الجمعة، 30 يناير، 2015

فيوليتا بارا المرأة الأيقونة فى تاريخ تشيلى الحديث...



 تُعد فيوليتا بارا واحدة من الشخصيات النسائية الهامة فى تاريخ تشيلى الحديث ، فهى مؤسسة الموسيقى الشعبية ببلدها ، إذ كانت مغنية ومؤلفة اغانى تشيلية تنتمى لعائلة "بارا " التشيلية المعروفة بكثرة مبدعيها من موسيقيين وفنانين  وكتاب ، فشقيق فيوليتا هو الشاعر "نيكانور  بارا" من اشهر شعراء التشليى وامريكا اللاتينية .

 ولدت فيوليتا فى العام 1917 فى (سان كارلوس) بلدة صغيرة بجنوب تشيلى ، وكانت تعانى من فقدان بصرها منذ الولادة ، عانت مع اسرتها الفقر وبطالة الاب الذى ادمن الكحول فى مرحلة لاحقة ليترك عبء اعالة الاسرة على عاتق فيوليتا الصغيرة المكفوفة التى لم تنهى دراستها الاساسية الا بصعوبة للظروف الاقتصادية الصعبة التى عاشتها مع اسرتها ، لهذا اتجهت للغناء فأخذت تكتب اغانى وتألف موسيقاها لتقدمها فى المطاعم الصغيرة ومحطات القطارات وتحت خيم السيرك المتنقلة  للحصول على القليل من المال لشراء الطعام لاسرتها ، بعد وفاة الاب انتقلت فيوليتا برفقة اسرتها الى العاصمة سانتياغو حيث شكلت مع شقيقتها ثنائى غنائى مدة ثلاث سنوات قبل ان تتزوج وترزق بابنها انخيل وابنتها ايزابيل ولكن الزواج لم يستمر لوقت طويل فتطلقت لتتزوج مرة اخرى بعد سنة لترزق ببنتان من زواجها الجديد.

فى العام 1953 تلقت دعوة للغناء فى بيت شاعر التشليى الكبير "بابلو نيرودا" الذى دعمها بعد تلك الحفلة ، حيث قام راديو تشيلى بتقديم اغانيها عبر الاثير الى كافة ارجاء البلد . فى العام التالى تلقت دعوة لزيارة اوربا والاتحاد السوفييتى باعتبارها اعظم فنانيى التشيلى ممن طوروا الفولكلور الشعبى ، استقرت لفترة فى باريس حيث قدمت عمل مسرحى قبل ان تعود الى سانتياغو بعد وفاة احدى بناتها الصغيرات ، فى مطلع عقد الستينات اعتبرت الفنانة اللاتينية الاولى التى يتم رسمها ونحت ملامحها فى تماثيل ، وتقدم اعمالها فى متحف اللوفر الفرنسى .

إذ تعد فيوليتا من أشهر المجددين للموسيقى الشعبية في بلادها، حيث وضعت الاسس لتجديد الغناء الشعبى التشيلى بتطويرها للفولكلوروالتراث الهندي وتحديثها الآلات المستعملة والايقاعات المختلفة وبادخالها الانماط الموسيقية المختلفة من جاز وبوب، وروك ، مع باقى افراد اسرتها الشقيق الشاعر نيكانور وابنها انخيل وابنتها ايزابيل  الذين سيلعبون دوراً فنياً مهماً فيما بعد فى تاريخ الموسيقى والغناء التشيلى الحديث ، فى نهاية الستينات وبداية السبعينات ليصبح اسم فيوليتا جزء من تاريخ البلد فى تلك المرحلة ، كانت صديقة للمغنى التشيلى الشهير فكتور جارا الذى قًتل على يد الانقلابيون فى تشيلى ،  سنوات مراهقتها وبداية الشباب انتسبت الى الحزب الشيوعى التشيلى ، لتتحول الى احد ابرز قيادات الحركة التقدمية فى بلدها ، كما كان لها دور كبير فى الحركة الثقافية فى التشيلى من خلال تأسيس نادى لاغنية  la pena de los parra اللذان قاما ابنها انخيل وابنتها ايزابيل بتقديم اشهر وابرز مطربى التشيلى مثل "فتكور جارا" ، فرقتي "كويلابايون "و"انتي الليماني". 

