السبت، ٥ ديسمبر، ٢٠٠٩

إليجية الحزن برفقة هبينوس وتانتوس


من ذا الى يعرف مايخبئه له الغد حق المعرفة ؟ فها أنت أيضا ً،
ياخارميس ، يامن كنا نراه بالأمس رؤية العين ، نواريه فى يومنا
التالى التراب ودموعنا تغرقنا .
فما قاسى والدك ديوفون حزنا ً يفوق هذا قسوة
"الإبجراما** السادسة عشر، كاليماخوس القورينى"


اعود للتدوين من جديد بعد غياب قصير امتد قرابة الشهرين لاسباب عدة من بينها متابعة وضعى الصحى الذى تحسن كثيرا ولله الحمد ...اعود بهذه التدوينة التى حاولت قدر الامكان تجاهلها بموضوعها المؤلم ولكنى لم استطع فى النهاية الاان ادرج التدوينة ، فهى تأملاتى و خواطرى التى كنت اسجلها منذ سنوات طويلة عن الموت ..ربما يستغرب بعضكم الامر ...نعم عن الموت هذه المرة سأكتب فقد فقدت خالى الشقيق الوحيد لماما منذ حوالى الشهر، بعد ان انهكه ورم خبيث كان ينتشر فى جسده بسرعة كبيرة فى فترة اقل من العام ...كنت على علم بحالته الصحية انا وشقيقاى اللذان اطلعا على تقاريره ، لم نكن نريد لجدتى مزيد من الالم واحساس الفقد وانتظار النهاية رغم انها سيدة شديدة الايمان ربما حتى اكثر منا نحن المتعلمين ...كان الامر حزين حاولت خلال الاشهر الفائتة شغل نفسى وعقلى بكل شىء ..حتى لا افكر ...كنت آمل ان يقاوم المرض وان يهبه الله الشفاء ، ولكنها ارادة الله وحكمته ...وجدت نفسى فى ليلة الوفاة اقطع الطريق باتجاه الجبل الى درنة المدينة الجبلية الصغيرة حيث بيت جدى والد ماما ومسقط راسها وراس عائلتها ..وجدت نفسى فى تلك الليلة الحزينة على طريق مسافته حوالى ال500 كم تحت زخات المطر ووحشة الليل برفقة ماما وشقيقى ايمن وزوجته وطفلهما الرضيع اعيد التفكير فى الامر ...اننى مؤمنة بالله وبان لكل كتاب اجل ، ان الموت ليس نهاية العالم بل هو انتقال من الى مرحلة اخرى فهذه نظرة الاسلام الذى يحرض كل مسلم على ان يؤمن بان كل انسان سيحاسب بعد الموت على ما قدم في الحياة الدنيا،فالخير يجزى خيرا و الشر سوف يحاسبه الله بعد الموت " بلى من كسب سيئة و احاطت به خطيئة فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون،و الذين امنوا و عملوا الصالحات اؤلئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون" البقرة 81-82... ولكن للموت وجه اخر قد لا نراه فى غمرة الاحزان فى الفترة الاولى ....عبر تلك الطريق الطويلة كنت اراقب اضواء البيوت البعيدة التى تتلألا كالنجوم فى جوف السماء وهى تخبو وتلمع ، وظلال الاشجار تمتد على الطريق ...صوت المطر الغزير تلك الليلة دفعنى لاغماض عيناى واعادة الاستماع لصوت خواطرى القديمة ...حيث كنت اتذكر رحلات ليلية قطعتها فى سنوات فائتة لحضور جنازات خالات توفين شابات او جدىوالد بابا رحمهما الله او جدتى والدة بابا رحمه الله ، او جنازة بابا رحمه الله ، فقد دُفن خارج ليبيا ثم عدنا لنقيم المأتم فى راس التاج حيث بيت العائلة وكما تقتضى التقاليد القبلية لعائلتى ....عندما توفى والدى رحمه الله اصبت بما يشبه الصدمة الغريبة إذ وجدت نفسى ، فجأة وسط الجو الذى كنت اراقبه واكتب عنه من الخارج ، ورغم احاسيس الحزن ، الا اننى كنت انسحب من العزاء لاسجل ملاحضاتى التى باتت هاجسا ً لافكاك منه ، والغريب اننى بعد رحيل أبى ، ظللت عاجزة عن البكاء لعدة أسابيع ولعل الكتابة كانت هى طريقتى فى البكاء والرثاء ...رغم ترك غيابه المفاجىء فراغا ً فى حياتى ، لكنه حافظ على الحبل الممدود بينى وبينه....فى ايام المأتم الاولى كنت اصغى للنساء اللائى يأتين لتقديم واجب العزاء ، اصغى لصوت بكائهن كنت اتسائل بينى وبين نفسى من اين يأتين بهذه القدرة على البكاء الحزين ... لم يكن هناك مظاهر للعزاء على طريقة الجاهلية القديمة لان ماما واعمامى منعوا حصول ذلك ... وان لم يكن بالامكان منع بعضهن من البكاء على طريقة اهل البادية....مع تكرار الامر على مدى ايام طويلة وجدت ان اصواتهن العذبة الحزينة لم تفارقنى حتى عند عودتى لبيتنا ببنغازى ...كنت كلما اغمضت عيناى اجد حضور الاصوات الباكية الحزينة تتشكل فى سقف حجرتى ارواح شفافة تروى عبرظلالها قصص فقد واشتياق ولوعة ، تعيد رثاء الميت وتشفق على وحشته ووحشة احباءه من بعده ، ترسم عالم اخر غامض ..فى وقت لاحق اكتشفت ان اسلوب رثاءهن هى تقاليد ممتدة عبر آلاف السنين ..وصلنا الى بيت جدى فى درنة قرابة الساعة 4 صباحا ، لنجد حزن شفيف يسيطر على البيت ...استقبلنا خالاتى وبناتهن وزوجات اخوالى وبناتهن وبعض سيدات العائلة المتقدمات فى السن ...جدتى كانت تجلس هادئة تمسك بمسبحتها...نمت لثلاث ساعات بجانب ماما فى غرفة اصغر خالاتى ، لم يكن هناك لا احلام ولا كوابيس ولا شىء ، نوم بلا مذاق او رائحة .....لاستيقظ فى الساعة ال7 على اصوات تلاوات القرآن الكريم من غالبية نساء البيت ، فالعادة فى اسرة ماما المتصوفة لا تخرج الجنازة الا على تلاوة القرآن الكريم ، فلا نواح ولا بكاء بصوت مرتفع ..مراليوم الاول والثانى دون ان اشعر بالوقت ، لانى كنت اغيب فى دروب الذكريات ...كنت استقبل النساء المعزيات مع ماما وخالاتى ...ثم اجد نفسى اجلس تحت العريشة او بجانب شجرة ياسمين نسرى حيث كان يجلس خالى رحمه الله ليتأمل منظر الجبل المحيط بالمدينة او يرسم ، فهو مغرم بالرسم وكان يقضى الكثير من وقته يرسم او يعلمنا ونحن اطفال الكثير من اسرار الالوان وكيفية الامساك بالخطوط العامة لاى مشهد ...لم ابرع الا فى التذوق للفنون التشكيلية ، وكنت خيبة فى ان اكمل رسم بدأتها تحت اشرافه ..فى الليلة ال3 وبعد ان اصبحت الحركة اخف ليلا فى البيت ، وجدت نفسى اشارك قريبات والدتى المتقدمات فى السن فى جلسة ذكريات عن المأتم فى درنة فى الزمن القديم ، اى قبل 4او 5عقود وماذا كان يتم فيها ...احدى تلك السيدات وهى عجوز فى ال86 من عمرها كانت تروى قصص وطرائف تحصل فى مجالس العزاء للدرناويات..حيث قالت : " احدى النساء عندما ابُلغت عن وفاة قريبها لم تجد رماد موقد لتضعه على راسها ، فهرعت الى الكانون (وسيلة تدفئة محلية) لتقوم بذر رماده فكانت فيه بضع جمرات مازالت مشتعلة ثم انطلقت لبيت المتوفى حيث شاركت فى الصراخ والنحيب ونسيت تماما ما وضعته على راسها الذى اشتعلت فيه النار ببطء ليتحول الامر الى كارثة بالنسبة لها ...فقد اصيبت بحروق وتورم فى الراس انتهى بموتها "...وقصة اخرى عن امراة كانت تقوم بالندب والقرع على الصندوق الذى يوضع فى وسط البيت ، وكانت كلما قامت بالضرب بعصاها على الصندوق كلما قامت حمامة من حمامات البيت بترك فضلاتها على راس تلك السيدة ...استمرت القصص والحكايات التى دفعنى بعضها للمقارنة فى عقلى ماقراته سابقا ًعن مراسم وطقوس العزاء القديمة فى بلادنا وحتى فى بعض الدول العربية المقاربة لنا .....ففى مدينة كدرنة متنوعة الاعراق والاديان كانت توجد جالية يهودية كبيرة العدد ، ولهم كنيس ومقبرة وشوارع مقفلة خاصة بهم ....بالاضافة لوجود بعض المسيحيين من طوائف متنوعة ..كما ان المدينة المفتوحة باتجاه بعض الموانىء اليونانية والتركية وساحل الشام كانت احيانا تتسرب اليها جزء من عادات الاخرين .....عندما وجدتنى الحاجة حميدة (احد عجائز العائلة ) مهتمة بالموضوع اخذت تسرد على مراحل اقامة طقوس العزاء ...اذ فور وقوع الموت وابلاغ اهل الميت ، يتم نصب صندوق وسط البيت ويجتمع النساء كى تقام عليه المناح ، وفى بعض الحالات يتم استئجار ندابة لترثى الميت وتعدد مناقبه ، بالاضافة لقيام كل من تاتى معزية بمسح وجهها بسواد القدور او نثر رماد المواقد على رؤسهن ، وتمزيق جزء من ثيابهن..هنا يستحضرنى ما قد سجلت المس توللى جزء من العادات القديمة لاسر الليبية التى تفجع فى احد افرادها من خلال تقديم وصف دقيق ضمن سلسلة رسائلها اثناء وجودها فى طرابلس لمدة عشرة اعوام (783- 1793م) فى بيت السفير الانجليزى باعتبارها فرد فى اسرة السير توللى ، وهيا تسجل حادثة ابلاغ اسرة السفير الليبى عبد الرحمن آغا بوفاة رب الاسرة سعادة السفير عبد الرحمن فى مراكش فى سن متقدمة ...حيث تصف لنا المس توللى كيفية وصول الخبر، وطريقة إبلاغه للأسرة فى رسالتها بتاريخ 22 نوفمبر 1792 م ، فتقول : " ولإطلاعك على المزيد من الآداب الإجتماعية لهذه البلاد ، فى مثل هذه المناسبات أروى لك ماوقع حين وصلت الأنباء إلى القلعة عن موت السفير ، أراد الباشا أن يعبر عما يكنه من صداقة وإخلاص للمتوفى عبد الرحمن وعن احترامه وتحياته لأسرته ، فأرسل الجوارى السوداوات والخادمات ، وأمرهن فى اللحظة التى يصلن فيها وسط منزل عبد الرحمن أن يعولن ويصرخن بصوت واحد ، وهذا ماقامت به الجوارى والخادمات فعلا ،سمعت اللالة خدوجة (ابنته ) والإغريقية (زوجته ) الضجة ، فخرجتا مذعورتين من حجرتيهما لتعرفا السبب ، وسرعان ما أحاطت الجوارى بالإغريقية ، وسحبن رداءها الذى يغطى جسدها ورمينه بعيدا ً بغضب وهياج على الأرض ، وجردنها من أقراطها ، وطرحنها أرضا ً ونزعن عنها مجوهراتها وحليها ، وهن يولون ويصرخن :" أصرخى واندبى زوجك " .وقلن للالة خدوجة التى وقفت جثة هامدة بلا حراك " أعولى وابكى اباك ، أندبى الحاج عبد الرحمن ، لقد مات " ثم انطلقت الجوارى يندبن ويصرخن ويرددن " ووه على ووه " بهذه الطريقة التى وصفت لك علمت اللالة منانى واللالة خدوجة بفقيدهما " ..تواصل المس توللى وصفها للموقف قائلة ً : " حين دخولنا المنزل وجدناه مكتظا ً بحشد هائل من الناس الذين جاءوا لتقديم التعازى ، كانت شقيقات السفير ، وقريبات أخريات ، وأرملته وكريماته اللائى فجعن بفقيدهن غارقات فى خضم النكبة والحزن ، فبالإضافة إلى أحزانهن التى أقضت مضاجعهن ، فقد تغيرت أشكالهن وملامح وجوههن تغيرا ً كاملا ً......كانت أرملة الحاج عبد الرحمن تبكى وتنتحب على الصندوق المرفوع وسط البيت ، حيث الجوارى السوداوات حولها يولولن وينتحبن على فقيدها ....نثرت الالة منانى وكريمة عبد الرحمن الكبرى الرماد على رأسيهما إلا أن كريمته الصغرى كانت مغطاة بالرماد تقريبا ً ، وازدادت آلام الأسرة ومآسيها بعويل صديقاتهن وصراخ السيدات الغريبات ونحيبهن المخيف المفجع " .ثم تواصل سرد بقية مراحل وطقوس العزاء وعلامات الحداد لاسرة المتوفى ، فتتطرق لعدة المرأة المسلمة قائلا ً:" " أتمت السيدة زوجة المتوفى المآتم والطقوس الجنائزية عندما لبست رداء الحداد حيث ذهبت اللالة منانى مع جواريها وخادماتها وأخفت جسمها تماما بعدد من الأغطية التى تلبسها إلى ساحل البحر، حيث كان شعرها ممشطا ً بمشط الذهب ، وكانت ضفائرها مربوطة بحرير أبيض ، بدلا ً من الشريط الأسود فوضعت عصابة بيضاء اللون على جبينها بدلا ً من عصابة ذهبية مزخرفة بالجواهر ، كانت تلبسها فى العادة ،إن الفترة المحددة لعدة أرملة هو أربعة أشهر وعشرة أيام .