الموت سوى اقتتاءهم على تمور الواحات ، او بعض الابار التى تصادفهم فى الطريق .عندما استرجع تلك الحياة المليئة بالالم والموت اتسائل كيف استطاع ذلك الجيل ان يصمد للبقاء حيا ، متمسكين بواجباته تجاه وطنهم على الرغم من ضنك حياتهم وبساطة تعليمهم وثقافتهم ، ربما لان بهرجة الحياة الحديثة لم تفسد فطرتهم .

كثيرا ما قارنت بين تلك المعتقلات البشعة ، وبين معتقلات الفلسطينيين و تسائلت ، هل سيكتب لهم النجاة بعد كل شىء ؟ ولما حتى الان لم نستغل قصص تلك المعتقلات كما يفعل اليهود بذكرى محارق الهولكوست؟ لما لا تعرف الاجيال الجديد ما كان يدور خلف اسلاك تلك الاماكن الرهيبة ؟لما لا تكون ضمن الزيارات المدرجة فى البرنامج الترفيهى والتثقيفى لطلبة مدارسنا ؟ واين الافلام الوثائقية عنها؟ لما لا نجعل العالم الغربى المتغطرس يرى ذكرى جرائمهم على اراضينا ؟

الجمعة، 5 يونيو، 2009

ذاكرة المكان (1) ...جليانا حكايات تختزل الزمن



قف ب(جليانة) إبَان الأصيل

وانظر الشمس قبيل المغرب

انظر البحر ، له لون السما

حين رقَ الجو صفوا ً راق

أحمد رفيق المهدوى


ظلت أمنية سفرى بالبحر تلح على وتطاردنى فى احلامى ، و اغبط اى شخص جرب هذه المتعة ، فكثيرا ما حلمُت بوقوفى على سطح السفينة ملوحة للمودعين الواقفين على رصيف الميناء ، مراقبة لابتعاده عن اليابسة حتى تتحول الوجوه الى نقط صغيرة سرعان ما تتلاشى وتذوب وسط زرقة البحر والسماء ، منصتة لهدير المحركات ، وزعقات النوارس البيضاء المودعة تختلط مع صوت تكسر الامواج على جؤجؤ السفينة ،كنت دائما اعتبر السفر بهذه الطريقة يحمل الكثير من الرومانسية ، ويمنح الانسان الوقت لتأمل .

كانت الامنية الكبرى ان اغادر ميناء بنغازى البحرى على ظهر سفينة مهيبة ، ربما من عصر الفحم او ذات اشرعة وقلوع ، لا سفينة حديثة ،استحوذ هذا الحلم على مخيلتى لسنوات طويلة وتوفى بابا رحمه الله دون ان تتحقق الأمنية ، ولم اجد اى من اشقائى لديه الحماس ،لذلك كنت احب كثيرا العبور من أمام الميناء البحرى لبنغازى منصتة ، محصية عدد الصافرات التى تطلقها السفن القادمة او تلك المغادرة .

كنت أحب ان اسلك طريقا ً مزدحما ً نوعا ما وهو الطريق الرئيسى لشارع خالد بن الوليد باتجاه الصابرى مرورا من امام دكاكين حميد ، ثم انعطف امام مصرف الوحدة متجهة الى كورنيش بنغازى حيث استمتع بنسمات البحر ، ومن بعدها الى الميناء لاسلك الطريق المؤدى للجسر لذى يربط بين ضاحية جليانا وباقى المدينة ، ومن ثمة اكمل طريقى باتجاه المدينة الجامعية.

اليوم وفى طريقى للقيام بنفس الرحلة تذكرتك وتذكرت وعدى لك باصطحابك فى رحلة لأريكِ وجه آخر ليوسبريدس ، وجه نكاد كلنا ننساه او تناسيناه فى خضام الحياة اليومية هنا ، وجدت نفسى أروى لك حكاية جليانا التى فتنتنى منذ كنت فى سن صغيرة ولفت انتباهى الاسم ذو الرنين الغربى ، رغم تفسيرات مؤرخ بنغازى العتيد محمد مصطفى بازامة الذى فسر الاسم بأنه يعنى جلاؤنا ،الا ان هذا التفسير لم يقنعنى تاريخيا ً ووجدت نفسى اتردد على قسم المطبوعات الليبية بالمكتبة المركزية بالجامعة فى فترة لاحقة لمزيد من المطالعات والبحث عن المنطقة فى كتب الرحالة والمؤرخين القدامى .

