الأربعاء، 7 سبتمبر، 2016

كتاب "فراشات تبحث عن أجنحة " و الدور الذى يلعبه المعلمون فى حياة الأطفال



أرادت "شاري" المعلمة الامريكية للصف الأول في لوتون،أن تقوم بشيء مختلف مع طلابها في اليوم الأخير من المدرسة ، فجاءت مرتدية فستان أبيض وطلبت من طلابها الذين أطلقت عليهم اسم “Precious Picassos” أن يرسموا على الفستان ، كي تحصل منهم على تذكار سيبقى معها دائما .

تصرف شاري جميل ومُلهم قد يدفع البعض فى عالمنا العربي للتساؤل بحسرة عن افتقاد مدارسنا لوجود مثل هذه المعلمة ، خاصة مع تزايد الاخبار فى السنوات الأخيرة الراصد لاعمال عنف قام بها بعض المعلمين والمعلمات ضد تلاميذهم ، بعضهم لايزال فى المرحلة الابتدائية او مادونها .

ربما تبدو الصورة مظلمة كثيرا فى عالمنا العربى ، لكون الاعلام أصبح يركز على اخبار سلبية اكثر من ان يقدم صورة متوازنة لما يجري حقيقة بالواقع الذى يدهشنا فى أوقات كثيرة بنماذج وقصص وشخصيات جميلة لايُسلط عليها الضوء كفاية ، ولا نكاد نراهم ونتعرف على افكارهم ومشاريعهم إلا من خلال عالم الانترنت ، و بالمدونات وشبكات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص . 

خلال الشهور الماضية تابعت أنشطة تقوم بها "إلهام مزيود " وهى معلمة جزائرية شابة تدرس اللغة الفرنسية لأولاد الصف الخامس بالمرحلة الابتدائية بأحد مدارس مليله الجزائرية ،إذ كانت تشاركنا أى نحن اصدقائها الافتراضيين بمشاريعها مع تلاميذها الصغار التى تقوم بها بمنتهي الحماس والحب والرغبة الصادقة فى العطاء .
 أشاعت "إلهام مزيود" جو من السعادة والفرح في البيئة التعليمية التى تعمل بها، حيث أشعرت كل طفل فيها أنه مميز ، كما ساهمت فى دفعهم للقراءة والكتابة ، وشجعتها على نظم الشعر ، رغم بساطة تعابيرهم و كلماتهم الطفولية حيث حرصت على التأكيد لهم من خلال الاقوال والافعال بأنها تثق فى قدرتهم ، دافعة اياهم لاكتشاف مواهبهم ، فكانت ثمرة تدريس وانشطة العام الدراسى 2016 ، كتاب صغير بعنوان " فراشات تبحث عن أجنحة " يضم نصوص شعرية وخواطر لأطفال لم تتجاوز أعمارهم الحادية عشر ، تنوعت مواضيع النصوص بين المدرسة ، والأم ، والريف ، والوطن ، و المعلمة ، الكتب ، فى كلمات بسيطة ، ومباشرة ، لكنها مؤثرة للعفوية والبراءة فى طريقة تعبير الاولاد الصغار عن مشاعرهم وافكارهم ،و بعض مادونته أناملهم الصغيرة تعابير تعكس أرواح وعقول واعدة فمثلا كتبت التلميذة نهاد زغمار : "أنا أطالع دائما حتى أصبحت المطالعة دماً فى عروقي " .

تقول إلهام عن التفكير فى جمع ماكتبه تلاميذها بدأ من قيام تلميذتها أميمة باهدائها قصيدة "معلمتي " إذ فكرت فى كيفية الحفاظ على هذه الروح لدي الاولاد كذكري تُلهمهم مستقبلا ً  : " أردنا أن نحتفظ لهم بذكرى يلجئون إليها يوما ما ليشعروا بالفخر ، وهم يرددون ، من هنا فردنا أجنحتنا وحلّقنا، وهنا وضعنا بصمتنا ورسمنا قوس قزح غلّف براءتنا..." .