بعد انتهاء تلك المدة ، تذهب اللالة منانى ثانية إلى ساحل البحر ، تحمل معها نفس المشط الذى استعملته ، وأربع بيضات طرية ، تعطى البيض لأول شخص تصادفه ، ويكون مضطرا ً لقبوله ، حتى ولو كان الباشا نفسه ، تتصور أنها بالبيض تتخلص من كل النحس والشؤم وسوء الطالع .ولذا فلايحب شخص قبولها ، ولكن لازالت هذه العادة الاجتماعية قائمة ، ويتبعها الناس بحيث لا يفكر أى شخص فى رفضها . تتقدم عندئذ إلى ساحل البحر حيث يمشط شعرها للمرة الثانية ، وترمى المشط فى البحر بنفسها ، وحينئذ وليس قبل ذلك يصبح لها كل الحرية فى الزواج ثانية " أى أنها بهذا تخرج من فترة العدة الشرعية .وهذا الامر ماكان يحصل قديمة بحسب رواية الحاجة حميدة حيث ان زوجة الميت او بنات الميت وكذلك قريباته يمتنعن عن الالبسة الزاهية ولا يتزين ، ويقام العزاء فى بيت الميت ثلاثة ايام تقرا فيها أوراد خاصة تسمى التاليف ويقدم طعام العشاء فى الايام الثلاثة للمعزين ، ولا يزار قبر الميت الا فى المناسبات الدينية .الى جانب ذلك كان يقام بالنسبة لجانب الخاص بالرجال طقوس جنائزية حيث يحترف البعض مهة تغسيل الميت واساليب الدفن والتلقين ، ومايجب أن يرد به الميت ثابتا ً ، فى مواجهة محكمته أو محاكمته حين يزوره ملكان الموت ليستجوبانه فى قبره عن ربه ودينه ، وكاره وذنوبه ، وتوبته ، وربما الطريقة الصوفية التى كان ينتمى إليها ، وأى عهد أخذ ، وعلى من من الأولياء ....ويمتنع الرجال عن حلق لحيهم وشعورهم والتطيب او التعطر طيلة فترة الحداد التى قد تمتد الى فترة العام...هنا خطر ببالى معلومة سبق وان قراتها عن مراسم الحداد لدى يهود ليبيا حيث يمتنع الرجال عن ازالة لحاهم لمدة 3اشهر ، واما النساء فكن يلبسن ملابس مغسولة بالماء والنطرون (مادة تستعمل قديما فى الغسيل ) .. كما ان النساء بعد اعلان الوفاة يندفعن فى الصراخ واخراج الصندوق الذى كان الميت يحفظ فيه اغراضه الخاصة ، ويحولنه الى طبل ، يتجمعن حوله ويظللن ينقرن عليه بالايدى والعصى مع ترديد بعض الأناشيد الجماعية ، بالاضافة لجرح وجوههن حتى ينزف منها الدم واطلاق شعورهن ....وكن الندابات الشهيرات فى درنة من الطائفة اليهودية ...ويتكرر الامر فى مدن ليبية اخرى كطرابلس وبنغازى بحسب ما قراته فى المراجع والكتب التى تتناول الجانب الاجتماعى لليبين قبيل الاستقلال فى الخمسينيات .....انتهت ايام العزاء ال3 وفى اليوم الخامس غادرت برفقة اشقائى الى بنغازى تاركين والدتى فى بيت جدتى كى تواسياها وتسرى عنها ....فى طريق العودة انطلقنا كقافلة واحدة غالبية خوالى القادمين من بنغازى او من طرابلس ..غادرنا درنة فى الصباح الباكر ونسمات الريح الباردة تلسع وجوهنا ..وحالة صمت تخيم على الجميع ...فى طريق العودة عبر كرسة – راس الهلال ثم الى سوسة كى نقوم بايصال احدى القريبات الى هناك ، وجدت فى طريق صعودنا باتجاه كرينيى الاغريقية فى مواجهة اكبر مدن للموتى فى العالم القديم تمتد على سفوح الجبل الاخضر ....كنت اتأمل المشهد امامى قبور جماعية واخرى فردية ومدافن فخمة والبعض يبدو عليها بساطة حال صاحبها ...لم تفارقنى تلك الاجواء رغم جمال الطبيعة وبهجة الطقس البارد ...الا ان افكارى تجاه الموت وتقاليده جعلتنى بعد رجوعى للبيت ببضع ايام اخرج اوراق قديمة كنت سجلت فيها جزء من تلك الملاحظات عندما كنت اقضى وقتى اتجول فى تلك الربوع ....كانت تسلينى اساطير اغريق المنطقة حول خارون صاحب القارب الذى يجب ان يتم دفع اجرته كى يقوم بنقل الميت الى عالم هاديس ملك العالم السفلى ...كنت فى ايامى الاولى فى بنغازى اترنح بين حالات الحزن والتأمل والكتابة والتوقف عند مقابر الطائفة المسيحية فى حى الفويهات او ادور حول مقبرة سيدى خريبيش القديمة ...كنت احاول منع نفسى من الكتابة او الاستمرار فى ترتيب افكارى حول تاريخية المراسم الجنائزية فى برقة او مدن الجبل الاخضر الاغريقية الطابع الممتزجة بخليط من التقاليد المحلية ... الا اننى لم انجح فى ذلك ، لم اجد الا صديقتى الرائعة نيدييتوا كى اخبرها عن ما اريد فعله عندما كررت سؤالها عن توقفى عن الكتابة او التدوين ، اجبتها : انتى تعرفين ياعزيزتى ما كنت امر به خلال الاشهر الفائتة ، بالاضافة الى اننى خجلة من اخبارك اننى اكتب حول الموت ..جاءنى ردها الهادىء المتزن ، ولما لا ، اكتبى وانشرى ربما تتخطين جزء مما علق بروحك من الامر ...نعم احس بان الكتابة حالة ولادة ثانية بالنسبة لى او كالذهاب الى البحر لقذف كل مايضايقنا او يكدر صفونا ...اعذرونى مرة اخرى لانى هنا اكدر صفاءكم ، لكن اوراقى القديمة كانت تحمل لى امور احببت مشاركتم اياها وقد ادهشنى بعض الجزئيات المتشابهة بين القديم والحديث .. كان الاعتقاد السائد بالنسبة للناس فى تلك الفترة القديمة أن الأموات يعيشون فى عالم سفلى يقع تحت الارض أو مايسمى هاديس ويمكن النزول إليه عن طريق بحيرة أشيروزيا التى تقع فى إبيروس الجنوبية ...حيث تستقر الأرواح بعد الموت وتظل تحيا فيه ويصوره الكتاب الكلاسيكيين بأنه ملىء بالأنهار والبحيرات التى تفصل مكان وآخر وأنه مظلم لا تدخل الشمس ....ويتم وضع ارشادات بالنسبة للميت بعد ان يتم وضع قطعة نقدية فى فمه كأجرة نقله فى قارب خيرون حارس عالم هاديس ...هنا يشد انتباهى هذه الارشادات "...سوف تجد فى بيت هاديس على اليمين ينبوع ماء بالقرب منه شجرة صفصاف بيضاء ، لا تقترب من هذا الينبوع ، ثم تجد بعد ذلك ماء ً باردا ً يجرى من بحيرة الذاكرة ، يقف عنده حراس يسألونك ماذا تريد ، قل لهم الحقيقة كلها ، قل لهم أنى طفل من الأرض والسماء ذات النجوم ، واسمى استيريو وقد جف حلقى من العطش ، دعونى أشرب من الينبوع .." فى ذلك العالم السلفى تتم محاكمة الاموات عما اقترفوه فى حياتهم يتولى هذه المحاكمة قضاة او زيوس كبير الالهة الاغريقية او هاديس بنفسه ، وتتقرر بعد المحاكمة مصير الارواح فالاشرار سيكون مصيرهم فى الهاوية التى تسمى تارتاروس الواقعة اسف هاديس ، حيث ينالون أقصى العقوبات ويكفرون عن ذنوبهم ، أما الأخيار فالشائع أنهم يعيشون فى حقول الإليزيون التى تقع عند مدخل عالم هاديس ومن يسكن بها يعيش فى سعادة دائمة ....أما عن طقوس الدفن والعادات الجنائزية فى المنطقة ، فهى تسمى (كيدييا) وتمر بثلاث مراحل أساسية هى تجهيز الميت وغرضه ثم موكب الجنازة وأخيرا ً عملية الدفن ...فعند وفاة الشخص يقوم أقاربه إغلاق عينيه ، وقفل فمه ، وذلك لانها تحمل معنى روحيا ً للاعتقاد بأن قفل العيون يمثل ضمانا ً لتحرر الروح من البدن ، وان ترك العيون مفتوحة يوحى بالحياة...ومن ثمة يقمن نساء البيت من قريبات الميت اللائى تجاوزن ال60 عاما ً بغسل الميت وتجهيزه وذلك بدلك الجسد بالاسفنجة والمياه المقدسة التى تجلب من نبع المدينة ثم يتم دهن الجسد بالزيوت العطرية ، وبعدها يتم تكفينه أما بملابسه او بكفن من الكتان حيث يترك الراس عاريا ً ، اما النساء فكن يتم تزيينهن بحليهن ، كما يتم وضع أكاليل من ورق الزيتون أو من الذهب او البرونز بحسب القدرة المالية للميت ...وبعد انجاز هذه الاستعدادت يوضع على سرير خشبى أو نعش وتحت رأسه وسادة وأقدامه فى اتجاه الباب .. ثم يصبح الميت جاهز لعرضه فى ساحة مفتوحة فى البيت وكانت تستمر ايام بحسب المكانة الاجتماعية ، ثم اصبحت تستغرق يوم واحد ، ويرجح بعض الباحثين ان اطالة ايام العرض لتمكن من حفر القبر وتجهيزه ....وكان يتم الاجتماع حول نعش الميت افراد اسرته واقاربه ويقومون إضافة إلى الأشخاص الذين يتوافدون على البيت بممارسة طقس النواح والعويل ، وقد يتم ذلك بواسطة النادبات المستأجرات من خلفه وهم يرفعون أيديهم ويضربون صدورهم وتقطع النساء شعورهن ويلطمن خدودهن ويضعن الرماد على رؤوسهن ، طبعا امكان لنا كباحثين معرفة كل هذه الطقوس والتقاليد الجنائزية من الرسومات على الاوانى الفخارية ....وبعد اكمال ممارسة تلك القطوس ببيت الميت يتم وضعه فى نعشه استعدادا ً لنقله فى اليوم التالى والتى تسمى (إكفورا ) وهى تبدأ قبل شروق الشمس لاعتقاد بان اشعة الشمس قد تساهم فى تحلل الجثمان ..وكان ينطلق الموكب من البيت حيث يحمل النعش اخوة الميت او اقاربه من الرجال ويرافق الموكب اقرب اقارب الميت كالوالدين او الزوجة او الزوج او الابناء واقرب الاصدقاء، بالاضافة لنساء الاسرة المتقدمات فى السن يرافقهم موكب النائحات وان كانت بعض الاماكن فى العالم الاغريقى تشترط أن يحمل الميت فى صمت ...عبر الدروب والازقة الضيقة منعا ً للضجيج فى المدينة ...ثم يتم انزاله فى القبر المفتوح او يتم احراق جثمان الميت وذلك بحسب الرغبة الشخصية وان نلاحظ من كثرة القبور فى كرينيكى او فى الريف المحيط بالمدينة تنتشر الكثير من القبور الفرادية والجماعية .....وكانت الالهة المصاحبة لهذه المرحلة فى عملية الدفن تُسمى هبينوس (اله النوم ) ، تانتوس (اله الموت ) وبذلك يرمز اسطوريا ً الى أن الموت ماهو الا نومة أبدية ...اما بعد الدفن فأن افراد اسرة الميت يباشروا القيام باعداد الوليمة الجنائزية حيث يأتى الاقارب فقط ، الذين كانوا يساهمون فى اعداد الوليمة وذلك لان الطقوس تمنع اهل الميت من ايقاد النار فى البيت طيلة فترة الحداد ، وكما انهم يتركون أهل الميت لأحزانهم ..وفى اليوم الرابع يتم اعادة ايقاد النار وتقديم قربان لربة الموقد هستيا ...وتختلف فترة الحداد من اسرة لاخرى ، فقد تصل الى اربعة اشهر بالنسبة للرجال وخمسة للنساء ، وكان يفرض على النساء اللون القاتم أما للرجال والاطفال فكان اللون الابيض أو الاسود ويقص الشعر تعبير عن الحزن...وفى نهاية تلك الفترة يتم تقديم وجبة طعام تسمى (كاثيدرا)...ليعود أهل الميت للمراسة حياتهم العادية ...دون قطع صلتهم بالميت وذلك عبر تذكره بشكل سنوى فى احتفال سنوى يقام فى الجبانة بمناسبة الذكرى السنوية لدفنه او ميلاده ...واخيرا ايها المبحرين فى محيطى .. لست بمعاندة لحكم الله ولا لمشيئته ..ربما هى سيطرة حالة الباحثة عن مكونات شخصيتنا كالليبيين هو مادفعنى هنا لتدوين مادونته ....اسال الله الرحمة لخالى ولكل سائر المسلمين ....ولا اراكم الله مكروها فى حبيب .