وجدت البعض يشير لحكاية ابنة نائب القنصل الانجليزى التى غرقت فى بحر جليانا عندما اغرتها المياه الشديدة الزرقة بالسباحة او ربما اللهو على الشاطىء النظيف وقتها ، وقام والدها بدفنها فى نفس المكان فى قبر وضع عليه لوحة من الرخام نقش عليه اسمها ، اختفت مع مرور الوقت ربما تمت إزاحتها بواسطة احد البناغزة او نتيجة لفوضى الغزو خاصة خلال الايام الاولى ، وليتحول قبرها الى نواة لمقبرة مسيحية ظلت موجودة بالمكان حتى منتصف الخمسينات عندما تعرضت المدينة كلها وليست المنطقة فقط الى حركة تغييرات جوهرية فى تخطيطها ومعمارها هذا ماحدثنى به احد معمرى المنطقة الذى أكد على وجود القبر حتى تمت ازالته مع المقبرة ، بينما ظل الاسم يطلق على تلك المنطقة بكاملها مخلدا ً ذكرى الشابة جليانا كظاهرة فريدة لم يستحقها أحد من قبل .


 لقد حاولت البحث عن اى صورة او رسم لها وسط المجلات الايطالية القديمة ولكن لم اعثر على اى شىء ، فاكتفيت باختيار صورة من تلك الفترة متخيلة فيها انها تماثل صورة جليانا الحقيقية.



وكان الرحالة الغربيين قد أشاروا فى مدونات رحلاتهم الى رأس جليانا المليئة بأشجار النخيل باعتبارها الطرف الثانى لميناء بنغازى أو المكان الصالح لرسو السفن والقوارب ، وفى حالة الوصول الى الميناء من هذه الناحية يجب الابتعاد عن الشاطىء لمسافة تتراوح بين 2 ميل إلى 3 ميل من أجل تجنب مخاطر الاصطدام بالصخور المحجوبة تحت المياه التى تقع فى جنوب غرب الميناء ،حيث كانت ترسو سفن مختلفة قادمة من موانىء ومدن بعيدة ، من مصراته والاسكندرية ومالطا وخانيه وأزمير ونافارين ، وليفورنو ونابولى ومرسيليا .

 فى جليانا أنشاءت السلطات التركية عيادة طبية للأمراض المعدية عندما انتشر وباء الكوليرا(او الكبة )سنة 1829م بواسطة الأشخاص القادمين من مصر وعليه فقد تم إجبار المسافرين وربابنة السفن والبحارة على الخضوع للحجر الصحى "الكوارنتينا" بجليانا قبيل السماح لهم بالدخول إلى بنغازى.

والمدهش مع ارتفاع اسعار الاضاحى هذا العام ، كنت قد قرأت وثائق تتعلق بالصادرات والوارادات للميناء التى تشير لوجود فائض من الماشية حيث كثيرا ً ما يترك أعداد منها لدى وكلاء شركات النقل البحرى (1895م) على رصيف جلياناو يقبل سكان المدينة على تناول لحوم الخروف والماعز الوطنى بكثرة بسبب عدم توفر لحوم الأبقار غالبا ً فى السوق.

أليست هذه المعلومة موجعة بحق لليبيين المغرمين بتناول اللحوم الحمراء فى ظل ارتفاع مجنون لسعر كيلو اللحم الذى قفز الى ال13 وال15 دينار، كما ان صوف البناغزة يحتل مكانة مرموقة فى الأسواق الاوربية ، إذ يستخدم فى صناعة جميع أنواع الفرش ، ويتم تصديرها الى مرسيليا وتونس ، والسمن والجلود التى تصدر الى فرنسا وريش النعام والعاج والبيض والدجاج الذى وصل الى خمس دنانير للدجاجة الواحدة(حسب سعر اليوم) لتصبح هى المتصدرة لموائد الليبيين.


