الإثنين، ٨ فبراير، ٢٠١٠

علم تاريخ الشّجر و علم الآثار البحريّة

تسمح دراسة شحن البضاعة بتحديد تاريخ غرق السّفينة وآخر ميناء غادرته لكنها لا تتيح بالمقابل التعرّف على مكان وتاريخ بنائها। يمكننا اليوم بفضل علم أعمار الشّجر معرفة تاريخ ومكان بناء السّفينة ودراسة مميزات أشكال الشّجر المستعملة فى بناء السّفن القديمة بفهم أفضل لشروط اختيار واستعمال الأخشاب (ملائمة طبيعة الشّجر للقطع المصنوعة ونظام تقطيع الشّجر...).
حلقات النموّ :
تظهر على محيط جذع الشجر، فى المناطق الخاضعة لمناخ يفرض على النّبات فترة نشاط تليها فترة راحة، حلقة نموّ تدعى بالحلقة السنويّة . ويبرز تأثير العوامل المناخية عبر حلقة عريضة إذا ما تجاوبت شروط الطقس مع المتطلّبات المناخية لصنف شجرة ما، وعبر حلقة نحيفة بخلاف ذلك. ينتج عن ذلك مجموعة من الحلقات المتشابهة والتى يمكن ملاحظتها على مجموعات من الأشجار المنتمية إلى نفس الصّنف والخاضعة لنفس المناخ، الأمر الذى يشكّل لدينا مرجعا تاريخيا.نشاهد مثلا فى فرنسا أنّ أكثرية شجر السنديان الخاضعة لمناخ محيطى تحمل على جذوعها حلقات نحيفة تتناسب والسنوات : 1900، 1901، 1921، 1976 نظرا للجفاف الذى عمّ خلالها. وهكذا يحدد علم تاريخ الشجر تسلسلا مرجعيا يعرف أيضا بالتسلسل المعيارى.
التحليل العلمى لتاريخ الشجر:
يبحث علم تاريخ الشجر عندما يأخذ العينات ، على مستوى العارضات التّقاطعية والتى توفر أكبر عدد ممكن من الحلقات لأن التحليل يتطلب أن يكون على كلّ قطعة خشب ستون حلقة متلاحقة على الأقلّ. نجد أكثر الأحيان أنّ صالب السفينة والمقصورة ومقدّمتها وقاعدة الصوار والعارضات تحمل ما يعادل جميع الحلقات تقريبا المتوفّرة على المتن كما توفر لنا غالبا مجموعات طويلة.
تخضع مسلسلات الأرقام لحسابات تناسبية بعد قياس عرض حلقات كافة العينات على سلم 1/100 ملم। يفترض تاريخ الحطام بواسطة علم تاريخ الشجر، مقابلة التسلسل العينى للحطام بتسلسلين مرجعيين على الأقلّ। وقد تمّ تحديد تاريخ حطام سفينة آرل 2 (ARLES II) بفضل العديد من العوارض فى النّصف الأوّل من القرن الثانى بعد الميلاد نتيجة التقارب الذى يربطها بمواقع أخرى فى منطقة بورغنيو و فرانش كونتى الفرنسية ومناطق فى سويسرا وألمانيا.
استخراج العينات:
عند تحديد الأجزاء المهمّة، تؤخذ العينات (سواء بالنسر أو بالسبك او بلآنتزاع) على أكثر عدد ممكن من القطع ليتسنى بناء معدلات تمثّل الأنواع الرئيسية، لأنّ ما يحصل غالبا هو وجود عدة أنواع فى مختلف القطع التى تكوّن هيكل .
*www.culture.gouv.fr

الجمعة، ٢٢ يناير، ٢٠١٠

ملح الاحاسيس

حاولت ان اغادر عالمك قليلا ياماسينسا كى استطيع ان افكر واخطط بطريقة منظمة كما كنت افعل سابقا ، ولكنك عبرت هنا فى عالمى لتعيدنى لنقطة البداية ..معك اتذوق طعم كل الاحاسيس يارفيق الروح الفريد .. فانت تنثر ملح الاحاسيس فوق روحى كى اشعر بطعم مختلف ..مرت على الاسابيع الاخيرة وانا احاول ان انجز شرح قصص ماسينسا ويوغرطا ونوميديا بصعوبة شديدة لانى خفت ان احدث الطلبة عن رجل يمر كطيف فى يومى ليلونه بالوان قوس قزح ، ليمنح للبهجة روح ، وللمرايا بريق من زمن قديم ..مع طيف يسكن ظلال افكارى اسافر معه الى مدن من الدهشة والحنين والفرح ..هأنذا اعود إليك لامارس شقاوتى أمام نضجك ..أستعرض ثقافتى امامك ؟ ..أمارس أنوثتى فى حضورك بغواية سفونسيب . .تمنحنى قلبك المتسع لاحزانى ..تخبئنى كتميمة سرية ..اتسرب اليك ، اتجول فى اعماقك ، وتحتوينى بطهارة قديس، و تقترب منى كاله اغريقى مشاكس ....هو هذيان الفجر والبرد ومزمار ايدير...انت موجود دائما هنا فى عالمى .