*إليجية :احد اوزان الشعر المستخدمة فى الفترة البطلمية فى اقليم كرينى حيث يستخدمونه الشعراء والكتاب فى كتابة موضوع قصصى ، وكان كاليماخوس القورينى احد اشهر من استخدموه .
**الإبجراما هى قصائد قصيرة استخدمها القدماء على شواهد القبور او فى الاهداءات للتعبير عن مواضيع شتى كالحزن والفرح وغيرها وكان كاليماخوس من أعظم من كتب بها اعماله الشعرية .

السبت، ١٩ سبتمبر، ٢٠٠٩

تهنئة بعيد الفطر السعيد

تهنئة من القلب لكل الاصدقاء لمناسبة حلول عيد الفطر السعيد ، راجية من الله ان يعيده علينا بالخير والعافية ، وبصلاح حال أمة محمد .....اتمنى للجميع ان يكون عيد هذا العام بداية لاحسن سنوات العمر.

الثلاثاء، ١٥ سبتمبر، ٢٠٠٩

والدتى وذكريات الزمن الجميل

تنحدر والدتى من مدينة درنة الجبلية الواقعة وسط ريف جميل حيث تنحصر بين الجبل الاخضر و البحرالذى يضطجع عند أقدام المدينة بسكون حيث تنبثق وسط واحة طبيعية بديعة ، دفعت الرحالة الغربيين الذين مروا بها فى طريقها لمصر لاطلاق تسمية جوهرة البحر المتوسط على درنة، فهى تقوم بين مجموعة من البساتين الخصبة واشجار النخيل الجميلة والفواكه المثمرة التى ترويها جداول منسابة من الوادى تجرى فى قنوات منظمة تسمى محليا ً السواقى، يقال بان الوالى المحلى للمدينة سيدى امحمد بى قام بشقها فى القرن الرابع عشرللميلاد ...ويتميز مناخها فهو معتدل لطيف...بالاضافة لاشتهارها بكثرة الأشجار والنباتات المختلفة بسبب خصوبة أرضهاوتوفر مياه الرى التى تصل إلى المدينة عن طريق وادى درنة ، وتنهمر مياه الشلال فى أبى منصور ، الذى يحصل منه معظم سكان المدينة على حاجتها من المياه النقية العذبة الصالحة للشرب منه ...وكانت درنة تشتهر بموزها الذى كان يصدر الى كل من طرابلس وايطاليا ، وبالإضافة إلى وجود أشجار الفاكهة المتنوعة بالمدينة ونباتات الزينة كالزهور كالورد القرنفلى ، والغرنوقى "زهرة إبرة الراعى" كما تشتهر بنوع من الياسمين المتمز برائحة نفاذة يعرف محليا باسم "النسرى" مما جعل الرحالة العرب يطلقون عليها اسم مدينة الحدائق المعطرة " ، وكانت الورود ونباتات الزينة تباع فى سوق المدينة القديم مع الخضروات والفواكه .. كما أن الهدوء الذى تميز به درنة بمبانيها البيضاء المشيدة وسط غابة من أشجار الفواكه والنخيل والشلال المتدفق بالمياه الغزيرة يعطى السواح والزائرين منظرا ً خلابا ً لا تنساه العين أبدا ً خاصة عند الغروب
وتنقسم المدينة القديمة إلى الاحياء الاربعة التقليدية القائمة داخل اسوار القديمة ، وهى كالتالى : حى بو منصور ، وحى المغار ، وحى البلاد وحى الجبيلة ...بالاضافة للاحياء الجديد التى اخذت تنحت لها شوارع وبيوت فى باطن الجبل الصخرى المكسو بشجيرات دائمة الخضرة ، منها حى بابا شيحة، وبابا طبرق ، والساحل الشرقى والساحل الغربى ، وغيرها من احياء تتوسع فى اتجاه الجبل مانحة المدينة منظر جميل باآلاف الاضواء ليلا ، لمن يتطلع من البحر .
يقع بيت عائلة والدتى فى حى بو منصور فى زنقة زليتن حيث يقولون انها من اقدم ازقة المدينة العتيقة ، يطل بيت جدى على حافة وادى درنة الذى يقسم المدينة الى نصفين يربطهما جسر رئيسى حجرى بنى فى الفترة العثمانية ثم تم تجديده فى الحقبة الاستعمارية الايطالية ليبقى الى وقتنا الحاضر شاهد على امور وقصص كثيرة تتردد فى جنبات الوادى الهادر الصاخب وقت فصل الشتاء حيث يمتلىء بمياه الامطار التى تندفع حاملة صخور واشجار الوادى وحيواناته بالاضافة للبيوت التى يكون من سوء حظها ان تقع ضحية لغضبة ذلك الوادى..كثيرا ما فتنتنى مراقبة المياه وهى ترتفع فى الوادى ...يقع ايضا بيت جدى بالقرب من مقبرة الصحابة لا يفصلهم عنها سوى طريق رئيسى ، وبالامكان الاستماع للصلاة التى ترفع فى مسجد المقبرة بوضوح ، كما بالامكان متابعة الاحتفالات التى تقام فى المناسبات الدينية كذكرى المولد النبوى والسنة الهجرية واحياء ليالى رمضان من سطح بيت جدى...
فى ظل هذه الاجواء نشأت والدتى وتعرعت وكبرت ...والدتى من الجيل الذى ولد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فى نهاية عقد الاربعينات حيث المدن الليبية مازالت محتفظة بشىء من البراءة وبساطة العيش ، ورجالها يعيشون حلم الاستقلال والكفاح لتوحيد الاقاليم الثلاث التى قُسمت اليها بلادى البهية بعد اندحار ايطاليا المستعمر الكريه ، فكانت برقة الاقليم الشرقى لليبيا واقع تحت الادارة البريطانية العسكرية وكذلك اقليم طرابلس الغربى اما الجنوب فهو واقع تحت السيطرة الفرنسية ...تلقت والدتى تعليمها وانخرطت فى شؤون الحياة العامة متطوعة فى دروس محو الامية وجمع التبرعات للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسى، ودعم المجهود الحربى المصرى ، ومتظاهرة مع صديقاتها وبنات مدينتها الصغيرة- ذات الطابع الشديد التحضر فى محيط بدوى- متظاهرة ضد الاحتلال الصهيونى وتقسيم فلسطين ...
كانت احفظ سيرة حياة والدتى عن ظهر غيب، خاصة عندما بدأت مشروعى الخاص بتدوين السير الذاتية للنساء التنويرات فى تلك الفترة...والدتى كانت احدهن ... لم تتوقف والدتى يوما عن حكاية ذكرياتها او قصصها او تجاربها راوية لى عبرها تاريخ مدينتها الصغيرة الجبلية وتاريخ بلادى عبرها ...كنا نتشارك انا وهى واشقائى وشقيقتى جلسات شتائية طويلة مع والدى الذى كان ينصت صامتا ، ثم سرعان ما ينهمكان فى سرد حياة عاشوها فى ليبيا الخمسينات والستينات وحتى منتصف السبعينات ليضطروا بعدها لخوض تجربة الترحال والتنقل بين مدن الغربة ، حيث حاولا ان يشبع فى ِ وفى اشقائى وشقيقتى محبة بلادنا والاعجاب بتاريخنا وتقدير دور اجدادنا ، وتقوية روابطنا العائلية والابقاء على جذوة الانتماء حية بداخلنا ...حتى صرت احفظ تفاصيل التفاصيل ....ولاننا فى شهر رمضان حيث ليالى المحبة والتقارب والتشارك فى السهرات العائلية التى تجمع الاسر وذوى القربى فى داخل الوطن ، وتقرب الاسر والافراد بالمهجر من بعضهم البعض .
احببت ان نتشارك ذكريات والدتى عن طقوس واجواء رمضان وعن الحياة الاجتماعية خلال هذا الشهر فى فترة شبابها فى مدينتها الساحرة :