فى العام 1965 عادت فيوليتا الى سانتياغو لتقيم مركز فنى لاغنية الفولكلورية فلم تجد اى دعم من الحكومة او الجهات الرسمية ، وشركات انتاج الاسطوانات فقد كان المناخ يميل الى نوع من غناء العمال الشيوعيين آنذاك ، كما كانت الشركات المنتجة تميل الى الغناء الاجنبى الاوربى خاصة ، ولم تلقى اى تشجيع على مجهودها لحفظ وتطوير التراث الشعبى التشيلى ، تزامنت تلك الصعوبات مع مشاكلها الشخصية مع حبيبها السويسرى فأقدمت على الانتحاريوم 5 فبراير عام 1967. 

تُعتَبر أُغنية Gracias a la vida (شكراً للحياة) من أشهر أغانى فيوليتا في أمريكا اللاتينية، ألّفتها المغنية التشيلية في العام 1966 بعد أن تركها حبيبها عازف الفلوت السويسرى جلبرت فافرى Gilbert Favre وتزوج بأخرى. وقد رأى فيها البعض انها بمثابة رسالة ساخرة من الحياة قبل ان تقدم على الانتحار، برأى الشخصى ان فيوليتا لم تكن تنقصها الشجاعة او القوة ، انما ماواجهته خلال حياتها منذ الولادة من فقد للبصر، وفقر، وعوز ، وفقدان لافراد اسرتها من الاب مدمن الكحول الى الاخ ربيرتو الذى ذهب ضحية لمذبحة خوسيه ماريا كاروالسىء السمعة أثناء حكومة جورج اليساندريا عام 1962 ، مع فقدها لابنتها الصغيرة اوصلها لارهاق نفسى كبير وهى الفنانة الرقيقة المرهفة الحس .

تناول العديد من الكتاب والمثقفين سيرة حياة هذه المغنية العظيمة فى الكثير من الكتب وفى افلام توثق لحياتها ، فقد فاز الفيلم التشيلى (فيوليتا تذهب الى السماوات) بجائزة افضل أجنبى روائى فى مهرجان "ساندانس" الأمريكى للافلام المستقلة ، كما استخدمت الروائية الرائعة ايزابيل الليندى مقطع من احدى اغنياتها (الحب وحده بعلمه .. يعيدنا أبرياء من جديد) فى بداية روايتها الحب والظلال .

ينُظر اليوم الى فيوليتا بارا كأم للغناء الحديث فى تشيلى ، كما تحتل مكانة بارزة كشخصية فنية سياسية حافظت على الهوية الخاصة للتراث التشيلى الغنائي والموسيقى امام سطوة غناء المستعمر الغربى ، وساهمت فى حماية هذا الارث الانسانى من الاندثاروالضياع .


الاثنين، 26 يناير، 2015

ريام وكفى رواية عراقية فى سباق البوكر للعام 2015 ..



تدور أحداث رواية "ريام وكفى" حول أربع نساء من أسرة واحدة تنتمى للطبقة الوسطى بالعراق ، الإبنة الصغرى التى تحمل اسم "كفى" اطلقه والدها"ياسين الفضلى" كى تتوقف زوجته عن انجاب المزيد من البنات ، بينما اطلقت عليها امها اسم "ريام" كمناكفة لحماتها ، وتمردا ً على زوجها الذى سيتزوج عليها زوجة أخرى تنجب له الولد الوحيد للأسرة ، تلك الإبنة "ريام وكفى" هى التى ستسعى لنبش الماضى ، وتعيد كتابة حكايات نساء تلك الأسرة ، وتروى أسرار علاقاتها بالرجال الذين عبروا بحياتها.

تعمل الأم فى الخياطة بالمنزل هربا ً من خيانات الزوج و استهتاره ، الذى سيبحث عن زوجة جديدة صغيرة يأتى بها لتعيش فى بيت العائلة مع الأم وبناتها الثلاث ، اللائى سيرثن مهنة الأم ، ويواصلن العمل فى الخياطة واشغال التطريز حتى بعد رحيلها.

الأبنة الكبيرة "هند" تلتحق بوالدتها فى غرفة الخياطة لتتعلم منها و تكتسب مهارات تزيين الفساتين والعباءات برسوم وتطريزات لفراشات و ورود ، ولينتهى بها الحال فى الرواية لتقمص او التماهى مع شخصية الأم ، بعد مرورها بزواج فاشل.

أما الأبنة الوسطى "صابرين" المرحة الودودة ، الشغوفة بوالدتها وبعالم التفصيل و تزيين العباءات والأوشحة ، وبتتبع القصات عبر الباترون ، تتعرض لامتحان عسير على يد العم "نعمان" الواقع فى قبضة الادمان على الخمور والحشيش بعد محنة فقدان الزوجة وولديه الوحيدين ، فى لحظة فقدان الوعى يتحرش بإبنة الأخ ، التى ينتهى بها الحال للوقوع فريسة الاكتئاب ثم الانتحار.