الأربعاء، ٢٠ يناير، ٢٠١٠

أي شواطئ عربية يغرقها ارتفاع البحار؟*

شهد القرن الماضي ارتفاعاً في مستويات البحار بلغ 17 سنتيمتراً بمعدل وسطي مقداره 1,75 مليمتر في السنة. وقـد تكهّن التقرير التقييمي الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) الـذي نشر عام 2007 بارتفاع مستويات البحار حتـى 59 سنتيمتراً بحلـول عام 2100، مستثنياً تأثيرات تغيرات ديناميكية محتملة فـي ذوبـان الجليـد. ومع الأخذ في الحسبان المدى «المحتمل» التام للزيادات المتوقعة في درجة الحرارة، فإن ارتفاع مستويات البحار يمكن أن يتضخم حتى 1,4 متر بحلول عام 2100. وتكهن باحثون آخرون بارتفاع مستويات البحار ما بين 5 و6 أمتار في حال انهارت الصفيحة الجليدية في غرب القارة القطبية الجنوبية (انتارتيكا).
المنطقة الساحلية في العالم العربي ليست مستثناة من تهديد ارتفاع مستويات البحار. ومثل أجزاء كثيرة من العالم، تقع العواصم والمدن الكبرى في البلدان العربية على السواحل أو على مصبات الأنهار. ولأن توسعاتها سريعة للغاية، فإن هذه المدن معرضة بشكل كبير لخطر ارتفاع مستويات البحار.
ولإلقاء نظرة أكثر دقة على تأثير ارتفاع مستويات البحار على الخط الساحلي العربي، والإضاءة على البلدان التي هناك احتمال كبير بأن تتعرض للخطر، أجريت محاكاة لارتفاع مستويات البحار باستعمال نظام المعلومات الجغرافية (GIS) وبيانات بعثة الطوبوغرافيا الرادارية المكوكية (SRTM). هذه البيانات، التي تستعمل على نطاق واسع في كثير من الاستقصاءات العلمية، يعتبر أنها تشكل أفضل نموذج ارتفاع رقمي (DEM) على نطاق عالمي، فضلاً عن تناغمها ودقتها عموماً.
بموجب سيناريو ارتفاع مستوى البحار متراً، تظهر المحاكاة أن ما يقرب من 41,500 كيلومتر مربع من أراضي البلدان العربية سوف تتأثر مباشرة بارتفاع مستوى البحار. والارتفاعات المحتسبة سوف تؤدي الى نزوح عدد سريع النمو من السكان الى مناطق أكثر اكتظاظاً. وما لا يقل عن 37 مليون شخص (11%) سوف يتأثرون مباشرة بارتفاع مستوى البحار متراً واحداً.
وفي سيناريوات ارتفاع بمقدار مترين و3 أمتار و4 أمتار، فإن نحو 60,000 و80,700 و100,800 كيلومتر مربع على التوالي، في المنطقة الساحلية العربية سوف تتأثر بشكل خطير. وفي الحالة القصوى، حيث ترتفع مستويات البحار 5 أمتار، فإن التأثير سيكون في أعلى درجة له، إذ يقدّر أن تغمر مياه البحار نحو 113,000 كيلومتر مربـع من الأراضي الساحليـة.
لكن التأثيرات المتوقعة لارتفاع مستويات البحار ليست موزعة بانتظام عبر المنطقة العربية. فتأثير الارتفاع سيكون حاداً بشكل خاص في بعض البلدان مثل مصر والسعودية والجزائر والمغرب، في حين سيكون له تأثير أقل على بلدان مثل السودان وسورية والأردن. وستكون مصر الى حد بعيد البلد الأكثر تأثراً في العالم العربي. فما لا يقل عن 12 مليون مصري سوف ينزحون مع سيناريو ارتفاع مستويات البحار 5 أمتار. وفي الواقع، فإن قرابة ثلث مجموع السكان العرب المتأثرين سيكون من مصر وحدها. وعلى المستوى الوطني، سوف تشهد الإمارات وقطر والبحرين أعلى تأثير لارتفاع مستويات البحار من حيث نسبة السكان المعرضين للخطر من مجموع عدد السكان في البلد. هنا، نتوقع أن يتأثر أكثر من 50 في المئة من سكان كل بلد بارتفاع مستويات البحار 5 أمتار. وتشير التحليلات الحالية الى أن البحرين وقطر سوف تخسران جزءاً من أراضيهما يبلغ نحو 13,4 في المئة و6,9 في المئة على التوالي، وفق سيناريو ارتفاع مستويات البحار 5 أمتار.
النمو المدُني الساحلي
هناك عوامل بشرية وطبيعية قد تساهم في التأثير الناجم عن ارتفاع مستويات البحار وتقوّيه. فعلى سبيل المثال، بالنسبة الى معظم أجزاء العالم العربي، يحدث نمو مُدني سريع وغير منضبط على نطاق واسع على طول المناطق الساحلية السريعة التأثر. ومن شأن استمرار أنماط هذا النمو أن يجتذب أعداداً أكبر من السكان الى تلك المناطق المنخفضة الخطرة. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يكون لارتفاع مستويات البحار تأثير كبير على الناس وعلى تطوير البنى التحتية في المناطق الساحلية للمنطقة.
ويمكن الإفادة من مراقبة التغيرات التاريخية في النمو المُدني لتحديد الاتجاهات المستقبلية في التوسع المُدُني بمعزل عن تغير المناخ، وبناء على ذلك يمكن اقتراح الأماكن التي ستحتاج الى دمج الأخطار المناخية بشكل أفضل في عمليات التخطيط. واستناداً الى تصنيف صور الأقمار الاصطناعية وتحليل كشوف التغيرات في هذه الدراسة، يُقدر، على سبيل المثال، أن النمو المُدُني في دبي (بما في ذلك المناطق الخضراء) ازدادت مساحته السطحية نحو ثلاثة أضعاف خلال أقل من 20 عاماً (بين 1984 و2003). وبإضافة منطقة النمو المُدني الجديدة في مشروع جزر «النخيل» و «العالم» في دبي، تتضخم نسبة السكان والبنى التحتية التي يحتمل أن تتأثر بالإغراق أو الفيضان الساحلي.