"...تتذكر أنه لم يكن هناك أنواع كثيرة من الاطعمة ، فقد كانت الشربة الحمراء هى الطبق الرئيسى على مائدة الافطار ، والى جانبها يكون الملفوف ورق العنب ، او الكرنب ، والمحاشى ، ومعه طاجين البطاطا ، او أرز ، أما لحم المفروم فلم يكن الليبيين فى تلك الفترة يستصيغوا تناول اللحوم الخارجية ، فيقومون باحضار لحم خروف وطنى يبلغ سعره الكيلو بسعر تلك الفترة ربع دينار أى 25قرش ، عندما سمعت الرقم أصابتنى حالة ذهول كبيرة ،لأننى ظننتها مزحة او لديها ثقب فى ذاكرتها، فسعر الخروف كله بلحمه وصوفه وقرونه ، حى على قدميه يبلغ سعره دينارين ، او جنيهان بسعر تلك الايام وعملتها ..قلت لماما مازحة كنت اشتريتى بعشرة دنانير خرفان وخبأتيها لهذا الزمن الصعب مما يدفعنى للتساؤل حول وضعنا اليوم فسعر كيلو اللحم الضأن يتخطى ال14 دينار هو غالى بالنسبة للاسر المحدودة الدخل ، ماذا حصل لنا نحن الليبيين؟ أما المعكرونة( مكرونا كما تنطق فى لهجتنا المحلية ) فهى قليلة الاستعمال ، لأرتفاع سعرها فى ذلك الوقت ، وكن نساء المدينة يستعضن عن المعكرونة بنوع من المعجنات يقمن بصناعتها ، تسمى دويدا : تصنع من دقيق القمح ، وتعجن بالماء والملح ، ويقمن نساء الشارع أو الأسرة الكبيرة بالتجمع فى بيت أحدهن للقيام بعجن المعكرونة على شكل كرات صغيرة ،ثم يقمن يطرحها على أقمشة نظيفة وتعرضها فى الشمس لبضعة أيام حتى تجف العجينة ثم تجمع وتحفظ فى وعاء من الفخار النظيف ، تقول ماما أن تلك كانت تمثل وجبة لذيذة ضمن وجبات التى كان يعرفها الدراونة فى تلك الفترة ، كانت الدويدا أى اللازانيا فى وقتنا الحالى حيث اعدت محاولة صنعها مع ماما حتى اعرف ماهى بالضبط هذه العجينة ...فى أواخر الخمسينات أستطاع أبن عم ماما أحضر مكينة لعمل المعكرونة السباغيتى ، جلبها له صديق يونانى مقيم فى سوسه ، تشاركا معا فى العمل فى ورشة لتصليح السيارات حيث اصبح يساهم فى تزويد بعض بيوت عائلة والدتى القاطنين زنقة واحدة بهذا النوع من المعجنات .
اما بالنسبة للخبر فقد كان كل بيت فى درنة أو معظمهم يحصلون عليه من خلال تجهيز العجينة ، والقيام برميها فى التنور (موقد محلى موجود فى معظم الدول العربية ) ...أما للحلويات فكانت الكنافة هى التى يتم شراءها من السوق وانما لم يكن شراءها يتم بشكل يومى كما يحصل الان ، فيتم تجهيزها فى البيت ثم ترسل للفرن (الكوشة) من أجل خبزها فى الفرن البلدى ، حيث يقوم أجير الفرن بصب معقود العسل أو الشربات ، بالاضافة لصنع المقروض او الغريبة او الكعك وهذه حلويات تعد للاحتفال بالعيد .... لم يكن سكان المدينة فى ذلك الوقت يعرفون شرب القهوة على مستوى واسع ، بل أن الرجال فقط من يقومون بشربها فى البيوت ، أو فى المقاهى ... تقول ماما صادف حلول شهر رمضان فى فصل الشتاء حيث الامطار الغزيرة ودرجة شدة البرودة، لم يوقف الاسرة والاقارب عن القيام بزيارات وسهرات عائلية تبدأ بعد صلاة التراويح حتى منتصف الليل ، حيث تتذكر ماما عن ذلك أن الخروج تحت المطرملتفين بأغطية صوفية وعباءات الكبار متعة لا تقدر بثمن ،أو مستأجرين حنتور يزحف عبر طرقات المدينة المتعرجة، وزيارة بيت جد والدتى بحى المغار قمة الاثارة فى ذلك الشهر ، لأنهم سيحظون بدلال الجدالذى سيحضر لهم حلوى الشكير(لااعرف ما شكلها لانها مهم قامت ماما بوصفها فلم اعرفها وسط ماهو موجود الآن بالسوق ) والاستمتاع بحكايات الجدة والكبار ، واللعب ، والتسلية البريئة حيث تجتمع الاسرة والاقارب حول العدالة اى ادوات صنع الشاهى على طريقة الليبيين ايام زمان ، والتى كادت ان تندثر من بيوت غالبيتهم او اصبحت مجرد اكسسوارات توضع فى واجهة الدواليب الزجاجية حيث تصنع من الفضة والزجاج الثمين المزخرف ، لتبقى شاهد على عصر كادت ان تختفى كل ملامحه ، تسترجع ماما زيارات شقيقتها المتزوجة الخالة ياسمين التى تكبرها فى السن بكثير، حيث يلتف الجميع حول جدتى وهى تعد الشاهى ، وماما او احدى خالاتى يقمن بتجهيز الكاكوية واللوز ، وتسخين الاطعمة المتبقية من وجبة الافطار لتناولها فى وجبة السحور العائلية ، بساطة فى الزيارة تقابل تكلف زياراتنا فى الوقت الحاضر وعدم الاستمتاع بطعم تلك السهرات بسب الاجهاد والصخب والتبذير المبالغ به فى كثير من الاحيان فيتحول الامر لمهرجان استعراض اطعمة اكثر من كونه فرصة للحديث وتبادل الحكايات والقصص العائلية او الاستماع لحكايات وخراريف تروى حكم وعبر تشبع الروح وتغنى العقل ...
أحدث دخول الراديو لبيت والدتى بعد قيام جدى بشراءه أواخر خمسينيات القرن الفائت ، أحدث نقلة نوعية فى تسلية البنات المراهقات اللآئى صرن يستمتعن بمتابعة تمثيليات صوت الشرق الاوسط ، والاستماع الى البرامج الرمضانية ، والاغانى المصرية الخاصة بهذا الشهر الفضيل كاأغنية وحوى ياوحوى ، أو رمضان جاءنا ، او رمضان رحلة الهدى ...وكانت جدتى وخالاتى يضبطن رمى حبات الشعيرية فى الشوربة (الشربة ) على صوت أذان القاهرة ، لأنه يعنى أقتراب وقت أذان المغرب فى مدينة درنة الجبلية الواقعة بالقرب من الحدود الليبية المصرية ...الان عندما تسترجع ماما ذكرياتها أجد لمعة من الحنين ، والشغف لتلك الايام البسيطة والخالية من المشاكل والهموم الكبيرة ...أحيانا اتعمد أن اعدل الراديوا الخاص بالتلفزيون على صوت الشرق الاوسط ، او محطة الاغانى القديمة ، لكى تستمتع ماما بتذكر أغانى قديمة يبثها الراديو ، تذكرها بفترة شبابها ، وطفولتها ..سأتوقف هنا لاننى لااعرف هل الماضى جميل لاننا لم نعشه ؟ او لان الحنين للماضى صفة ملازمة للانسان ؟ اما ان التذكر والشعور بالحنين هو وسيلة للابقاء على ذات الواحد منا فى حالة تناسق مع بيئته وافكاره ، شرط عدم التفكير فى الانغلاق واقفال الباب امام حياة حديثة اخرى قد نجد فيها مساحات يمكننا ملئها بالمودة والمحبة كما فى ماضى وزمن جميل ونقى ...مارأيكم أنتم يامن تعبرون محيطى ؟
*هذه التدوينة من وحى حديثى مع صديق مدون سعودى ، دفعتنى تلك المحادثة للقيام بنشر جزء من ذكريات والدتى هذه.