فى حين تكون الإبنة الصغرى "ريام وكفى" البنت صاحبة الفضول ، والشغوفة بتتبع الأسرار وتفكيك الالغاز ، تتمرد على قوانين الأب الصارم الذى لاتتذكر من طفولتها معه إلا العقوبات الصارمة والضرب ، ووساطات زوجة الأب الصغيرة أم الولد .

فى البداية تتردد "ريام" فى تعلم مهنة الأم التى ستصبح صاحبة محل لبيع الأبسة النسائية تضع عليه يافطة تحمل اسمها "سمر الفضلى" تعويضا عن لقب (أم البنات) الذى كان الزوج والحماة ينادونها به كمناكفة ومضايقة لها لانها لم تنجب الولد.

و تعى "ريام" كل تفاصيل الحياة بين الأب والام ومايشوبها من توترات و مشادات صامتة او مسموعة لمن حولهما ، و تنتهى تلك الحياة الزوجية بين الأثنين بموت الأب بعد فقدانه لزوجته أم الولد الذى سيكبر فى حضن الجدة التى ستعمل على افساد تربيته فينتهى به الحال لدخول السجن مرارا وتكرارا ، قبل أن يختفى من حياة الأسرة بالسفر والهجرة للخارج .

الأبنة "ريام" تقع فى الحب أكثر من مرة أولها فى سن مبكرة لم تتجاوز الثالثة عشر من عمرها مع ولد يبلغ السادسة عشر يدعى "ريحان" ينتمى لمعدان سكان الأهوار ، ثم يخرج من حياتها بعد افشاء "هند" لسر تلك العلاقة البريئة بينها وبين "ريحان" وتدخل الخال بمنعها من مقابلته و ضرب الولد الذى يرحل للأهوار حيث يختفى اثره .

ثم يدخل حياتها ثلاث رجال احدهم هو ربيب صاحب المحلات التى تبيعه أمها انتاجها من الثياب ، ولأجل هذه العاطفة تترك الجامعة و تبدأ فى تعلم الخياطة لأجل ان تكون قريبة من مكان عمل ذلك الحبيب ، و لكنها تخيب فى ظنها إذ يصبح قاتل لوالدته الهاربة مع عشيقها ، ثم تتوهم مشاعر حب تجاه جار يتبين لها انتماءه لتنظيم محظور ويصبح مطارد ، بينما الرجل الثالث هو صاحب مكتبة تترد عليها ولكنها لا تنتبه لمشاعرها تجاهه إلا بعد فوات الاوان ، إذ يختفى من حياتها بعد ان تجد المكتبة قد أصبحت محل لبيع الملابس .

بعد حلم ترى خلاله "ريام" والدتها تقرر أن تفسره على أنها تحرضها وتحثها على تغيير مسار حياتها وترك العمل فى الخياطة ، و مغادرة البيت لاكتشاف الحياة من أبواب أوسع ، فتغادر حاملة حقيبة سفر تضم أوارق رواية كتبتها حول حياتها وحياة نساء أسرتها ، و عن فاطمة مساعدتها بالعمل .

***
"لماذا أكتب عن تلك الأيام وأستحضر أرواح من ماتوا؟ هل خوفاً من نسيان ماجرى كما أحب أن أقنع نفسي، أم لأهرب من رمال الصحراء التي غطت حقولي وأحاول درأها لكي لاتتيبس تماما؟ أم تراها رغبة لتخفيف الضغط على قلبي من هزيمة في الحب ؟ أم تراها هذا وربما ذاك وربما لكل تلك الاسباب .."

تحاول الساردة أى "ريام" أن تفسر او تبرر الرغبة المفاجئة التى انتابتها فى كتابة رواية توثق من خلالها تاريخ نساء عرفتهن فى حياتها ، مع مواصلتى للقراءة حتى النهاية ،لم تنجح "ريام" فى تبرير  بعض تصرفاتها أو قراراتها التى بدت لى ، على الأقل غير مفهومة نوعا ما ، فى اطار ماكتبته حول تاريخ الأسرة ، والعلاقة بين الأب والأم ، كما لم يكن لمعاناة الأم أى اثر على نفسية "ريام" فى سن أكبر ، حتى بعد ذهابها للجامعة وتخصصها بالدراسات التاريخية تنفيذا لرغبة قديمة نشأت وقت علاقتها البريئة "بريحان ابن المعدان" لم يتطور وعي "ريام" او يتواصل نموها النفسى والعقلى ، بل ظلت أسيرة لرغبات متقلبة .