ولتقدير مجمل المساحات المعرضة للخطر بفعل ارتفاع مستويات البحار بمزيد من التفصيل، تم إنشاء نموذج ارتفاع رقمي للمنطقة الساحلية في الشارقة وعجمان وأم القيوين، من خرائط طوبوغرافية. وبناء على نموذج الارتفاع الرقمي، تبين أن قرابة 332 كيلومتراًً مربعاً من المساحة البرية للإمارات الثلاث تقع أدنى من مستوى البحر بعشرة أمتار، ولذلك هي معرضة بشكل كبير لارتفاع مستويات البحار. وتظهر النتائج أن ارتفاعاً بمقدار متر واحد سوف يغرق قرابة 8,1 في المئة من إمارة عجمان و1,2 في المئة من إمارة الشارقة و5,9 في المئة من إمارة أم القيوين. ومع سيناريو الخمسة أمتار، سوف تزداد هذه الأراضي المغمورة لتصل الى نحو 24 في المئة و3,2 في المئة و10 في المئة في الإمارات الثلاث، على التوالي.
تأثير ارتفاع البحار على دلتا النيل
الأماكن التي تحتل مساحات منخفضة في المنطقة العربية، مثل سهول مصبات الأنهار (الدلتا)، سوف تواجه مشاكل أكثر خطورة نتيجة ارتفاع مستويات البحار. ودلتات الأنهار سريعة التأثر بشكل خاص، لأن ارتفاع مستوى البحر يفاقمه انخساف الأراضي وتدخل بشري مثل احتباس الرسوبيات بسبب السدود. وفي العالم العربي، منطقتا الدلتا الرئيستان هما دلتا نهر النيل في مصر ودلتا نهري دجلة والفرات في العراق. وهذه الأماكن مكتظة بالسكان ومن أهم الأراضي الزراعية في الإقليم. وكما يتضح من ارتفاع مستويات البحار المحتسب، فإن هاتين المنطقتين هما إقليمياً الأكثر تأثراً. وفي الواقع، ستكون التأثيرات أكبر بكثير عندما تأخذ في الاعتبار ازياد وقوع أحداث مناخية متطرفة في مناطق منخفضة.
إن اجمالي مساحة مصر يزيد قليلاً عن مليون كيلومتر مربع، المناخ في معظمها جاف الى مفرط الجفاف. وتحتل الصحراء 94 في المئة تقريباً من الكتلة الأرضية في مصر. والسكان المتزايدون سريعاً، الذين يقارب عددهم الآن نحو 81 مليوناً، يقطنون في أقل من 6 في المئة من المساحة البرية للبلاد.
هذه المساحة، التي تقع في دلتا النيل ووادي النيل، تحوي الأراضي الزراعية الأكثر انتاجية، وبذلك تشكل المصدر الغذائي الرئيس للبلاد بأسرها. ودلتا النيل، التي تبلغ مساحتها نحو 24,900 كيلومتر مربع، تستأثر وحدها بنحو 65 في المئة من الأراضي الزراعية في مصر.
وهذه الدلتا، التي كانت في الماضي أكبر موقع للرسوبيات في حوض البحر المتوسط، هي مثال متطرف على منطقة مسطحة منخفضة معرضة بشكل كبير لخطر ارتفاع مستوى البحار.
والدلتا تتراجع حالياً نتيجة تسارع التآكل على الخط الساحلي. وهذا كان يعزى عموماً لعوامل بشرية وطبيعية. ويعتبر إنشاء السد العالي في أسوان (1962) واحتباس كمية كبيرة من الرسوبيات خلفه في بحيرة ناصر، العاملين الرئيسين المسببين للتآكل في دلتا النيل. كما أن احتباس كمية أخرى لا يستهان بها من رسوبيات النيل بسبب شبكة الري وقنوات التصريف الكثيفة، وفي الأراضي الرطبة شمال الدلتا، ساهم أيضاً بشكل كبير في تآكل الدلتا. وفي الوقت الحاضر، تنتقل كمية صغيرة فقط من رسوبيات نهر النيل نحو البحر لسد النقص على ساحل الدلتا في حافته الشمالية. وحتى الكمية الصغيرة جداً المتبقية من رسوبيات الدلتا التي تصل حالياً الى البحر المتوسط تزيلها التيارات البحرية المتجهة شرقاً.
بالإضافة الى ذلك، فإن انخساف الدلتا بين مليمتر و5 مليمترات سنوياً، نتيجة أسباب طبيعية واستخراج كثيف للمياه الجوفية، يؤثر في التآكل الساحلي الى أبعد الحدود. وهذا التأثير يظهر في صور القمر الاصطناعي، حيث يمكن رؤية التآكل الساحلي بوضوح قرب رأسي رشيد ودمياط. ويُظهر تحليل صور القمر الاصطناعي أن رأس رشيد، على وجه الخصوص، خسر 9,5 كيلومتر مربع تقريباً من مساحته وأن خطه الساحلي تراجع 3 كيلومتر داخل البر خلال 30 عاماً (1972 ـ 2003). وهذا يعني أن هذا الجزء من الدلتا يتراجع بمعدل ينذر بالخطر يبلغ نحو 100 متر في السنة.
وبموجب سيناريوات ارتفاع مستويات البحار، سوف يُفقد المزيد من دلتا النيل الى الأبد. ويصنف تحليل الاستشعار عن بعد ونظام المعلومات الجغرافية بعض المناطق في دلتا النيل المعرضة لخطر ارتفاع مستويات البحار متراً واحداً وللحالة القصوى لسيناريو ارتفاع مستويات البحار 5 أمتار. وبناء على هذه الصورة، يقدر أن ارتفاع متر واحد فقط سوف يغمر كثيراً من دلتا النيل، مغرقاً نحو ثلث (34%) أرضها، جاعلاً مدناً ساحلية هامة مثل الإسكندرية وإدكو ودمياط وبورسعيد في خطر كبير. وفي هذه الحالة، يقدر أن نحو 8,5 في المئة من سكان البلاد (7 ملايين نسمة) سوف ينزحون.
وفي الحالة القصوى لسيناريو ارتفاع مستويات البحار 5 أمتار، فإن أكثر من نصف (58%) دلتا النيل سوف يواجه تأثيرات مدمرة، من شأنها أن تهدد 10 مدن كبرى على الأقل (من بينها الإسكندرية ودمنهور وكفر الشيخ ودمياط والمنصورة وبورسعيد)، غامرة أراضي زراعية منتجة، ومجبرة نحو 14 في المئة من سكان البلاد (11,5 مليون نسمة) على النزوح الى مناطق أكثر اكتظاظاً جنوب منطقة دلتا النيل، ما يساهم في جعل مستويات معيشتهم أسوأ مما هي عليه.
*ايمان الغنيم أستاذة باحثة في مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن.