الأربعاء، ٢٦ أغسطس، ٢٠٠٩

طيارة ورق ...

منذ ثلاثة اشهر عرجت على قسم مبيعات الكتب الخاص بالجامعة الليبية (قاريونس) من أجل التعرف على الاصدارات الجديدة ، فوجدت كتاب طيارة" ورق كنوز من ألعاب الأطفال العربية " سُعدت به لدرجة كبيرة كنت كطفلة تفتح امامها مغارة سحرية ...لقد قرأت عن الكتاب فى عرض للصحفية انتصار الجماعى عبر موقع جيل ، ولكنى لم اعثر على نسخة عند السيد لنقى الذى نصحنى باللجوء الى مؤلفته لحصول على واحدة ، الا اننى كلما التقيت العذبة سكينة يقودنا الحديث الى دروب متشابك وبعيدة عن طيارة الورق ، وصارت ابلة امينة التومى مسئولة قسم المطبوعات الليبية بالمكتبة المركزية بالجامعة تحرضنى على اقتنائه ، ومانعا ً اياى من مطالعة نسخة القسم ... حتى ذلك النهارالذى مررت على المبيعات. لقد وجدت نفسى اجلس على العلب الكرتونية بجانب الحاجة فوزية السكران(مسؤولة القسم) اقلب الكتاب وانا غير مصدقة عثورى عليه اخيرا ...واخيرا نسخة تخصنى ، هكذا قلت لنفسى ...يومها لم انتبه لارتفاع درجة الحرارة التى تقارب ال36 ولا الرطوبة العالية فى طريق عودتى من الجامعة ...كنت اتحرق شوقا للوصول الى البيت لكى اقرا الكتاب...وضعته تحت مخدتى ونمت وانا احلم بطفولتى الذهبية ....كنت اقول بينى وبين نفسى ..ماذا فعلتى ياسكينة اعدتنى طفلة صغيرة تلهو على ارجوحة الحلم ... عشية كنت انتظر اولاد شقيقتى امل لالعاب معهم كل العاب الكتاب التى مارستها فى طفولتى ...صنعت طائرة ورقية لمحمدابن امل ....ورددت الاهازيج والاغانى التى بالكتاب ...ماما وامل وزجات اشقائى كن يراقبننى وسرعان ما انتقلت اليهن العدوى ...فكن يتخطفن الكتاب ويتذكرن ما فيه ويطالبننا بتطبيق الوحواح ، ورسمنا النقيزة ، وتسائلنا عن هذى شنى ......يومها عاد الكبار صغارا ً...
ولان مافيه كنز ثمين اردت مشاركتكم به خاصة هذا الجزء الذى يخص هذا الشهر الفضيل ،حيث تتحدث المؤلفة الدكتورة سكينة بن عامر ،عضو هيأة التدريس بقسم الاعلام بالجامعة الليبية عن سبب تأليفها للكتاب:"...تطير بنا (طيارة ورق)إلى جزء جميل من تراثتا المشبع بالفرح والانطلاق ، والمتمثل فى ألعابنا الشعبية العربية المشتركة بين أبناء الوطن العربى الواحد، التى كانت حية تضج بها بيوتنا ، وحوارينا ذات يوم ، ثم أختفت من حياتنا وتلاشت فى ظل سيطرة الفكر الالكترونى والعولمى الذى يختصر حياتنا فى قناة فضائية أو فى غرفة دردشة ، ولن يمضى وقت طويل حتى نجد هذا التراث الثمين قد انتهى بانتهاء حياة من عرفوه ومارسوه ، وبالتالى سوف نفقد حلقة مهمة من حلقات تراثنا المترابط بين الأجيل إن هذا هذا الكتاب يحمل بين طياته رسالة مهمة للجميع ، نحن ننتمى الى ثقافة واحدة، وفكر انسانى مشترك يمتد بنا بامتداد مسافات هذا الوطن الجميل ، فلنحافظ على هذا التراث ولنحييه .. وأما عن الجزء الخاص بأهازيج وتعبيرات خاصة بشهر رمضان المبارك فتذكر"..يتبارى الأطفال فيما بينهم على صيام شهر رمضان المبارك ، حيث يشجعهم الأهل ، ويباركهم المجتمع المحيط ،ويشيدون بصبرهم وقوة تحملهم وشجاعتهم ، كما إنهم يكافئونهم على إنجازهم هذا ، ويهدون لهم النقود الحلوى والفاكهة ، لذلك يحرص الأطفال على الصيام ، وعلى الإعلان عن صيامهم ليحصلوا على أكبر قدر من الهدايا ، ومنذ اليوم الأول ينطلق الأطفال فى الشارع منشدين :
(ياصايم رمضان / ياكاسب ربك/ كلبتنا البيضاء / تحبك فى خدك)
أما الأطفال الذين لم يصبروا على الصيام ، خاصة ممن هم كبار ، فإن الصائمون يعيرونهم بإفطارهم ويشيعونهم بالسخرية وهم يرددون ( يافاطر رمضان/ ياخاسر دينك/ كلبتنا السوداء / تقرقض مصارينك) .
أما إن ضبط أحد الأطفال وقد أفطر ، فإنهم يجرون خلفه منشدين ( فطار فى رمضان/ انديروا كرشته عصبان ).وهكذا يستمرون فى مضايقته حتى يغضب ، وتتصاعد المعارك بينهم كعادتهم . أما إذا ما زاد الخلاف والغضب وفقد أحدهم أعصابه ، فإنهم يتحلقون حوله مرددين )حشاش) . ويستمرون فى ترديدها إلى أن يهدأ الطفل، أو يزداد غضبا على غضبه .
ويختلف الاحتفال بقدوم شهر رمضان المبارك من قطرعربى إلى آخر، ففى مصر يحمل الأطفال القناديل وتسمى فوانيس ، وينشدون معا ) وحوى يا حوى /ايوهه/ رمضان جانا / أيوهه) ويجوبون الشوارع جماعات وهم ينشدون : ( يارمضان ياعود كبريت / يامقيد كل العفاريت) ، ثم يجلسون أمام أبواب البيوت ويضربون بآنية نحاسية بها قليل من الملح ، اعتقادا منهم بأن العفاريت إذا ما اقتربت من المنزل وسمعت هذه الأصوات النحاسية تهرب خوفا ً من سجنها فى قماقم النحاس ، ثم ينشدون (يارمضان ياصحن نحاس/ ياداير فى بلاد الناس / سقت عليك أبو العباس/ تبات عندنا الليلة) وعندما يمرون أمام البيوت فإنهم يطلبون الحلوى والهدايا من أصحابها ، حيث يتولى أحد الأطفال الغناء مرددا : (لو ما محمد ماجينا / ولا تعبنا رجلينا / يحل كيسه ويدينا / يدينا ميتين ريال) بينما يردد الباقون خلفه عبارة (يالله الغفار) بعد كل شطر من الأغنية .
وفى الكويت يستقبلون الشهر الكريم بإنشاد المدائح النبوية ، والأغانى الدينية ، كما يحيون ليلة (الكريكعان) وهى ليلة النصف من رضمان ، وفيها يجتمع الأطفال بعد الإفطار فى الشوارع مكونين جماعات ، ويختار كل فريق رئيسا له ، وعادة مايكون أكبرهم سنا أو أكثرهم نشاطا ، وتطوف تلك المجموعات على المنازل حاملين الأكياس والطبول ، وهم ينشدون )سلم ولدهم يالله / خله لامه يالله ) وعندما يصلون إلى بيت أحدهم فإنهم يذكرون اسمه كى يمنحهم الأهل(الكريكعان) المكون من أنواع الحلوى واللوز ووالنقود .وفى حالى ما أبطأ أهل البيت فى الاسجابة لنداء الصغار فإنهم ينادون قائلين :(يسوق الحمارلو مايسوق ). فإن قيل لهم: ( ماتسوق) فإنهم ينتظرون إلى أن يخرج لهم أهل البيت ويمنحونهم (الكريكعان) . وهنا يدعون بالخير لأهل البيت بقولهم (عساكم تعودونه) أو (من عطا عسى يعوده) . وأما إن قيل لهم (سوق)فإنهم يتراجعون معبرين معبرين عن سخطهم ومرددين : (عساكم ماتعودونه).
أما البنات فإنهن يرددن بعض الأبيات أثناء طوافهم على منازل الحى ، ومن أشهر أهازيجهن: (كريكعان أو كريكعان/ بين اكصير ورمضان / عادت عليكم صيامه / كل سنة وكل عام / يالله سلم فلان / يالله خليه لامه / عسى البكعة ماتخمه / ولا توازيه على أمه ).
وتسمى هذه اللعبة فى العراق (الكركيعان) وهى مشابهة تماما للعبة التى تمارس فى الكويت وينشد الأطفال أثناء طوافهم على البيوت :(كريكعان أوكريكعان / كل السنة واللعيان / الله ينطيكم اوليد / ايشد الكارة بفرد ابنيد / انطونه الله ينطيكم / بيت مكة ايوديكم / يامكة يالمعمورة/ يام السناسل/ والنورة ).
وعندما يقتربون من أحد البيوت ينادون أهله :(أهل السطوح/ تنطونا لو نروح)فإذا خرج لهم أهل البيت وأجزلوا العطاء فإنهم ينشدون أمام البيت : (الله يخلى فلان/ الله يخلى فلانة / الله يخلى راعى البيت / الله يخلى أم البيت / كريكعان ابيتكم / الله يخلى اوليدكم / كريكعان بسكتكم / الله يخلى ابنيتكم ) .
وبخلاف الأطفال فى العراق والكويت ، فإن أطفال الإمارات يحتفلون بالقرقعان ليلة النصف من شعبان ، ويسمى عندهم (حق االليلة ) أو (الحلقة ) وهى تدل على الابتهاج والاحتفال بمقدم شهر رمضان المبارك ،وفى هذه الليلة يقوم الأطفال بتجهيز أكياس قماشية تسمى (خريطة ، او خرى ) ويمرون بها على البيوت مرددين :( يللا انسير حق الله / جدام بيت عبد الله / يللا نسير حق الليلة / الليلة أحلى ليلة ) و عندما يصلون عند باب المنزل ينادون :(عطونا الله يعطيكم / ببيت مكة يوديكم / عطونا من مال الله / سلم لكم عبدالله )فإن قدم لهم أهل البيت (الحق) وهو اللوز والحلوى والنقود ، فإنهم يمدحونهم ):سلم ولدهم يالله / وتخليه لامه يالله) أما إذا قفل الباب فى وجوههم ولم يحصلوا على (حق الله) فإنهم يرددون محتجين ( قدام بيتكم طاسة / ووجوهكم محتاسة ) لذلك فمن النادر أن يمتنع أى أحد عن إهداء الأطفال (حق الله ) فمن يحتمل مثل هذا التوبيخ ؟ ....".... ورمضان كريم للجميع ...

