الأربعاء، 24 ديسمبر، 2014

الفن فى أزمنة الحرب ..


"..لا نستطيع أن نتخيل كم هي الحرب مخيفة، مرعبة، وكيف تصبح شيئاً عادياً. لا نستطيع أن نفهم، لا نستطيع أن نتخيل" ... سوزان سونتاغ



دخلت اسبانيا مع بدايات القرن التاسع عشر مرحلة من الاضطرابات والحروب والعنف والمجاعات بعد تعرضها لغزو فرنسى فى العام 1807 م إذ نجحت مكائد ودسائس نابليون بونابرت –الطامح للسيطرة على اوربا- فى الاطاحة بحكم شارل الرابع وتتويج فرديناند السابع مكان والده ،ثم القيام أن يتم بخلعه عن العرش و نفى شارل الرابع وفرديناند السابع إلى إيطاليا وفرنسا ، وتنصيب أخاه جوزيف ملكا ً على أسبانيا .

لم يخلو دخول المحتل الفرنسى من ترحيب نسبة كبيرة من الاسبان لاعتقادهم بأنهم حملة مشعل التنوير والتحرر من الطغيان و الرقابة ومحاكم التفتيش وفساد الأسرة البوربونية الحاكمة أنذاك ، ولكن سرعان ما تغيرت مشاعر الاسبان بعد معرفتهم لتنصيب جوزيف بونابرت على العرش الاسبانى .

وفى الثانى من مايو عام 1808 ذاع بين سكان مدريد خبر صدور أمرا ً بإرسال ماتبقى من أفراد الأسرة المالكة فى مدريد إلى فرنسا ، فتجمع الأهالى حول مركبة الدون فرانسسكو-وهو أميرفى 13 من عمره- وعندما علموا أنه لايرغب فى مغادرة مدريد ،وأنه يبكى بكاء مرا ً لمعرفته بأنه سينفى، قام الأهالى بفك أعنة جياد المركبة و أطلقوا  سراح الجياد ، و إزاء هذا قامت القوات الفرنسية بالهجوم على الأهالى مستخدمة المدافع والبنادق ، فقاوم المدريديين بالهراوات و الأحجار والسكاكين ، لتنتشر الانتفاضة الشعبية العفوية بين سكان المدينة ، ولتعيش اسبانيا إحدى أكثر مراحلها اضطرابا ً وقتلا ً ورعبا ً ،  قبل أن ينجح الفرنسيين فى اخماد هذه الحركة ، واعدم زعماؤها  والكثير من السكان ، ليصبح بعدها اليوم الثانى من مايو نقطة تحول لدى الوطنيين للتخلص من المستعمر الاجنبى .
  و نتيجة للاشتباكات والمواجهات التى أخذت طريقة الكر والفر من طرف المحاربين من المتطوعين الأسبان أو الجنود النظاميين المتبقيين من الجيش الاسبانى ، مما أوقع خسائر كبيرة فى صفوف الجنود الفرنسيين .

 انتشرت المجاعات في كل مكان بأسبانيا التى كانت تعيش أزمات اقتصادية قبل الغزو الفرنسى حيث تفاقمت المشاكل آثر هذا الاحتلال ،  فعاشت اسبانيا ست سنوات من أحلك فترات تاريخها. ولم ينج أي أسباني من انعكاسات الغزو والحرب والجوع على نفسيته ، فماذا كان موقف "فرانشيسكو دى جويا" الفنان الاسبانى الشهيرو كيف انعكس هذا الواقع القاتم على نفسيته وافكاره وأعماله الفنية ؟

***
كان جويا أحد المرحبين بالتدخل الفرنسى فى الشؤون الداخلية لبلده ظنا منه إن الفرنسيين سيجلبون "التنوير" الذى سيخلص اسبانيا من الخرافات والجهل و سيطرة الكنيسة ومحاكم التفتيش على عقول وحياة الناس فى أسبانيا ، إلا إنه سرعان ما أدرك زيف مزاعم بونابرت فى نشر التنوير والحريات فى أوربا ، فقد حل على البلاد من الدمار والمهانة مالم تشهده فى السابق .

نجحت لوحات "فرانشيسكو دى جويا" فى نقل صورة دقيقة ، وحية ، ومؤثرة عن هذه المرحلة الدموية من تاريخ اسبانيا ، وما ارتُكب فيها من فضاعات وجرائم مروعة بحق الجميع من أطفال ونساء وكبار فى السن ، ورجال دين ، او ناس مدنيين .

فى متحف برادو يوجد لوحات جويا التى تعبر عن الفزع وحالة الترقب ، والوحشية التى أظهرها الفرنسيون فى إعدامهم الأهالى يوم 2 مايو .

لم يطلق جويا رصاصة واحدة او يشارك فى القتال ولكنه عبر عن روح أمته فى المقاومة خير تعبير ، مظهرا ً ماقاسته فى ذلك الوقت ، وكان قد أقام بمدريد عدة أعوام عندما نشبت الحرب ، ولكنه عاد لسرقسطة  حيث قام بعمل رسوما تخطيطيا ً صغيرة ليتم حفرها وطباعتها  ، وقد سماها" العواقب القتالية لحرب إسبانيا الدموية مع بونابرت ، و غيرها من النزوات " حيث احتوت على تعبيرا ً لاينسى عن الفزع و السخط و العطف التى عبر بها جويا عن الحرب بكل تفاصيلها الفظيعة .