الأحد، ١٠ يناير، ٢٠١٠

فراشات نور وعطر

عندما كتبت لنفسى تهنئة وارسلتها عبر محيطى ، كنت افكر فى فراشات اخريات حائرات يشاركننى ايقاع حياتى اليومى ...خطواتنا تتناغم فى تحليق باتجاه النور والفرح ..تهنئتى هذه المرة لفراشتان اصبحتا تشاركننى ليالى وايام ملىء بالبهجة حينا وبالشجن حينا اخر، نتبادل ماهو ابعد من المشاعر وادق من الافكار ..نتجادل ونختلف ولكن روابط الود تبقى تجمعنا فى عالم واحد.. عندما بدات فى التدوين لم اعتقد بان محيطى سيحمل لى مخلوقات رقيقات ، ورائعات ، وبانهن سيمنحننى عالم مترع بالجمال الانسانى وعابق بالمودة والتشارك الحقيقى بدون انانية او لؤم ..عبر عالم افتراضى يقع بجانب عالمنا الارضى صرت اطوف معهن فى دروبه حيث الزمن والمكان غير عالمنا .. صارت علاقتى بهن مرسى للاستقرار فى عالم متفكك ومتغير من حولى ولكن فكرة وجودهن تمنحنى راحة وبهجة كبيرة .
اقول للعزيزة نسيم الروح التى احتفل بعيد ميلادها ال(... ) كل عام وانت فراشة تضوع سحر فى عالمى ...وللعزيزة زينا خدينة الروح التى وافق عيد ميلادها يوم الخميس الفائت عامك جمال وعذوبة ..اما لما رمزت لنفسى بانى فراشة ولصديقاتى كذلك، فهذا ربما هذا يرجع لتعلقى فى طفولتى بمنظر الفراشات وهى تحلق وسط الطبيعة الخلابة فى الجبل الاخضر حيث ينتشر نوع يطلق عليه تسمية الفراشة الصفراء لغلبة اللون الاصفر على لون اجنحتها الاربعة مع وجود بقع سوداء ، زرقاء ، حمراء وبعض خطوط الدقيقة السوداء ،تتغذاء على رحيق الازهار بشكل عام عندما تصبح فراشة ..
كنت فى طفولتى دائما احلم باصطياد احداها والاحتفاظ بها حية ولكن والدتى اخبرتنى بان تلك المخلوقات الرقيقة اذا حاولت الامساك بهن فى برطمان مقفل سيموتن مع مرور الوقت لانهن غير قادرات على العيش الا فى الطبيعة او فى الاماكن المفتوحة ، مما جعل ذلك الحلم يتحول الى امنية بان ارى تلك الفراشات ترفرف حولى دائما فهن فى خلقهن رقيقات سريعات العطب ،يمنحن الانسان متعة روحية عذبة، وقدوجدت مع مرور الوقت اننا نحن النساء نشبه تلك المخلوقات فنحن قد نتعرض للاذى بسهولة كما الفراشات، كما ان لكل امراة مذاق وطعم مختلف ،فالفراشات تتلون بكل ما يمكن تخيله من الألوان؛ فقد تكون ذات ألوان زاهية أو باهتة أو براقة ومنسقة، وبأنماط خيالية باهرة ..كما ان الفراشة تمر بدورة حياة تبدا من مرحلة البيضة ، ثم مرحلة اليرقة ، ثم مرحلة العذراء ، ثم حشرة كاملة ، ليكون بعدها قمة النضج فى مرحلة المغازلة والتزاوج ...الا نمر بهذه المراحل يافراشاتى الرقيقات ...نبقى حائرات فى بعض الاوقات ونحن نعبر من مرحلة لاخرى معتمدات على حدسنا فى تحسس طريقنا باتجاه نور الحقيقة ... لم تكن امنية طفولتى هى دافعى الوحيد للتعلق بهذه الحشرة الناعمة الجميلة المظهر ، مما جعل سقف غرفتى يكتسى بفراشات فسفورية تضىء ليلا ، وتحتل علبة تحمل فراشات مصنوعة من الحرير والعقيق الملون مكانها على مكتبى ، بل ربما هدية والدى رحمه الله فى عيد ميلادى الثامن لقلادة من الذهب تحمل فراشة ذات تشكيل رقيق جدا ، ومن يومها لم اخلعها ولم تفارقنى حتى هذه اللحظة بل اعتبرتها كايقونة حظ اتفائل بها ، كنت كلما وجدت نفسى اشتاق لبابا رحمه الله امسك قلادتى واتاملها او اقفل عيناى وانا استرجع عبر تلك الفراشة التى تطوق عنقى استرجع- كل ذكرياتى مع والدى وكل اوقاتنا الحلوة والغير جيدة .
..ومع مرور الوقت وانا اقلب فى كتب قديمة فى تخصصى وجدت بعض المعلومات الجميلة التى اردت مشاركتم اياها عن هذه الحشرة ليست من ناحية طبيعية ، بل من جوانب اخرى ، فقد وجدت الفراشة على كثير من أعمال الفن التى ترجع فى تاريخها ، أما الى العصور القديمة ، واما الى عصور اكثر حداثة وانما تستوحى من العصور القديمة ، حيث ترمز المرأة الموصولة باجنحة فراشة الى الروح أو الى خلود الروح . كذلك الأمر فعن الكلمة الاغريقية بسيشه psyche تعنى : نفخة الحياة ، روح ، فراشة ، وتتوضح هذه الرمزية بسبب استمرارية حياة الحيوان عبر اشكاله المختلفة ، انطلاقا من الأسروع (دودة الفراشة) حتى النفغة (عذراء الفراشة ) ومن النفغة الى الفراشة وكما ان الفراشة ، لكى تطير تخرج من سجن الذى هو النفق ، كذلك فإن الروح لا يمكنها ان تتفتح وتدرك الاعالى الا بانعتاقها من السجن الجسدى (افلاطون ) وبسيشه تصبح (الفراشة الملائكية ) رمزا ً للخلودا ً(كما يقول دانتى ) .. كما ان افلوطين اشار اليها فى مذهبه عن الخلود : ان هذا الزوج العاشق المنحوت على نواويس هو رمز تحرر الروح خارج المادة وعودة الانسان لوطنه السماوى الاصلى ، كما أنه يشاهد على نواويس اخرى صورة "اثينا " وهى بعث الروح للانسان المخلوق من قبل بروميثيوس تحت شكل فراشة ...العزيزات نسيم وزينا اتمنى لكن كل فرح الحياة وان تستمتعن بجمال دنيانا ..عيد ميلاكن عابق باريج مودتى دائما.

الإثنين، ٢١ ديسمبر، ٢٠٠٩

يوم كلنا ليلى


دعوة للمشاركة فى يوم كلنا ليلى

تحت شعار

موعد سنوي للتدوين حول قضايا المرأة العربية. مبادرة مفتوحة تدعوك إلى التعبير والحوار . من أجل مجتمع أفضل لك.‬


هى دعوة مفتوحة للمدونين والمدونات من عالمنا العربى ولمن لا يملك مدونة المشاركة فى هذا الاسبوع التدوينى الذى يبدا من يوم 24 وتسمتر المناسبة حتى 30 ديسمبر...هنا اوجه الدعوة للاصدقاء من بلدى ليبيا للتفاعل مع هذه المناسبة عبر طرح كل وجهات النظربموضوعية وحيادية .

الأحد، ٢٠ ديسمبر، ٢٠٠٩

عيد ميلادى ..ميلاد فراشة


يصادف يوم الثامن عشر من شهر ديسمبر

ذكرى قدومى لعالمنا الارضى ...

كنت دائما ارى نفسى فراشة حائرة

غادرت عالم سماوى

حيث يلاعبها سكان الغيم الابيض

وتعتلى صهوة الفجر الذهبى

والنجمات رفيقات العاب صبيانية

وقلبها يرقص طربا مع قوس القزح

مع مرور السنوات وتقدم الفراشة فى العمر..وكلما اقتربت من ضوء الحياة المبهر تشعر بان اجنحتها تكاد تذوب من حرارة ،ووهج الضوء الحارق فى بعض اللحظات ..كل عام وجزء من احلامى واحلامكم تتحقق

السبت، ٥ ديسمبر، ٢٠٠٩

إليجية الحزن برفقة هبينوس وتانتوس


من ذا الى يعرف مايخبئه له الغد حق المعرفة ؟ فها أنت أيضا ً،
ياخارميس ، يامن كنا نراه بالأمس رؤية العين ، نواريه فى يومنا
التالى التراب ودموعنا تغرقنا .
فما قاسى والدك ديوفون حزنا ً يفوق هذا قسوة
"الإبجراما** السادسة عشر، كاليماخوس القورينى"