الجمعة، ٢١ أغسطس، ٢٠٠٩

تهنئة لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك

تهنئة من القلب لكل ابناء وطنى وللمسلمين فى كل مكان فى العالم ....شهر رمضان شهر الرحمة والمودة هذا هو جوهر الشهر الفضيل فلا تنسوا ...كل عام وانتم بخير اعاده الله على أمة محمد بالخير وبالصلاح

الخميس، ٦ أغسطس، ٢٠٠٩

أرأيت سوسة والاصيل يلفها..

بعد ساعات نوم قليلة ، وجدت نفسى اجمع اغراضى صباح يوم امس لارافق شقيقى الكبير امون الى مدينة سوسة بالجبل الاخضر ، انطلقنا على تمام الساعة ال9 صباحا ً مصحوبين بدعوات وتوصيات ماما بالتأنى فى الطريق والاستمتاع بنهار مبارك ...عبر مدن الجبل الاخضر وقراه كنا نقطع الطريق على اغانى حليم وفيروز ...وصلنا الى سوسة على تمام الساعة الحادية عشرة وربع بعد ان قررنا الا نتوقف فى بلاغراى "البيضاء" عند اخينا الكبير آبيه – طبعا هو لقبه على طريقة المصريين فى افلام الابيض والاسود- فلدى آمون مواعيد عمل فى سوسة تتعلق بمشروع سياحى استثمارى ربما ينفُذ فى تلك البلدة الجبلية الساحرة ، واما انا فمرتبطة بموعد مع مراقبة آثار سوسة للحصول على تقارير تخص ميناء سوسة التى تعمل بها البعثة الفرنسية برئاسة البرفسور الفرنسى آندريه لاروند ....كانت سوسة هادئة فى تلك الساعات الصباحية فمعظم السكان يتناولون وجبة افطار متاخرة يطلقون عليها" فطور الضحا" وهى تتكون من اكلات ليبية تقليدية كالمقطع على اللبن او الارز باللبن والزبدة او دشيشة باللبن ، ولكن صاروا يضيفون لهذه الاكلات التقليدية المعلبات الحديثة كالجبن والتونا والمربى وغيرها توقفنا عند سورمبنى مراقبة الاثار الخارجى القريب من المنارة وهو الفندق الوحيد ذو اربع نجمات بتلك المدينة الصغيرة ، ويقع على شاطىء البحر مباشرة ويتمتع بخدمات فندقية راقية ...كان الهدوء يلف المكان ، انتظر امون ليتأكد من وجود احد اعضاء البعثة الفرنسية فى مبنى المراقبة ليتركنى برفقته ويغادر لمواعيده .
...دفعت البوابة الحديدية القديمة لأجد عبد الصالح صديقى واحد زملاء الدراسة(ايام زمان)واحد العاملين بمصلحة الاثار بشحات موجود ليساعدنى فى الترجمة فهو يتحدث اللغة الفرنسية بطريقة جيدة، حيث اخبرنى بعدم تواجد البروفوسور لاروند ، جلسنا على الكراسى المتناثرة وسط الفناء تظللنا عريشة كبيرة ملىء بعناقيد العنب الاحمر،حيث يضم مجموعة مبانى ترجع للفترة الايطالية الاستعمارية وكانت تسُتخدم لنفس الغرض فى تلك الفترة ، المبانى جميلة جدا ، كل مبنى يضم ثلاث غرف وحمامين بدائيين ومطبخ صغير وصالة صغيرة تفتح فيها كل الغرف الداخلية ، والنوافذ مستطيلة ولها افريز من المرمر الرمادى وارضيات المبنى من البلاط المكون من مكعبات باللون الابيض والاسود ...كل البيوت تطل على البحر مانحا ً لساكنى تلك المبانى اطلالة لاتقدر بثمن ...جلست مع الصديق عبد الصالح للدردشة حول اخبار البعثات الاثرية وماتم انجازه من عمل فى سوسة وشحات وقصر المقدم وقصر ليبيا والكثير من المناطق الاثرية الشديدة الثراء بالمخلفات الثمينة ، ثم عرُفنى على مجموعة باحثين جدد قادمين من فرنسا ، حاولنا التواصل بقدر ما تسمح به اللغة...ثم رافقتهم الى المعمل لتسجيل ملاحظاتى والبداء فى الشغل على ما اريده ، رغم صعوبة الامر لانهم لا يسمحون بالاطلاع على كل النتائج قبل ان يتم نشرها بشكل رسمى ، ووقفت اللغة عائق فمعرفتى فى اللغة الانجليزية جيدة ، والاسبانية ، كما اصبحت افهم قليلا فى الايطالية ولكن الفرنسية ..لا ادرى استمتع بسماع النغمة الموسيقية ولكن لم انجح فى التعلم ....غادرت بعد الساعة الثانية ونصف وسط الحاحات عبد الصالح بالاتصال بشقيقى امون وابلاغه بان نأتى لتناول الغداء فى بيته القريب ، قضيت مايقارب النصف ساعة وانا اشرح ارتباطاتنا المهنية ، واننى مضطرة للذهاب للفندق لقراءة التقارير التى تحصلت عليها ووضع ملاحظات مبدائية والعودة بعد صلاة العصر لطرح بضع اسئلة على كريستين احد الباحثات الاثريات المرافقات للبعثة والتى تعرف القليل من اللغة العربية لم يقتنع عبد الصالح الا بصعوبة ، ذهبت اتمشى على الشاطىء باتجاه الفندق رغم ارتفاع درجة الحرارة لم يمنع من وجود بضع اجساد بشرية فى مياه البحر الزرقاء ...كنت اضع نظارة سوداء كبيرة والف رأسى فى وشاح ازرق لكى لا يتعرف على احد من اقاربنا المصطفين او القاطنين بالمدينة ...شعرت بانى احتاج للبقاء وحيدة قليلا ...كنت ابحث عن مكان يقينى حر الشمس ويسمح لى بالتأمل امام شاطىء البحروهو يتلألأ بلونه الفيروزى والأخضرالداكن .