فرأت أن تجمع قصاصاتهم الصغيرة فى كتاب الكتروني لايتجاوز عدد صفحاته 54 صفحة، تضمن مقدمة مكتوبة من مدير المدرسة ، وتقديم قصير من معلمة اللغة العربية لأولئك الاولاد ، و فى خاتمة الكتاب الصغير تضمن تعليقات لطيفة ومشجعة من كتاب جزائريين وعرب حول محتوي الكتاب .

لاشك أن اهتمام ألهام مزيود بهذا الجانب لدي الأولاد يدخل ضمن التعليم الناجح ، فحب التلاميذ ومساعدتهم على التعرف على قدراتهم واطلاق طاقاتهم ، قد يغير فى مستقبلهم ، ومن يدري ربما هذا التشجيع يؤتي بثماره مستقبلا فيظهر من بين هذه الأسماء شاعر أو شاعرة يترك بصمته فى الشعر بالجزائر وبالعالم العربى .

الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

زهور هيروشيما ..



استيقظت مدينة هيروشيما فى الثامنة وربع من صباح الخامس من أغسطس على أول قنبلة نووية فى العالم تلقُي على مدينة آهلة بالسكان ، حيث خلفت دمار شامل ، قضى على حياة 140 ألف شخص ، لتقوم الولايات المتحدة الامريكية بألقاء القنبلة الثانية على مدينة ناجازاكي فى الثامن من اغسطس لتقتل 74 ألف ياباني .

و رغم فقدان اليابان عشرات الآلاف من مواطنيها ، إلا أنه كان هناك ناجون عانوا من التجاهل، لوقوع البلد تحت الاحتلال الامريكي ،ماجعل معاناة أولئك الناجون مضاعفة فقد عانوا من آثار الاشعاع النووي على اجسادهم ، وأرضهم ، وتمزقت حياتهم دون أن يُسمح لهم بالحديث او الاحتجاج .

فى سنوات طفولتي كنت قد قرأت الكثير من المعلومات المتداولة بالمجلات حول القنبلتين ، ولكن لم اعي جيدا ً ماتركته من آثار مدمرة على حياة الناس بالمدينتين المنكوبتين إلا بعد قراءتي لكتاب زهور هيروشيما للسويدية " إديتا موريس " فى شهر مارس من العام 1994 حيث عثرت على نسخة من الكتاب بالمكتبة المركزية بجامعة بنغازي ، رغم مرور سنوات طويلة على تلك القراءة إلا أن للكتاب أثر لم يُمحي فى نفسي ، و رغم تعمق قراءاتي فى سنوات لاحقة حول القضية التى طرحها فقد فتح عيناي على الآثار العميقة المدمرة لقنبلة هورشيما وناجازاكي، ماخلفته من حزن وألم ويأس فى نفوس اليابانيين فى فترة الصدمة بعد ألقاء القنابل على مدنهم ، كما ساهم فى رؤيتي للضحايا كبشر لهم حياتهم الخاصة واحلامهم وطموحهم وهواجسهم ومشاعرهم ، لا كمجرد أرقام كما قد نقراهم فى كتب التاريخ او نشرات الاخبار او نسمع عنهم بوسائل الاعلام .

زهور هيروشيما هو عبارة عن رواية مستقاة من حكايات الناجيين من القنبلة فى هيروشيما ، وقد صدر الكتاب فى العام 1959 ليتُرجم الى حوالى 39 لغة .و تدور الحكاية الرئيسية فى الكتاب حول "يوكا" التى تعانى بصمت مع زوجها المصاب بآثار الاشعاع النووي ، فتضطرها ظروف الفقر والعوز الى تأجير غرفة فى بيتها لامريكي يزور بلدها ، حيث تعمل على تقديم وجه مختلف عن اليابان ، مخفية عنه اصابتها وزوجها بالاشعاع ، طامحة ، وطامعة بأن تنجح بتزوجيه من شقيقتها الحسناء المصابة مثلها بآثار الاشعاع ، فيوكا تعرف بإن شقيقتها لن تحصل على أدني فرصة فى الزواج من ياباني إذ انتشر خبر مرضها وزوجها، ولهذا فهي تري بإن على الامريكيين تحمل عواقب انجاب اولاد مشوهين من امهات يابانيات عانين من آثار قنابلهم.