ولم تنشر هذه الرسومات فى حينها حيث أوصى بها لولده الوحيد ، الذى باعها ابنه لأكاديمية سان فرناندو ، والتى نشرتها عام 1863 بعنوان "كوارث الحرب ".

لم تكن هذه الرسوم التخطيطية مجرد مشاهد عادية للمعارك ، يُمجد فيها القتل فى ثوب البطولة والمجد ، وإنما هى لحظات من الرعب والقسوة تنسى خلالها ضوابط الحضارة الهزيلة فى حمى الصراع ونشوة الدماء .

ومن أشهر لوحات هذه المجموعة اللوحة المسماة " الرجل المخنوق" وفيها نرى قسيسا ً خُنق حتى الموت ، مستندا ً لجدار وقد جمدت يداه إلى صليب عليه صورة المسيح مصلوبا ً ، وفى لوحات أخرى من نفس المجموعة رجال ونساء يواجهون طعنات رماح البنادق ، أو يرقدون جثثا ً هامدة ، وقد قلبتهم انفجارات القنابل رأسا ً على عقب ، نسوة يهرعن للمعركة برماح او بنادق او حتى حجارة ، جثث تغرس فوق جذوع الأشجار ، ونساء تهتك أعراضهن ، وأطفال يرقبون فى هلع قتل أبائهم ، راهبات يتعرضن فى الأديرة للاعتداء عليهن من قبل الجنود ، وأكداس الموتى يقذفون فى حفر ، ونسور تستمتع بالتهام الموتى من الآدميين ، طوابير الجائعين وهم يتساقطون موتى .

تحت هذه الصور أضاف جويا تعليقات بعضها مستقاة من أمثال أسبانية تعكس سخرية مريرة من تلك الفترة  (هذا مارأيته) ، (لقد حدث هكذا) و (ليدفنوا الموتى ويلزموا الصمت) وغيرها من عبارات مدونة تحت الصور الأصلية .

من اللوحات المؤثرة برأيى الشخصى هى تلك التى تتضمن توثيق للمجاعة التى عصفت بمدريد فى الفترة مابين اغسطس 1811و اغسطس 1812 ، حيث مات نتيجة لهذه المجاعة 20 ألف من سكان مدريد نتيجة اعتراض المحتلين الفرنسيين والثوار الإسبان وقطاع الطرق واللصوص الطرقات المؤدية لمدينة مدريد مما تسبب فى شح المواد الغذائية .

حاول جويا اليائس و المتعب من مرضه وصممه وتجاربه السىء فى فترة الحرب أن يعبر عن أمله فى نهوض أسبانيا من جديد فقدم فى اللوحة التى تحمل رقم 80 امرأة تموت بين الحفارين والكهنة ولكنها تشع ضياء ، وكتب عليها متسائلا ً (أتبعث حية مرة أخرى ؟) .

من يقف إمام لوحات جويا سيكتشف أنه لم يعمل على تجميل الرعب أو تقديم مشاهد بطولية للحرب ، و لكن يقدم بدلا عن ذلك الكيفية التى يتحول بها أفراد عاديين إلى أبطال ربما لايذكرهم التاريخ لانهم من عامة الشعب ممن حملوا سلاحهم دفاعا عن أنفسهم وبيوتهم واسرهم ، كما قدم لنا العنف والحرب وماينتج عنهما من فضائع ومآسى تترك بآثارها على حياة الناس العاديين ، سلط الضوء على تساوى القسوة والشراسة لدى الطرفين مع انفلات العنف والوحشية من عقالهم ، ونسيان القيم الانسانية إمام الجرائم الوحشية و أهوال الحروب .

***
ولد غويا عام 1746 بمدينة صغيرة بمقاطعة آرغوان ، وقد أمضى سنوات حداثته فى دراسة الفن على أيدى فنانى مدينة سراقسطة قبل أن يحاول الدخول لأكاديمية الفنون فى مدريدولكنه يفشل فى ذلك ، وبالوقت نفسه ينجح فى الحصول على منحة لدراسة الفن فى إيطاليا ، ثم يقيم بضع سنوات بفرنسا حيث يقع تحت تأثير افكار كبار مفكرى عصر التنوير الفرنسيين أمثال رسو و مونتسكيو ، و يصبح الرسام الرسمى لبلاط الآسبانى حتى وفاته عام 1828 فى منفاه الاختيارى بمدينة بوردو الفرنسية ، بعد أن يترك سلسلة اعمال فنية تشكل شهادة عميقة على فترة حالكة فى تاريخ اسبانيا وأوربا ، فترة محاكم التفتيش والغزو الأجنبى وعودة الملكية من جديد .
Plate 3: The Same

Plate 15 – There’s no help for it



Plate 41 – They escape through the flames






Plate 80 – Will she live again?
Plate 18 – Bury them and keep quiet