كانت ليلة 18 اكتوبرفى العام 1911 من ليالى الخريف الطويلة حالكة السواد فى نفوس سكان المدينة ، فالعيون ساهرة ، والقلوب وجلة والناس مابين متحفزين لاقبال النهار وبين تمنى استمرار الليل دفعا لشبح الموت والدمار والفناء، فهى الليلة التى وجهت فيها إيطاليا انذارها لسكان المدينة ، وعندما أشرقت شمس اليوم الثامن عشر وسط الغيوم مكتسية لون أرجوانية آخاذا ، تطلع وجه سكان المدينة تجاه البحر حيث المجهول سيطل برأسه ، ظهر خيط رفيع من دخان هناك عند خط الأفق البعيد حيث تلتقى زرقة البحر بزرقة السماء أخذ يتفع ويعلو مع ارتفاع الشمس فى الجانب المقابل ، وأدرك الجميع أن سفن العدو جاءت غازية ، وهالهم عددها فلم يسبق لأحد منهم أن شاهد أسطولا ً ضخما ًكهذا فى بحر المدينة ، ومابين توجيه انذار من القوات الغازية ومهلة الاربعة وعشرين ساعة ، كثر الجدل عن الاستسلام او اللا استسلام للعدو ، الا أن النقاش أسفر عن رفض الاستسلام والدفاع عن المدينة مهما اختل توازن القوى بين الطرفين ، من غادر بيته ليلحق بالمدافعين عن المدينة الباسلة لم يرجع إليه بحسب ما ذكره صحفى إيطالى اتاحت له الظروف البقاء لحين قصف المدينة ، كنت وانا أقرعن المعركة اتسأل كم عريس بت فى جليانا بدل من حضن عروسه ، وكم شيخ مهدود الصحة غادر اسرته ليحلق بابن شاب محاربا ً فى صفوف المجاهدين ، وكم بنغازية امتلكت الجرأة لترافق زوجها حتى لحظة النهاية ، فالمثير فى الامر ان شهداء جليانا من كل الاعمار ومن الجنسين . 

فى الساعة ال9 من صباح اليوم التاسع عشر من شهر اكتوبر انطلقت من إحدى المدمرات أول قذيفة مدفع لتصيب صخر الشاطىء عند الفنار فى منطقة سيدى ارخيبيش بقصد ايهام سكان المدينة ان الانزال الاول سيكون عند هذه النقطة ، الا ان الخدعة لم تنطلى على المقاومين ، فقد شاهدوا اللنشات والزوارق البخارية وهى تجرجر الفلك المحملة بالجنود إلى جليانا حيث توارى الجنود وراء رأس جليانا ، منتظرين انتهاء قصف مدفعيتهم من الاسطول الواقف قبالة الشاطىء، فخف المقاومين من الفويهات وقاريونس والرحبة لنجدة اخوانهم بجليانا حيث تواجد حوالى 600 مقاتل على الشاطىء من عرب المدينة والاتراك الباقيين للمقاومة ، فحين كانت طليعة الانزال الاول لجنود الايطاليين حوالى ال500 ليتتابع الانزال على الشاطىء ، ومع اكتمال جنود العدو على الشاطىء فبلغ الخمسة آلاف من جنود الجيش البرى عدا الألفين من البحارة .