جلست فى ظل مبنى اثرى محتمية به من الشمس ومن نظرات المتلصصين ، رغم اغراء المياه الا اننى لم اسبح فى البحر نزولا عند وعد قطعته لماما التى استحلفتنى بالا افعل وانا وحدى "..سلم بنيتى بحر سوسة اغرق فيه حاتم ولد خالك ، وانتى وحدك تقولى انه التيارات البحرية فيه مرات تكون سريعة وصعبة على العوامين ، هنينى سلم بنتى ، باهى ياماما والله حاضر" لا ادرى لما خطرت ببالى اغنية لفيروز اسمها مراكبنا على المينا وهيلا ياواسع كنت ادندنها لنفسى وانا اراقب من وراء نظراتى الشاطىء الممتد امامى ، فهناك حمام كليوبترا الملكة البطلمية التى حكمت مصرمخلدا ً آثارها فى قصة حب جمعتها مع اعظم قواد الرومان فمن قيصر الى مارك انطونيو ، ويقال بانها كانت تأتى لاصطياف هنا فابولونيا فى تلك الفترة خاضعة لامبراطورية البطالمة ... كنت استرجع ذكرى زيارات لهذه المدينة مع والدى رحمه الله الذى حُلم طويلا بمشروع فندق على طراز رفيع وبدأ فى العمل على تنفيذ الفكرة فى بداية عقد التسعينات ولكنه فشل مع سياسة الدولة وقتها فى عرقلة المشاريع السياحية ، فهو عمل على تنفيذ بعض طرق البرية الواصلة بين المدينة وبين عدة مدن ومناطق اخرى ايام العهد الملكى ، كان بابا كغيره من ابناء جيله يحلم لليبيا بالكثير لم افهم فى البداية حسرته ولكنى بعد مرور هذا الوقت ادركت بان بابا لم يكن رجل اعمال اراد بناء ثروة بل احب بلاده على طريقته الخاصة ، عندما استرجع صدى نقاشاته مع رجال اعمال اوربيين عن ميزات الشعب الليبى الطيب ايام الستينات ومدحه لنقاء لليبييى تلك السنين الخضراء يزداد فهمى اكثرويتعمق ، والمؤسف اننى فى فترة لاحقة كنت كلما جلبت مجموعة من السواح برفقة الشركات التى عملت معهم كوسيطة صفقات اشعر بالحزن على تردى الخدمات السياحية من حيث المبانى والمنشأت والطاقات البشرية ..
كنت اردد لهم باننا بلد نحاول ان نستفيد ونصنع فارقا فى المستقبل ، لم أشاء مناقشة مشاكلنا مع سواح اغراب رغم معرفتى لادراكهم لمشاكلنا ...مدينة سوسة او كما يطلق عليها أبوللونيا فى الفترة الاغريقية نسبة إلى الإله أبوللوالاغريقى ، تقع على الساحل مباشرة وتبعد عن شحات بحوالى الربع ساعة ، فالامكان النزول من كريني " شحات " الواقعة على هضبة الجبل الاخضر الثانية الى سوسة الساحلية عبر طريق جبلى ملتوى كافعى ، مانحة لكل العابرين متعة بصرية فالبحر والجبل يمتزجان فى الصورة التى لن تمحى ابدا من الذاكرة ..الطريق بين المدينتين الاغريقيتين فيه ظاهرة استكاتيكية غريبة تتمثل فى احد منعطفات الطريق تجد نفسك فى وضع السيارة تكون فيه متجه للاعلى بينما الطريق تنحى الى الوراء ..كثيرا ما قمت انا واشقائى بتجربة هذه اللعبة منذ علمها لنا بابا رحمه الله ، فالسيارة تتحرك الى فوق بدل ان ترجع الى الاسفل وبدون اى جهد من السائق ....كانت ابوللونيا الميناء الذى تقوم من خلاله كرينى بالاتصال بالعالم الخارجى ، وقد تم الاستفاد منه منذ انشاء كيرينى فى القرن السابع ق.م ، الا انها لم تستقل عنها الا فى القرن الاول ق.م . شهدت المدينة فترات ازدهار خاصة مع اعتبارها عاصمة للاقليم المدن الخمس ( شرق ليبيا ) فى الفترة المسيحية ، فقد كشفت المعاول الاثرية عن عدة كنائس مزدانة بالرخام والفسيفساء يؤومها المسيحيين بالمدينة ، كما ضمت مسرح دائرى من الفترة الهللينستية حيث يستطيع المتفرجون التمتع بالمشاهد المسرحية وبرؤية البحر معا ً فى آن واحد، وحمامات ترجع للفترة الرومانية ، ومبانى سكنية للمواطنين ، ولعل قصر الدوق هو اشهر تلك المبانى العامة وهو مقر لحاكم الاقليم فى الفترة المسيحية...مايميز المدينة الاثرية هو وجود جزء كبير من مبانيها مغمور فى مياه البحر ، لتعرضها لاكثر من زلازال مدمر ، وميناءها هو مايهمنى اكثر شىء فانا اواصل ابحاثى عليه ، فربما يكون موضوع دراسة لنيل درجة الدكتوراه ، وهذا مايجعلنى اتردد على المدينة فى شهر اغسطس وسبتمبر مشاركا ً فى موسم الغطس ..
..كما اهتم قبلى مجموعة من الرحالة الغربيين الذين حاولوا تقديم وصف مفصل للميناء الشهير ...السكان فى الوقت الحالى هم فى غالبيتهم متعلمين وبعضهم تخرج من جامعات غربية راقية وحاصلين على درجات علمية ، هم فى غالبيتهم من قبيلة الحاسة وهى اصغر القبائل المنتمية الى الحرابى... واما فى الزمن القديم كانت قبيلة الاسبوستاى الليبية تنتشر فى تلك الأراضى ، حيث امتزجوا مع الاغريق المهاجرين ممثلين عنصر فاعل فى الحضارة الهلينستية الراقية ، كانوا يربون الخيول ويشتهرون بقيادة العربات التى تجرها أربعة خيول ، بالإضافة الى جمعهم محصول السلفيوم ...وقيامهم بالصيد البحرى ...وعرُفت فى الفترة المسيحية باسم سوزوسا ومنه جاءت التسمية الحالية ، كما كانت فى العهد البيزنطى مقرا ً لأسقفية حيث مارس فيها الاسقف سونسيوس الشهير مراسم العبادة .. وظلت المدينة قائمة بعد الفتح الاسلامى لليبيا ، ثم تعرضت الى الهجران والاهمال تدريجيا ً والاسباب غير واضحة تماما .. وفى فترة الحرب اليونانية التركية سنة 1898 عادت الحياة تدب فى المكان نتيجة لتهجير الكريتيين إليها بسبب النزاع المدمر بين الطرفين ،حيث قامت الحكومة العثمانية بترحيل قسم من السكان المسلمين الكريتيين الى برقة مانحتهم سوسة لتوطينهم فيها ، ولم يكن يسكن الموقع الذى كان يرسو به من حين إلى آخر بعض التجار اليونانيين سوى عدد قليل من عائلات القلابطة احد فرع قبيلة الحاسة..وقد أنشأت الحكومة العثمانية للمهاجرين الكريتيين والفقراء منهم خاصة بعض المساكن التى استقروا بها كما منحتهم أراضى لزراعتها ...ومع الغزو الايطالي لبلادنا وقعت سوسة فى ايدى المستعمرين الذين وجدوا فيها مكان يخلب لب الزائرين ، حيث عملوا على توسيع البلدة فأصبحت تنقسم الى ثلاث وحدات أو أحياء : الحى الواقع غربى الميدان الرئيسى ، وأغلب سكانه من الكريتيين ، والحى الجنوبى و القسم الشرقى وتسكنه بعض العائلات من القلابطة احد فروع الحاسة..من ميناء سوسة اقلعت السفينة الحربية التى اقلت الشيخ الاسد الى مدينة بنغازى لمحاكمته ،وكم حاولت البحث عن المبنى فى كل مرة اكون فيها فى المدينة ، وقد اشار مرة احد معارفى لمبنى البلدية على انه هو الذى تم استخدامه ، والموجع ان معظم المبانى الايطالية تعرضت للاهمال والتخريب والتغيير ولم افهم ماالسبب فى تلك السياسة الغبية ففى كل دول العالم المتطور يحافظون على تلك المبانى ويحولنها الى مزارات سنوية الا لدينا ..
بدأت الحفريات الايطالية فى المنطقة فى عشرينيات القرن العشرين حيث تم التنقيب عن الكنيسة الشرقية ، واستمرت فى العهد الملكى وحتى وقتنا الحالى البعثات الاثرية وسط اهتمام متزايد من علماء من كافة بقاع الارض ، واهمال رسمى من الدولة للاسف الشديد للحفاظ على تلك الممتلكات القيمة ....سكان البلدة الصغيرة يعيشون على دخولهم من الزراعة وعلى وظائفهم الحكومية ، ويوجد بسوسة معهد للتدريب والتعليم للمهن الفندقية والسياحية لم يستفيدون من توظيفه لخلق فرص لشباب وشابات المدينة الجبلية ، فرغم ميزاتها الطبيعية والثقافية فسوسة مهمُلة كغيرها من مدن الجبل ...اصبحت المبانى الحديثة تزحف على كل مكان مهددة القبور والمبانى الاثرية المحيطة بالمكان لعشوائية التخطيط والتنفيذ..للمدينة متحف تم افتتاحه فى العام 1929 لم يكن يسمح الا للباحثين بالتردد عليه ثم صار مفتوح للزوار دون استثناء ، وللاسف الشديد المتحف يتحتاج لترميم والتطوير للحفاظ على مايحوى من مقتنيات ثمينة، يمكن ان يكون ضمن الامكان التى تجلب مدخول كبير لبلدية المدينة ..
كنت اجلس لاسجل هذه الانطباعات والافكار فى بهو الفندق بعد عودتى اليه لاداء صلاة العصر منتظرة شقيقى امون ، لتناول غداء متاخر فى مطعم قريب ، هناك واصلنا النقاش حول ما قام بانجازه وما يمكن ان نفعله بقية النهار، عدت من جديد لمبنى مراقبة الآثار لجمع معلوماتى ومزيد من التقارير منتظرة كريستين التى حضرت مر عام على اخر مرة التقينا فيها ، كانت فتاة تصغرنى فى السن ،حاصلة على درجة الدكتوراه ، كنت كلما التقيتها ابتسم على مفارقة الدراسة فى عالمنا العربى ، ولو فكرت فى الدراسة بفرنسا يمكن ان تكون المشرفة على اطروحتى ، هكذا كانت تعرض علي فنحن منسجمتان ، ومتفاهمتان فى ما يخص الجوانب العلمية والانسانية ايضا ...غادرت عائدة الى الفندق من جديد ، والشمس تغطس فى البحر وكانها قطعة سكر ملونة ..كنت اردد لنفسى بيت شعرى لم اتذكر من قائلها رغم شهرته: أرأيت سوسة والاصيل يلفها ..بدات الحركة فى المدينة تخف ، بعيدا كانت تسُمع انغام مزمارجبلى يتردد صداه فى الشوارع الهادئة ، مثيرة مشاعرى فكنت افكر فمن يكون العريس والعروسة وهل تزوجا عن قصة حب ام لايعرفا بعض ؟ رغم انه فى الجبل الاخضر قصص الحب انجح من اهل المدن ، وهذه الملاحظة عندما دققت فيها عبر الوقت ، وجدتها تنطبق بنسبة كبيرة ، رغم صرامة التقاليد الا انها لا تمنع ان اعلان فلان اعجابه ورغبته بفلانة حيث يصبح ذلك الاعلان بمثابة خطبة شفهية غير رسمية بين الطرفين ، كما ان نسبة الزواج مرتفعة بين الشباب لقبول الكثير من الفتيات مشاركة اهل الزوج فى بيتهم ، وبذلك تحل مشكلة السكن ...فى السابق كانت الزيجات تتم داخل العائلات المتقاربة ، والان صار بالامكان لبنات المنطقة الزواج من خارج القبيلة ، خاصة مع ارتفاع نسبة التعليم الجامعى ...يشتهر شباب وشابات المنطقة بجمال فريد ، فهنا اختلطت دماء واعراق كثيرة ..
....ما يروى عن تاريخ المدينة فى الحقبة الاستعمارية الكريهة قيام الليبين بتزويج بناتهم فى سن صغيرة حمايا ً لهن من الجنود الايطاليين الذين صاروا يتقدمون خاطبين من اسر الجميلات فيهن ...فيذكر عن شغف احد كبار القادة الايطاليين باحد فتيات قبيلة الحاسة فتقدم خاطبا ً فلم يجد اهلها من حل سوى تهريبها الى منطقة اخرى ...تاريخ المنطقة يمتلىء بالقصص عن معارك بين المجاهدين والايطاليين ن هنا قتُل سيدى الفضيل بوعمر احد كبار قادة حركة الجهاد الليبى بالجبل الاخضر ن واحد المقربين من سيدى عمر المختار ، ويمكن مشاهدة النصب التذكارى الذى اقيم فى فترة لاحقة منتصبا ً على سفح الجبل الاخضر المحيط بسوسة ...
وصلت الى باحة الفندق لاجد شقيقى امون ينتظرنى لكى نغادر الى بلاغراى حيث سنبيت ليلتنا عند اخى الكبير آبيه " ...كنا نغادر سوسة والليل يلفها والقمر بدرا .. فتحت نافذة السيارة لاستمتع بالنسمة الباردة منصتة لازيز الحشرات وهسهسة اشجار الكافور ..توقفنا عند مقهى صغير يبيع الشطائر والسندوتشات اللذيذة فى مدخل مدينة كرينى .." ايوه يا امونا احسن ما نتعبوا سوسو مرات آبيه ، انت عارف وضعها الصحى هلا الفترة ، على الاقل توا نشربوا معهم شاهى ونهدرزوا " .. توقفنا امام بيت اخى الكبير على قرابة الساعة ال10ونصف ليلا ً، بعد ان اتصلنا بآبيه لكى نعلمه بوصولنا ، خرج آبيه راكضا ً على الدرج تسبقه بناته ..آبيه اخى لابى من زواج سابق لم يستمر الا بضع اشهر كان ثمرته هذا الأخ الرائع ، الذى خرج علينا ساخطا ً : " باهى كنتوا تغديتوا ومشيتوا ياسى ، شنوا الدينا بتطير ، ولاالله حتى فطرتوا " ..مابين قبلات البنات وكلمات آبيه الغاضبة وصدى الضحكات يتردد فى ليل بلاغراى الهادىء دخلنا الى البيت حيث وجدنا سوسو بانتظارنا بابتسامة عريضة على وجهها ، فأنا وهى نرتبط بصداقة رائعة ، كم احبها وارتاح فى صحبتها ، ولا احتمل لحظة الم تمر عليها فهى طيبة القلب وحنونة ، نوع من الناس لم نعد نجده كثيرا ، وهى فتاة جميلة جدا ومن اسرة محافظة من اسر البيضاء ..احب محبتها لزوجها وبناتها وبيتها ..جلسنا حتى ساعات الفجر نتحدث ، ثم تركتنى لتنام فهى وضع صحى مرهق قليلا ،فهى تنتظر ولادتها بين يوم وآخر ..
.. جلست بعد صلاة الفجر لاكتب قليلا فقد عجزت عن النوم،صديقتى زينا ونييديوا كانتا ببالى وانا ادون مابخاطرى من معلومات وملاحظات ، ... الهدوء يلف المدينة الجميلة ذات المناخ الصحى ...نعم انها بلا غراى او بيضائى مدينتى التى لا يعادلها اى مدينة فى عشقى لها الا لندن .. مع شروق الشمس نمت قليلا حتى الساعة ال10 ، لأستيقظ على بنات اخى وهن يجلسن على رأسى محاولات ايقاضى باى طريقة لالعب معهن ، هنو وياسو الصغيرة التى سماها آبيه على اسمى من شدة الارتباط بينى وبينه ..كن يركضن هنا وهناك وانا نصف نائمة اواصل حديثا مع سوسو ، متناولة افطارا ً خفيفا ً ...غادرنا بلاغراى ظهرا بعد ان مررنا على مقام سيدى رويفع الانصارى حيث صلينا فيه صلاة الظهر ، ثم انطلقنا عائدين الى بنغازى التى وصلنا على آذان العصر ...