اعود للتدوين من جديد بعد غياب قصير امتد قرابة الشهرين لاسباب عدة من بينها متابعة وضعى الصحى الذى تحسن كثيرا ولله الحمد ...اعود بهذه التدوينة التى حاولت قدر الامكان تجاهلها بموضوعها المؤلم ولكنى لم استطع فى النهاية الاان ادرج التدوينة ، فهى تأملاتى و خواطرى التى كنت اسجلها منذ سنوات طويلة عن الموت ..ربما يستغرب بعضكم الامر ...نعم عن الموت هذه المرة سأكتب فقد فقدت خالى الشقيق الوحيد لماما منذ حوالى الشهر، بعد ان انهكه ورم خبيث كان ينتشر فى جسده بسرعة كبيرة فى فترة اقل من العام ...كنت على علم بحالته الصحية انا وشقيقاى اللذان اطلعا على تقاريره ، لم نكن نريد لجدتى مزيد من الالم واحساس الفقد وانتظار النهاية رغم انها سيدة شديدة الايمان ربما حتى اكثر منا نحن المتعلمين ...كان الامر حزين حاولت خلال الاشهر الفائتة شغل نفسى وعقلى بكل شىء ..حتى لا افكر ...كنت آمل ان يقاوم المرض وان يهبه الله الشفاء ، ولكنها ارادة الله وحكمته ...وجدت نفسى فى ليلة الوفاة اقطع الطريق باتجاه الجبل الى درنة المدينة الجبلية الصغيرة حيث بيت جدى والد ماما ومسقط راسها وراس عائلتها ..وجدت نفسى فى تلك الليلة الحزينة على طريق مسافته حوالى ال500 كم تحت زخات المطر ووحشة الليل برفقة ماما وشقيقى ايمن وزوجته وطفلهما الرضيع اعيد التفكير فى الامر ...اننى مؤمنة بالله وبان لكل كتاب اجل ، ان الموت ليس نهاية العالم بل هو انتقال من الى مرحلة اخرى فهذه نظرة الاسلام الذى يحرض كل مسلم على ان يؤمن بان كل انسان سيحاسب بعد الموت على ما قدم في الحياة الدنيا،فالخير يجزى خيرا و الشر سوف يحاسبه الله بعد الموت " بلى من كسب سيئة و احاطت به خطيئة فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون،و الذين امنوا و عملوا الصالحات اؤلئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون" البقرة 81-82... ولكن للموت وجه اخر قد لا نراه فى غمرة الاحزان فى الفترة الاولى ....عبر تلك الطريق الطويلة كنت اراقب اضواء البيوت البعيدة التى تتلألا كالنجوم فى جوف السماء وهى تخبو وتلمع ، وظلال الاشجار تمتد على الطريق ...صوت المطر الغزير تلك الليلة دفعنى لاغماض عيناى واعادة الاستماع لصوت خواطرى القديمة ...حيث كنت اتذكر رحلات ليلية قطعتها فى سنوات فائتة لحضور جنازات خالات توفين شابات او جدىوالد بابا رحمهما الله او جدتى والدة بابا رحمه الله ، او جنازة بابا رحمه الله ، فقد دُفن خارج ليبيا ثم عدنا لنقيم المأتم فى راس التاج حيث بيت العائلة وكما تقتضى التقاليد القبلية لعائلتى ....عندما توفى والدى رحمه الله اصبت بما يشبه الصدمة الغريبة إذ وجدت نفسى ، فجأة وسط الجو الذى كنت اراقبه واكتب عنه من الخارج ، ورغم احاسيس الحزن ، الا اننى كنت انسحب من العزاء لاسجل ملاحضاتى التى باتت هاجسا ً لافكاك منه ، والغريب اننى بعد رحيل أبى ، ظللت عاجزة عن البكاء لعدة أسابيع ولعل الكتابة كانت هى طريقتى فى البكاء والرثاء ...رغم ترك غيابه المفاجىء فراغا ً فى حياتى ، لكنه حافظ على الحبل الممدود بينى وبينه....فى ايام المأتم الاولى كنت اصغى للنساء اللائى يأتين لتقديم واجب العزاء ، اصغى لصوت بكائهن كنت اتسائل بينى وبين نفسى من اين يأتين بهذه القدرة على البكاء الحزين ... لم يكن هناك مظاهر للعزاء على طريقة الجاهلية القديمة لان ماما واعمامى منعوا حصول ذلك ... وان لم يكن بالامكان منع بعضهن من البكاء على طريقة اهل البادية....مع تكرار الامر على مدى ايام طويلة وجدت ان اصواتهن العذبة الحزينة لم تفارقنى حتى عند عودتى لبيتنا ببنغازى ...كنت كلما اغمضت عيناى اجد حضور الاصوات الباكية الحزينة تتشكل فى سقف حجرتى ارواح شفافة تروى عبرظلالها قصص فقد واشتياق ولوعة ، تعيد رثاء الميت وتشفق على وحشته ووحشة احباءه من بعده ، ترسم عالم اخر غامض ..فى وقت لاحق اكتشفت ان اسلوب رثاءهن هى تقاليد ممتدة عبر آلاف السنين ..وصلنا الى بيت جدى فى درنة قرابة الساعة 4 صباحا ، لنجد حزن شفيف يسيطر على البيت ...استقبلنا خالاتى وبناتهن وزوجات اخوالى وبناتهن وبعض سيدات العائلة المتقدمات فى السن ...جدتى كانت تجلس هادئة تمسك بمسبحتها...نمت لثلاث ساعات بجانب ماما فى غرفة اصغر خالاتى ، لم يكن هناك لا احلام ولا كوابيس ولا شىء ، نوم بلا مذاق او رائحة .....لاستيقظ فى الساعة ال7 على اصوات تلاوات القرآن الكريم من غالبية نساء البيت ، فالعادة فى اسرة ماما المتصوفة لا تخرج الجنازة الا على تلاوة القرآن الكريم ، فلا نواح ولا بكاء بصوت مرتفع ..مراليوم الاول والثانى دون ان اشعر بالوقت ، لانى كنت اغيب فى دروب الذكريات ...كنت استقبل النساء المعزيات مع ماما وخالاتى ...ثم اجد نفسى اجلس تحت العريشة او بجانب شجرة ياسمين نسرى حيث كان يجلس خالى رحمه الله ليتأمل منظر الجبل المحيط بالمدينة او يرسم ، فهو مغرم بالرسم وكان يقضى الكثير من وقته يرسم او يعلمنا ونحن اطفال الكثير من اسرار الالوان وكيفية الامساك بالخطوط العامة لاى مشهد ...لم ابرع الا فى التذوق للفنون التشكيلية ، وكنت خيبة فى ان اكمل رسم بدأتها تحت اشرافه ..