استحوذت شخصية الأم "سمر الفضلى" على اهتمامى اكثر من أى شخصية نسائية فى الرواية ، إذ بدت أكثر نضج ووعى وحكمة فى التعامل مع تقلبات الحياة ومعاناتها مع زوج مستهتر وجاحد ، وحماة قاسية القلب ، و أذكى فى تعاملها مع ضرتها ، وأكثر صلابة فى مواجهة اطماع الرجال من حولها ، و تملك ادراكها الخاصة للحياة ، وربما الربط بين شخصية الأم و شخصية المطربة الكبيرة "عفيفة اسكندر" كان فى محله .

العلاقة المتوترة بين "ريام" و "هند" لم تكن منطقية او مفهومة  فى سياق السرد الروائى حول حياتهن الأسرية ،إذ تكتفى "هدية حسين" بتقديم مختصر نوعا ما لشخصيات الرواية ، فجاءت معظمها سطحية  فى تفكيرها و مفتقدة للعمق النفسى فى سلوكها ، وفاقدة للثراء الروحى ، مايجعل تلك الشخصيات الروائية سهلة النسيان بعد مرور الوقت على قراءة الرواية . 

حاولت الكاتبة تقديم  نماذج نسائية من المجتمع العراقى ، وتسليط الضوء على مشاكلهن الاجتماعية ، ولكنها لم تنجح فى وضع حكاية فاطمة الأرملة فى مكانها الصحيح إذ كان بالامكان استعمالها لتسليط الضوء على مشاكل النساء العراقيات ضحايا الحروب الكثيرة التى خاضها البلد خلال العقود الماضية ، وبالرغم من الحاحها على "ريام" بكتابة حياتها فى الرواية التى اعلنت عن بدء الشروع فى تأليفها .

تبدو الرواية أقرب لحكايات يتبادلنها النساء فى جلسات تناول القهوة او الزيارات الاجتماعية ، الحبكة الروائية غير معقدة ، سلسة ، تناسب عبرها الحكاية ببساطة لتروى حياة النساء الأربعة ، حاولت الكاتبة استخدام فن الحكى الشفهى من خلال حكايات والدتها حول ماضى اسرتها ، مع يوميات ريام ، والتى لم يظهر لها أى اثر فى ثنايا الحكاية ، رغم اعلنها فى بداية الرواية بأنها ستكتب مستندة ليوميات كتبتها فى العشرين ، ولكن لم يظهر منها شىء حتى خاتمة الرواية ، واكتفت بالاسهاب والاستطراد فى حديث "ريام" واسترجاعها لذكرياتها من الذاكرة ، كل ذلك فى لغة جيدة ، متماسكة ، ولاتخلو من نفحات شاعرية .

استخدام الوقائع التاريخية ، و استعراض لجوانب من العادات والتقاليد والموروث الشعبى العراقى اضفى على الرواية مسحة جميلة ، ومنحها ملامح واضحة للخلفية التى تتحرك فيها تلك النسوة .
السؤال هل تستحق أن تصل هذه الرواية للترشح للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية ، برأيى كقارئة لا ، فهى رواية عادية ، لا تحوى شخصيات مؤثرة ، أو سرد مشوق .

***
هدية حسين كاتبة وروائية عراقية مقيمة في كندا. صدره لها تسع روايات وست مجموعات قصصية وكتاب في النقد، و ترجمت روايتها "ما بعد الحب" (2003) إلى اللغة الإنجليزية  عن دار "سيراكيوس يونفيرستي بريس" الأميركية عام 2012، وترجمت لها مجموعة قصصية إلى اللغة الصربية بعنوان "وتلك قضية أخرى" (2002) كما ترجمت العديد من قصصها إلى الإنجليزية والإيطالية والصربية، وفازت بالجائزة الأولى عن أندية فتيات الشارقة عام 1999.


رابط أغنية ( الله لو تسمع هلي) للمطربة العراقية "عفيفة اسكندر" التى كانت ترددها "سمر الفضلى" والدة "ريام" .. 


الجمعة، 23 يناير، 2015

الشوارع العارية ...