السبت، ١ أغسطس، ٢٠٠٩

آريتى القورينائية Αρετή Κυρηνεία ...انا...ونون النسوة


ليت شعرى ، يامولاى أبوللو ، لو أنى كنت عشت فى عصر لم أدركه ،

(ذلك العصر الذى كانت ربات الشعر..)

وكنت أنت أيضا فيه موضع الإجلال والإكبار..

كم كان من الأفضل لى..

الايامبيةIII كاليماخوس القورينى

كلما وجدت تعليق يشير الى شخصيتى باسم فتاة المحيط ابتسم ، ولاأمانع ولكنى آريتى Αρετή هكذا كنت اقول ..نعم لقد صدقت اننى آريتى القورينائية Αρετή Κυρηνείواحد من شهيرات التاريخ القديم ,وهى واحد من 32 من النساء اللائى مارسن الفلسفة فى العالم القديم ...لنبدأ الحكاية من البداية ...نشأت فى بيت يحتل فيه تخصص التاريخ والآثار مكانة هامة ، خاصة ان والدتى درست نفس التخصص فى الجامعة الليبية القديمة ، ثم كان لدى خال احتل استاذ كرسى الحضارة البيزنطية فى الجامعة الليبية مما جعلنى اتعلق بكل ما هو قديم ، فكانت ارفف المكتبات ببيتنا ملىء بكتب تتحدث عن نفس التخصص ..وما زاد عمق اتجاهى رحلاتنا الى الخارج ...فى اثينا كنت اقضى وقت طويل فى القراءة وحضور المحاضرات التثقيفية عن الآثار ..كما ان اسلوب التعليم الذى اعتنقته والدتى كان يصب فى نفس الاتجاه فكنا نعرف الكثير عن هوميروس والياذته ومسرحيات سوفوكليس وملهاة يوريبيدس ، وكل التراث الكلاسيكى الغربى فى سن صغيرة ...فوجدت ذائقتى تتشكل فى اتجاه ادبى تاريخى ، ثم جاء التحقى للدراسة بهذا التخصص كخطوة اخيرة تمت بسلاسة ...فى مرحلة مابعد الجامعة ومع التغيرات التى طرأت على حياتى الشخصية بعد وفاة والدى رحمه الله صرت ابحث عن" انا " ..عن وضع افكارى وتربيتى محك التجربة ..عن المساواة وعن كيانى كفتاة ليبية وسط مجتمع ذكورى محافظ ..كنت احاول ان افهم اعرف اكثر عن مجتمعى و بيئتى فأنا من اب بدوى وام حضرية ومابين البيئتين من اختلاف فى الافكار واساليب العيش ...كانت سنوات صعبة جدا ولا انكر اننى تعبت كثيرا حتى بدأت افهم واستوعب كلما تقدمت فى البحث والاستقصاء والتحليل والمقارنة ...فى العام 2005 جاءت تجربتى مع مؤسسة تبرة لتنقلنى الى مستوى رسمى من البحث حول تاريخنا كنساء ليبيات عبر التاريخ ..فوجدت نفسى منهمكة فى تسجيل قصص نسوة خضن معترك الحياة العامة ونجحن فى انشاء اسرهن وتحقيق الاستقرار الاجتماعى وبالتالى فقد استطعن تحقيق المعادلة الصعبة ..كنت فى كل مرة اترك فيها احدى تلك السيدات العظيمات –لبساطتهن وعمق افكارهن وعطاءهن اللامحدود – اجد نفسى فى حالة تأمل ، حتى وصلت الى مرحلة استقرار نفسى وفكرى من هذه الناحية ..وسط تلك المعمعة تذكرت آريتى القورينائية تلك السيدة الليبية التى ولدت وعاشت وماتت على ارضنا ..السيدة التى مارست عملها كفيلسوفة ومديرة لمدرسة فلسفية هامة محققة نجاحا ً عظيما تاركا ً آثر لا ينسى فى تاريخ الفلسفة ..آريتى ويعنى اسمها فى اللغة الاغريقية الفضيلة ..عاشت فى الفترة مابين (c. 400 BC–c. 340 BC) ولدت هذه السيدة فى قورينى المدينة الليبية ذات الصبغة الاغريقية فى فترة وصلت فيها الحضارة الاغريقية الى ذروتها ..ربما بعضكم يقول بإن قورينى ارث اجنبى ..ولكنى لست من معتنقى هذا الراى لان باتوس مؤسس المدينة جاء وبرفقته عدد قليل من المهاجرين حيث اصبحت قورينى تحتل مساحات شاسعة فى الجبل الاخضر ، ولا يمكن لذلك العدد القليل ان يبنى تلك المبانى الفخمة والمعابد الكبيرة ويعمر الريف بهذا العدد الكبير من المزارع ، ولليبيين سكان المكان اسهامهم الكبير..لنعود الى آريتى التى هى ابنة فيلسوف شهير يدعى آريستيبوس مؤسس المدرسة القورينائية او صاحب مذهب اللذة الذى رافق سقراط الشهير وتتلمذ على يديه ، ثم شهد معه لحظاته الاخيرة قبل ان يرجع الى قورينى ليؤسس مدرسته تلك ، ثم يتركها فى رعاية وادارة ابنته آريتى رغم وجود ابن آخر له ،حيث اخذت تعتنق مبادىء والدها وتعمل على المناداة بها ، كانت مهتمة بالعلوم الطبيعية والأخلاق ، كانت مثل أبيها متعلقة بعالم لامكان فيه لسادة أو عبيد ، عالم يكون فيه الجميع أحرارا ً من القلق ..وقد قرأت ان والدها ألف كتابا ً وجهه إليها ، كما وجه إليها أجمل نصيحة فى رأيه ، وهى أن تبتعد فى كل شئونها عن الافراط والزيادة وأن تتحذ موقفا ً وسطا ً بين الأمور .. وهى القاعدة التى نادى بها ارسطو المعلم الاول ..قضت السيدة آريتى حوالى ال33 عام من عمرها وهى تعمل بالتدريس بالمدرسة حيث وصل عدد تلاميذها وقت وفاتها حوالى 110 فيلسوف من بينهم ابنها آريستيبوس - الذى لانعرف الكثير عن والده ولكنه حمل لقب ابن أمه لتلقيه العلم على يديها - الى جانب آنتيباثروس القورينى و ثيودورس القورينى وهجسياس وآنيكريس من بعد ..كما انها آلفت 40 كتابا ً لم يصلن منهن شىء الا عبر آراء وكتابات الآخرين ممن تتلمذوا على يديها .رغم حرمان النساء فى تلك الفترة من حضور اى اجتماعات عامة ، الا انها تمتعت بمكانة محترمة فى المجتمع القورينائى والاغريقى ، كما انها كانت نشيطة استطاعت مشاركة مدرسة افلاطون بعض مناشطها الفلسفية ، تميزت آريتى بصرامة اخلاقية رغم مذهب والدها الذى يحض الناس على التمتع بكل ملذات الحياة ، ورغم سمعة والدها السيئة كرجل منحل اخلاقيا ً ...كتُب على قبرها كمرثية لها بعد وفاتها انها تمتعت بجمال هيلين وروح سقراط ولسان هوميروس ، وهو مديح نادرا ما ناله فيلسوف فى ذلك الوقت ..عندما فكرت فى التدوين وفى تلك الليلة التى بدأت فيها التسجيل واتباع الخطوات اللازمة وجدت نفسى اختار آريتى كمعرف لشخصيتى واضع صورة افتراضية لها ، إذ كنت اعمل وعينى على صورتها المثبتة على لوحة اعلاناتى فوق مكتبى ...كنت اتذكر رحلاتى الى قورينى وكافة ارجاء الجبل الاخضر واسترجع كل ما قرأته عنها وعن مدرستها وآراءها ...والآن صرت كلما وجدت نفسى فى بيت اسرتى الصيفى ببلاغراى "البيضاء"القريبة من قورينى اهرع باحثا ً عن آثاربيتها محاولا ً التخمين اين موقعه ، واين موقع مدرستها ...احيانا ً اجد نفسى مبتسمة وانا اجوب الغابة القديمة فى قورينى متأملا ً يوما ان اجد شىء يخصها ..اقف دائما عند نبع ابوللو استمع الى خرير الماء ..اتتبع مجراه ..ثم اجلس فى كهف ميثرا منصتا ً لصوت نبوءات خلفها الزمان وراءه على جدرانه ...اعود الى يوسيبيريدس المترهلة ، مسترجعا ًحماسا ً لمواصلة البحث عن آثار نسوة عظيمات يواصلن العيش والعطاء بصمت كبير ...