فى الليلة ال3 وبعد ان اصبحت الحركة اخف ليلا فى البيت ، وجدت نفسى اشارك قريبات والدتى المتقدمات فى السن فى جلسة ذكريات عن المأتم فى درنة فى الزمن القديم ، اى قبل 4او 5عقود وماذا كان يتم فيها ...احدى تلك السيدات وهى عجوز فى ال86 من عمرها كانت تروى قصص وطرائف تحصل فى مجالس العزاء للدرناويات..حيث قالت : " احدى النساء عندما ابُلغت عن وفاة قريبها لم تجد رماد موقد لتضعه على راسها ، فهرعت الى الكانون (وسيلة تدفئة محلية) لتقوم بذر رماده فكانت فيه بضع جمرات مازالت مشتعلة ثم انطلقت لبيت المتوفى حيث شاركت فى الصراخ والنحيب ونسيت تماما ما وضعته على راسها الذى اشتعلت فيه النار ببطء ليتحول الامر الى كارثة بالنسبة لها ...فقد اصيبت بحروق وتورم فى الراس انتهى بموتها "...وقصة اخرى عن امراة كانت تقوم بالندب والقرع على الصندوق الذى يوضع فى وسط البيت ، وكانت كلما قامت بالضرب بعصاها على الصندوق كلما قامت حمامة من حمامات البيت بترك فضلاتها على راس تلك السيدة ...استمرت القصص والحكايات التى دفعنى بعضها للمقارنة فى عقلى ماقراته سابقا ًعن مراسم وطقوس العزاء القديمة فى بلادنا وحتى فى بعض الدول العربية المقاربة لنا .....ففى مدينة كدرنة متنوعة الاعراق والاديان كانت توجد جالية يهودية كبيرة العدد ، ولهم كنيس ومقبرة وشوارع مقفلة خاصة بهم ....بالاضافة لوجود بعض المسيحيين من طوائف متنوعة ..كما ان المدينة المفتوحة باتجاه بعض الموانىء اليونانية والتركية وساحل الشام كانت احيانا تتسرب اليها جزء من عادات الاخرين .....عندما وجدتنى الحاجة حميدة (احد عجائز العائلة ) مهتمة بالموضوع اخذت تسرد على مراحل اقامة طقوس العزاء ...اذ فور وقوع الموت وابلاغ اهل الميت ، يتم نصب صندوق وسط البيت ويجتمع النساء كى تقام عليه المناح ، وفى بعض الحالات يتم استئجار ندابة لترثى الميت وتعدد مناقبه ، بالاضافة لقيام كل من تاتى معزية بمسح وجهها بسواد القدور او نثر رماد المواقد على رؤسهن ، وتمزيق جزء من ثيابهن..هنا يستحضرنى ما قد سجلت المس توللى جزء من العادات القديمة لاسر الليبية التى تفجع فى احد افرادها من خلال تقديم وصف دقيق ضمن سلسلة رسائلها اثناء وجودها فى طرابلس لمدة عشرة اعوام (783- 1793م) فى بيت السفير الانجليزى باعتبارها فرد فى اسرة السير توللى ، وهيا تسجل حادثة ابلاغ اسرة السفير الليبى عبد الرحمن آغا بوفاة رب الاسرة سعادة السفير عبد الرحمن فى مراكش فى سن متقدمة ...حيث تصف لنا المس توللى كيفية وصول الخبر، وطريقة إبلاغه للأسرة فى رسالتها بتاريخ 22 نوفمبر 1792 م ، فتقول : " ولإطلاعك على المزيد من الآداب الإجتماعية لهذه البلاد ، فى مثل هذه المناسبات أروى لك ماوقع حين وصلت الأنباء إلى القلعة عن موت السفير ، أراد الباشا أن يعبر عما يكنه من صداقة وإخلاص للمتوفى عبد الرحمن وعن احترامه وتحياته لأسرته ، فأرسل الجوارى السوداوات والخادمات ، وأمرهن فى اللحظة التى يصلن فيها وسط منزل عبد الرحمن أن يعولن ويصرخن بصوت واحد ، وهذا ماقامت به الجوارى والخادمات فعلا ،سمعت اللالة خدوجة (ابنته ) والإغريقية (زوجته ) الضجة ، فخرجتا مذعورتين من حجرتيهما لتعرفا السبب ، وسرعان ما أحاطت الجوارى بالإغريقية ، وسحبن رداءها الذى يغطى جسدها ورمينه بعيدا ً بغضب وهياج على الأرض ، وجردنها من أقراطها ، وطرحنها أرضا ً ونزعن عنها مجوهراتها وحليها ، وهن يولون ويصرخن :" أصرخى واندبى زوجك " .وقلن للالة خدوجة التى وقفت جثة هامدة بلا حراك " أعولى وابكى اباك ، أندبى الحاج عبد الرحمن ، لقد مات " ثم انطلقت الجوارى يندبن ويصرخن ويرددن " ووه على ووه " بهذه الطريقة التى وصفت لك علمت اللالة منانى واللالة خدوجة بفقيدهما " ..تواصل المس توللى وصفها للموقف قائلة ً : " حين دخولنا المنزل وجدناه مكتظا ً بحشد هائل من الناس الذين جاءوا لتقديم التعازى ، كانت شقيقات السفير ، وقريبات أخريات ، وأرملته وكريماته اللائى فجعن بفقيدهن غارقات فى خضم النكبة والحزن ، فبالإضافة إلى أحزانهن التى أقضت مضاجعهن ، فقد تغيرت أشكالهن وملامح وجوههن تغيرا ً كاملا ً......كانت أرملة الحاج عبد الرحمن تبكى وتنتحب على الصندوق المرفوع وسط البيت ، حيث الجوارى السوداوات حولها يولولن وينتحبن على فقيدها ....نثرت الالة منانى وكريمة عبد الرحمن الكبرى الرماد على رأسيهما إلا أن كريمته الصغرى كانت مغطاة بالرماد تقريبا ً ، وازدادت آلام الأسرة ومآسيها بعويل صديقاتهن وصراخ السيدات الغريبات ونحيبهن المخيف المفجع " .ثم تواصل سرد بقية مراحل وطقوس العزاء وعلامات الحداد لاسرة المتوفى ، فتتطرق لعدة المرأة المسلمة قائلا ً:" " أتمت السيدة زوجة المتوفى المآتم والطقوس الجنائزية عندما لبست رداء الحداد حيث ذهبت اللالة منانى مع جواريها وخادماتها وأخفت جسمها تماما بعدد من الأغطية التى تلبسها إلى ساحل البحر، حيث كان شعرها ممشطا ً بمشط الذهب ، وكانت ضفائرها مربوطة بحرير أبيض ، بدلا ً من الشريط الأسود فوضعت عصابة بيضاء اللون على جبينها بدلا ً من عصابة ذهبية مزخرفة بالجواهر ، كانت تلبسها فى العادة ،إن الفترة المحددة لعدة أرملة هو أربعة أشهر وعشرة أيام .