 ورغم التفوق فى العتاد والعدد الا ان العدو لم يستطع فتح ثغرة واحدة حتى منتصف النهار ، مع اشتداد القصف المدفعى للمدينة ومحاولة العدو تطويق المقاومين عبر الالتفاف عليهم بارسال فرقة انتحارية تخترق السبخة إلى علوة طابلينو فأدركت القيادة الوطنية خطور الموقف حين تكاثرتدفق الغزاة على الجانب الآخر لسبخة فلم ترى فائدة فى التمسك بمواقعها بجليانا نفعا ًفقررت الانسحاب بنظام الى منطقة البركة وما بعدها جنوب بنغازى ، ولم تترك وراءها الا جريحين وقعا بالاسر ، ورغم استمرار القتال لسبع ساعات متواصلة الا ان العدو رفض الاعتراف بانه تكبد اى خسائر فى الارواح ويشيرون الى 34 جندى فقط من قتلاهم وبالمقابل يتبجحون بقتلهم ل500 من جنود العدو الى السكان المحليين من بناغزة واتراك ، وحسب تقييم الخبراء العسكريين لهذه الاحداث فهى لا تعد نصر ساحق لاى طرف من الاطراف ، ولا هزيمة ماحقة . 

فى العام 1912 بدأ الايطاليون فى منطقة جليانا فى إقامة نصب تذكارى لتخليد موتاهم فى سبيل مستعمراتهم الجديدة كما كانوا يسمونها ، وبالفعل انتهى تشييد النصب الذى بلغ اتفاعه 25مترا ًفى خلال سنتين وقد روعى فى اختيار مكانه أن يكون قريبا ًمن مقبرة جنودهم الذين قتلوا فى معركة بنغازى والذى لحسن الحظ لم يعد له وجود الآن ، فقد تمت ازالة النصب بعد الاستقلال و انشاء نصب يخلد شهداء ليبيا ، ليصبح فى وقت لاحق نصب شهداء الجزيرة . 


فى شبه جزيرة جليانا كان احد ابواب المدينة فى الفترة الاستعمارية رغم ان بنغازى كانت قبلها مدينة غير مسورة ، مما جعل الايطاليين راغبى فى السيطرة على حركة دخول وخروج السكان لقمع اى ثورة بالمدينة او منع تسرب الاسلحة والمال خارجها ، وفى تلك الضاحية الجميلة اتخذ الكثير من الطليان من المدنيين والعسكريين مساكن مازال بعضها قائمة الى الوقت الحالى ومنها الفيلا التى أجرها ولى العهد الليبى الحسن الرضا من مالكها الايطالى ، وفى مكان فندق اوزو كان هناك ملهى الرفييرا ،وذلك فى المنطقة الواقعة قبالة الشاطىء مباشرة ، فى حين تم استغلال الجزء المطل على بحيرة المنقار لاجل استخراج الملح واقامة مصنع عليها ، ظل احوال شبه الجزيرة على ما هى عليه حتى الاستقلال الحديث لبلادنا فى الخمسينات ، ويشوه استمرار وجود خزانات وقود جليانا فى بقعة يمكن ان تكون الانسب لتضفى على واجهة المدينة البحرية أفضل منظر للقادم من البحر او المتأمل للمشهد من شاطئها ، وان كان كوبرى جليانا بهندسته الرائعة لمسة فنية يعطى للمكان مظهرا ًجماليا. 

فى جليانا مصائف جميلة جدااا وبعضها لى فيها ذكريات جميلة خاصة مصيف غرناطة وجليانا والملاحة التى كانت اتردد عليها مع بابا رحمه الله كل عصر يوم جمعة عندما يتصادف وجودنا بالمدينة خاصة فى فصل الصيف ، كانت تعجبنى زرقة البحر وصفاءه وشكل كاسر الامواج على الطرف الآخر للرأس ذو القصة الرومانسية ، منذ سمعتها وانا احاول تخيل شكل الفتاة الانجليزية واللحظات التى مرت عليها وهى تلهو على ذلك الشاطىء الشديد الجمال فى فترة كان التلوث اقل ، اتخيل منظر الدلافين التى حدثنى عنها بعض معمرى المكان بانها كان يمكن مشاهدتها فى بحر جليانا أيام الصيف عادة والتى كانوا يطلقون عليها تسمية محلية الدنفير. 

جليانا قصة رحلة طويلة لمدينة نعيش فيها محاولين أن ننسى ولو لبعض الوقت مانعرفه عنها من مساوىء لا ننفك نرددها من آن لآخر آملين فى ذات الوقت أن تحظى فى المستقبل بما يعوضها ويجنبها جانب النقد المرير الذى يدور حولها .