"الأمل..هذا يختلف عن خداع الأوهام..أن نفقد الأمل ، هذا ليكون مؤسفا ً حقا ً ، ولكن الأمل شىء بداخلنا ، شىء نرعاه ، يوما بعد يوم "

تدور أحداث الرواية حول مجموعة من المراهقين فى إيطاليا قبل الحرب العالمية الثانية ،فيستعرض براتولينى حياة كل من "جيورجيو ، وكارلو ، و جينو ، و أريجو ، و لوسيانا و ماريا، و ماريزا، وأولجا، و فاليريو" والأخير هو الراوى للأحداث التى عاشها هو و اصدقائه و رفيقاتهم من بنات الحى الواقع فى شارع يحمل تسمية شارع السعداء ، ويقع بالقرب من كنيسة سانتا كروتشى بمدينة فلورنسا ، حيث تحمل الشوارع والأزقة اسماء الملائكة و القديسين والحرف المتواضعة ، وكبار عائلات التجار فى القرن الرابع عشر للميلاد .

  يقدم لنا"فاسكو براتولينى" قصة شديدة البساطة لاتخلو من العمق حول حياة أولئك السكان من الطبقات الفقيرة أو المعدمة ، ولاينسى براتولينى أن يوثق للتغيرات التى احدثتها حرب الحبشة و تطلعات الحزب الفاشى للهيمنة الاستعمارية على الحياة الاجتماعية بإيطاليا، وعلى الدعاية الفاشية ونشاط الشيوعيين الإيطاليين ، لم يكن للجوانب السياسية حضور مباشر إلا بقدر ماتتركه من تأثير على حياة أولئك الشباب بالاخص "جيورجيو " ، كما سنتعرف على القيم والآراء السائدة بتلك الفترة بإيطاليا حول قضايا كثيرة كالشذوذ ، و العلاقات الجسدية ، الحب ، و التعليم ، فى لغة هادئة ، ورقيقة ،تحمل نفحات شاعرية، وكانت ترجمة الروائى إدوار الخراط جيدة .

 لايخفى الكاتب افتتانه الشديد بالأحياء القديمة فى المدن الإيطالية ، فيصف الأزقة والبيوت والحارات بطريقة جذابة و مشوقة ، فيجعلنا نتناسى الفقر و البؤس و القبح فى الأثاث المحطم ، والاوانى المقشرة ، و الجدران المتشققة ، والنوافذ المغبرة ، والثياب المرقعة ، ونستغرق فى تلك الأزقة والبيوت و ننجذب لحياة أولئك البسطاء التى لاتخلو من الفرح ، والحب، والصداقة ، والكفاح لأجل توفير لقمة العيش وسقف يأويهم.

                                           ***
ولد فاسكو براتولينى عام 1913 فى مدينة فلورنسا فى أسرة من العمال الفقراء  ، وتوفى  فى العام 1990 ، و فاسكو لم يذهب إلى مدرسة لوقت طويل ، وقام بتعليم نفسه عبر المواظبة على القراءة ، ومارس العديد من المهن الصغيرة ، كصبى مصعد ، و نادل بمقهى ، و مغلف جرائد ، وبائع مشروبات مثلجة وغير ذلك .

عرف قسوة الحياة والحرمان ، واشترك فى مقاومة الفاشية والنازية ، وقد انعكست قسوة الحياة التى عاشها من خلال رواياته وقصصه القصيرة ، إذ كتب عن حياة البسطاء ، و  تركزت مواضيع رواياتها حول الحب والعائلة ، والكفاح من أجل لقمة العيش ، أو عشق الوطن ، ساردا ً أكثر الأحداث اعتيادية بطريقة محببة و مشوقة ، مستمد قوة وجماليات صنعته الروائية من الصدق والبساطة فى رؤيته لأحوال الحياة.
بدأ فى الكتابة والنشر منذ بدايات الأربعينات فى إيطاليا ، لديه 18 رواية ويعتبر واحد من اهم روائيى إيطاليا فى القرن العشرين ، كما كان مترجم أدبى ناجح ، بالإضافة لقيام "براتولينى "وضع حوار و  سيناريوهات لبعض الأفلام  مثل الشارع القبيح من إخراج بولونينى ، وأيام نابولى الأربعة من إخراج نالوى . 

فاز" فاسكو براتولينى" بالعديد من الجوائز الأدبية والمالية المرموقة على مؤلفاته الكثيرة ، ومن ذلك جائزة "أكاديمية داى لنشاى" ، كما ترُجمت أعماله إلى نحو عشرين لغة .

رابط لاغنية إيطالية كان يرددها الجنود الذاهبين للحرب فى الحبشة أى اثيوبيا فى الوقت الحالى
https://www.youtube.com/watch?v=w7QG54xXOkQ