بعد انتهاء تلك المدة ، تذهب اللالة منانى ثانية إلى ساحل البحر ، تحمل معها نفس المشط الذى استعملته ، وأربع بيضات طرية ، تعطى البيض لأول شخص تصادفه ، ويكون مضطرا ً لقبوله ، حتى ولو كان الباشا نفسه ، تتصور أنها بالبيض تتخلص من كل النحس والشؤم وسوء الطالع .ولذا فلايحب شخص قبولها ، ولكن لازالت هذه العادة الاجتماعية قائمة ، ويتبعها الناس بحيث لا يفكر أى شخص فى رفضها . تتقدم عندئذ إلى ساحل البحر حيث يمشط شعرها للمرة الثانية ، وترمى المشط فى البحر بنفسها ، وحينئذ وليس قبل ذلك يصبح لها كل الحرية فى الزواج ثانية " أى أنها بهذا تخرج من فترة العدة الشرعية .وهذا الامر ماكان يحصل قديمة بحسب رواية الحاجة حميدة حيث ان زوجة الميت او بنات الميت وكذلك قريباته يمتنعن عن الالبسة الزاهية ولا يتزين ، ويقام العزاء فى بيت الميت ثلاثة ايام تقرا فيها أوراد خاصة تسمى التاليف ويقدم طعام العشاء فى الايام الثلاثة للمعزين ، ولا يزار قبر الميت الا فى المناسبات الدينية .الى جانب ذلك كان يقام بالنسبة لجانب الخاص بالرجال طقوس جنائزية حيث يحترف البعض مهة تغسيل الميت واساليب الدفن والتلقين ، ومايجب أن يرد به الميت ثابتا ً ، فى مواجهة محكمته أو محاكمته حين يزوره ملكان الموت ليستجوبانه فى قبره عن ربه ودينه ، وكاره وذنوبه ، وتوبته ، وربما الطريقة الصوفية التى كان ينتمى إليها ، وأى عهد أخذ ، وعلى من من الأولياء ....ويمتنع الرجال عن حلق لحيهم وشعورهم والتطيب او التعطر طيلة فترة الحداد التى قد تمتد الى فترة العام...هنا خطر ببالى معلومة سبق وان قراتها عن مراسم الحداد لدى يهود ليبيا حيث يمتنع الرجال عن ازالة لحاهم لمدة 3اشهر ، واما النساء فكن يلبسن ملابس مغسولة بالماء والنطرون (مادة تستعمل قديما فى الغسيل ) .. كما ان النساء بعد اعلان الوفاة يندفعن فى الصراخ واخراج الصندوق الذى كان الميت يحفظ فيه اغراضه الخاصة ، ويحولنه الى طبل ، يتجمعن حوله ويظللن ينقرن عليه بالايدى والعصى مع ترديد بعض الأناشيد الجماعية ، بالاضافة لجرح وجوههن حتى ينزف منها الدم واطلاق شعورهن ....وكن الندابات الشهيرات فى درنة من الطائفة اليهودية ...ويتكرر الامر فى مدن ليبية اخرى كطرابلس وبنغازى بحسب ما قراته فى المراجع والكتب التى تتناول الجانب الاجتماعى لليبين قبيل الاستقلال فى الخمسينيات .....انتهت ايام العزاء ال3 وفى اليوم الخامس غادرت برفقة اشقائى الى بنغازى تاركين والدتى فى بيت جدتى كى تواسياها وتسرى عنها ....فى طريق العودة انطلقنا كقافلة واحدة غالبية خوالى القادمين من بنغازى او من طرابلس ..غادرنا درنة فى الصباح الباكر ونسمات الريح الباردة تلسع وجوهنا ..وحالة صمت تخيم على الجميع ...فى طريق العودة عبر كرسة – راس الهلال ثم الى سوسة كى نقوم بايصال احدى القريبات الى هناك ، وجدت فى طريق صعودنا باتجاه كرينيى الاغريقية فى مواجهة اكبر مدن للموتى فى العالم القديم تمتد على سفوح الجبل الاخضر ....كنت اتأمل المشهد امامى قبور جماعية واخرى فردية ومدافن فخمة والبعض يبدو عليها بساطة حال صاحبها ...لم تفارقنى تلك الاجواء رغم جمال الطبيعة وبهجة الطقس البارد ...الا ان افكارى تجاه الموت وتقاليده جعلتنى بعد رجوعى للبيت ببضع ايام اخرج اوراق قديمة كنت سجلت فيها جزء من تلك الملاحظات عندما كنت اقضى وقتى اتجول فى تلك الربوع ....كانت تسلينى اساطير اغريق المنطقة حول خارون صاحب القارب الذى يجب ان يتم دفع اجرته كى يقوم بنقل الميت الى عالم هاديس ملك العالم السفلى ...كنت فى ايامى الاولى فى بنغازى اترنح بين حالات الحزن والتأمل والكتابة والتوقف عند مقابر الطائفة المسيحية فى حى الفويهات او ادور حول مقبرة سيدى خريبيش القديمة ...كنت احاول منع نفسى من الكتابة او الاستمرار فى ترتيب افكارى حول تاريخية المراسم الجنائزية فى برقة او مدن الجبل الاخضر الاغريقية الطابع الممتزجة بخليط من التقاليد المحلية ... الا اننى لم انجح فى ذلك ، لم اجد الا صديقتى الرائعة نيدييتوا كى اخبرها عن ما اريد فعله عندما كررت سؤالها عن توقفى عن الكتابة او التدوين ، اجبتها : انتى تعرفين ياعزيزتى ما كنت امر به خلال الاشهر الفائتة ، بالاضافة الى اننى خجلة من اخبارك اننى اكتب حول الموت ..جاءنى ردها الهادىء المتزن ، ولما لا ، اكتبى وانشرى ربما تتخطين جزء مما علق بروحك من الامر ...نعم احس بان الكتابة حالة ولادة ثانية بالنسبة لى او كالذهاب الى البحر لقذف كل مايضايقنا او يكدر صفونا ...اعذرونى مرة اخرى لانى هنا اكدر صفاءكم ، لكن اوراقى القديمة كانت تحمل لى امور احببت مشاركتم اياها وقد ادهشنى بعض الجزئيات المتشابهة بين القديم والحديث .. كان الاعتقاد السائد بالنسبة للناس فى تلك الفترة القديمة أن الأموات يعيشون فى عالم سفلى يقع تحت الارض أو مايسمى هاديس ويمكن النزول إليه عن طريق بحيرة أشيروزيا التى تقع فى إبيروس الجنوبية ...حيث تستقر الأرواح بعد الموت وتظل تحيا فيه ويصوره الكتاب الكلاسيكيين بأنه ملىء بالأنهار والبحيرات التى تفصل مكان وآخر وأنه مظلم لا تدخل الشمس ....ويتم وضع ارشادات بالنسبة للميت بعد ان يتم وضع قطعة نقدية فى فمه كأجرة نقله فى قارب خيرون حارس عالم هاديس ...هنا يشد انتباهى هذه الارشادات "...سوف تجد فى بيت هاديس على اليمين ينبوع ماء بالقرب منه شجرة صفصاف بيضاء ، لا تقترب من هذا الينبوع ، ثم تجد بعد ذلك ماء ً باردا ً يجرى من بحيرة الذاكرة ، يقف عنده حراس يسألونك ماذا تريد ، قل لهم الحقيقة كلها ، قل لهم أنى طفل من الأرض والسماء ذات النجوم ، واسمى استيريو وقد جف حلقى من العطش ، دعونى أشرب من الينبوع .." فى ذلك العالم السلفى تتم محاكمة الاموات عما اقترفوه فى حياتهم يتولى هذه المحاكمة قضاة او زيوس كبير الالهة الاغريقية او هاديس بنفسه ، وتتقرر بعد المحاكمة مصير الارواح فالاشرار سيكون مصيرهم فى الهاوية التى تسمى تارتاروس الواقعة اسف هاديس ، حيث ينالون أقصى العقوبات ويكفرون عن ذنوبهم ، أما الأخيار فالشائع أنهم يعيشون فى حقول الإليزيون التى تقع عند مدخل عالم هاديس ومن يسكن بها يعيش فى سعادة دائمة ....أما عن طقوس الدفن والعادات الجنائزية فى المنطقة ، فهى تسمى (كيدييا) وتمر بثلاث مراحل أساسية هى تجهيز الميت وغرضه ثم موكب الجنازة وأخيرا ً عملية الدفن ...فعند وفاة الشخص يقوم أقاربه إغلاق عينيه ، وقفل فمه ، وذلك لانها تحمل معنى روحيا ً للاعتقاد بأن قفل العيون يمثل ضمانا ً لتحرر الروح من البدن ، وان ترك العيون مفتوحة يوحى بالحياة...ومن ثمة يقمن نساء البيت من قريبات الميت اللائى تجاوزن ال60 عاما ً بغسل الميت وتجهيزه وذلك بدلك الجسد بالاسفنجة والمياه المقدسة التى تجلب من نبع المدينة ثم يتم دهن الجسد بالزيوت العطرية ، وبعدها يتم تكفينه أما بملابسه او بكفن من الكتان حيث يترك الراس عاريا ً ، اما النساء فكن يتم تزيينهن بحليهن ، كما يتم وضع أكاليل من ورق الزيتون أو من الذهب او البرونز بحسب القدرة المالية للميت ...وبعد انجاز هذه الاستعدادت يوضع على سرير خشبى أو نعش وتحت رأسه وسادة وأقدامه فى اتجاه الباب .. ثم يصبح الميت جاهز لعرضه فى ساحة مفتوحة فى البيت وكانت تستمر ايام بحسب المكانة الاجتماعية ، ثم اصبحت تستغرق يوم واحد ، ويرجح بعض الباحثين ان اطالة ايام العرض لتمكن من حفر القبر وتجهيزه ....وكان يتم الاجتماع حول نعش الميت افراد اسرته واقاربه ويقومون إضافة إلى الأشخاص الذين يتوافدون على البيت بممارسة طقس النواح والعويل ، وقد يتم ذلك بواسطة النادبات المستأجرات من خلفه وهم يرفعون أيديهم ويضربون صدورهم وتقطع النساء شعورهن ويلطمن خدودهن ويضعن الرماد على رؤوسهن ، طبعا امكان لنا كباحثين معرفة كل هذه الطقوس والتقاليد الجنائزية من الرسومات على الاوانى الفخارية ....وبعد اكمال ممارسة تلك القطوس ببيت الميت يتم وضعه فى نعشه استعدادا ً لنقله فى اليوم التالى والتى تسمى (إكفورا ) وهى تبدأ قبل شروق الشمس لاعتقاد بان اشعة الشمس قد تساهم فى تحلل الجثمان ..وكان ينطلق الموكب من البيت حيث يحمل النعش اخوة الميت او اقاربه من الرجال ويرافق الموكب اقرب اقارب الميت كالوالدين او الزوجة او الزوج او الابناء واقرب الاصدقاء، بالاضافة لنساء الاسرة المتقدمات فى السن يرافقهم موكب النائحات وان كانت بعض الاماكن فى العالم الاغريقى تشترط أن يحمل الميت فى صمت ...عبر الدروب والازقة الضيقة منعا ً للضجيج فى المدينة ...ثم يتم انزاله فى القبر المفتوح او يتم احراق جثمان الميت وذلك بحسب الرغبة الشخصية وان نلاحظ من كثرة القبور فى كرينيكى او فى الريف المحيط بالمدينة تنتشر الكثير من القبور الفرادية والجماعية .....وكانت الالهة المصاحبة لهذه المرحلة فى عملية الدفن تُسمى هبينوس (اله النوم ) ، تانتوس (اله الموت ) وبذلك يرمز اسطوريا ً الى أن الموت ماهو الا نومة أبدية ...اما بعد الدفن فأن افراد اسرة الميت يباشروا القيام باعداد الوليمة الجنائزية حيث يأتى الاقارب فقط ، الذين كانوا يساهمون فى اعداد الوليمة وذلك لان الطقوس تمنع اهل الميت من ايقاد النار فى البيت طيلة فترة الحداد ، وكما انهم يتركون أهل الميت لأحزانهم ..وفى اليوم الرابع يتم اعادة ايقاد النار وتقديم قربان لربة الموقد هستيا ...وتختلف فترة الحداد من اسرة لاخرى ، فقد تصل الى اربعة اشهر بالنسبة للرجال وخمسة للنساء ، وكان يفرض على النساء اللون القاتم أما للرجال والاطفال فكان اللون الابيض أو الاسود ويقص الشعر تعبير عن الحزن...وفى نهاية تلك الفترة يتم تقديم وجبة طعام تسمى (كاثيدرا)...ليعود أهل الميت للمراسة حياتهم العادية ...دون قطع صلتهم بالميت وذلك عبر تذكره بشكل سنوى فى احتفال سنوى يقام فى الجبانة بمناسبة الذكرى السنوية لدفنه او ميلاده ...واخيرا ايها المبحرين فى محيطى .. لست بمعاندة لحكم الله ولا لمشيئته ..ربما هى سيطرة حالة الباحثة عن مكونات شخصيتنا كالليبيين هو مادفعنى هنا لتدوين مادونته ....اسال الله الرحمة لخالى ولكل سائر المسلمين ....ولا اراكم الله مكروها فى حبيب .

*إليجية :احد اوزان الشعر المستخدمة فى الفترة البطلمية فى اقليم كرينى حيث يستخدمونه الشعراء والكتاب فى كتابة موضوع قصصى ، وكان كاليماخوس القورينى احد اشهر من استخدموه .
**الإبجراما هى قصائد قصيرة استخدمها القدماء على شواهد القبور او فى الاهداءات للتعبير عن مواضيع شتى كالحزن والفرح وغيرها وكان كاليماخوس من أعظم من كتب بها اعماله الشعرية .