استخدمت الكاتبة السويدية أسلوب سردي سلس ، رقيق و شاعري ، فى وصف الحياة التقليدية لليابانيين ، لعاداتهم وفنونهم وطبيعتهم ، تدفع بالقارىء بالاستمتاع وتعلم الكثير حول الحياة ونمط العيش باليابان ، ويتعاطف مع شخصيات الكتاب من ضحايا الاشعاع ، يتألم لاوجاعهم و لخيبات أملهم فى من يخذلهم من أقارب أو اصحاب او معارف .

****
على الهامش:

فى العام 1980 وقف المطرب الليبى أحمد فكرون على مسرح بمدينة طوكيو كي يقدم لجمهور من الشعب الياباني إغنية رقيقة من تلحينه حول هيروشيما تقول كلماتها :" الحب كلمة للحبيب تنقال ..فيه ناس ما عرفهوش ما زال ..تفكر وتصنع ف الدمار والنار ، تقول ما شافوا عيون اطفال" .

هذه الأغنية التى كنت استمع لها فى طفولتي فى نزهاتي برفقة اولاد عمومتي الأكبر مني سناً ، حفزتني لاحقا ً لاعرف ماهي حكاية هذه المدينة .

الجمعة، 17 يونيو، 2016

خمس سنوات على رحيل "هناء النعاس"، رائدة في العمل الأهلي في ليبيا

مرت خمس اعوام على رحيل الصديقة "هناء النعاس" بعد صراع مع المرض، والسيدة هناء كانت ناشطة في مجال قضايا المرأة، كما أنها كانت من أوائل المدونين الليبيين حيث بدأت في التدوين والكتابة في العام 2005. ورغم أن السيدة هناء عاشت بالولايات المتحدة الإمريكية سنوات طويلة، إلا أنها لم تنسى وطنها "ليبيا"، فقررت أن تقوم بعمل لصالح مجتمع ليبيي المهجر، ولصالح المرأة الليبية، فكانت وراء اطلاق مؤسسة "تبرة" في العام 2001. مؤسسة تبرة مؤسسة أهلية تطوعية تسعى لإثراء حياة المرأة الليبية و النهوض بها أينما كانت، من خلال إبراز تفوق المرأة الليبية في شتي المجالات وتشجيع النساء القياديات، عبر إنشاء "جوائز تبرة"، بالإضافة إلى تسليط الضوء على نجاح الشابات الليبيات، و الاعتراف بتفوقهن، ومساعدتهن على النمو وتقديمهن كمساهمات فاعلات في بناء المجتمع الليبى بالداخل أو الانخراط في مجتمعاتهن الجديدة بالمهجر

وكانت السيدة هناء تقول عن عملها التطوعي "إن قيمة حياة الإنسان لا تقاس بعدد السنين التي يحياها ولكن بعمله في هذه الحياة وما قدمه لنفسه ولمن حوله وللبشرية بصفة عامة.... و المهم من وجهة نظري، أفضل أن تكون حياتي قصيرة نسبياً ولكن غنية بالعلم والمعرفة والعطاء والتجارب والتكرس لما فيه النفع للبشر."*

وقد فسرت السيدة هناء سبب اختيارها لاسم "تبرة " لكونه يحمل دلالة رمزية فهو: ".. إسم قديم و شائع في جهات مختلفة من ليبيا ، يعني ذهب، أو خامة من ذهب، تم إختيار هذا الإسم كرمز للخامة الليبية المتمثلة في الفتيات والنساء اللاتي يتم تكريمهن و تقديمهن كنماذج من الموارد البشرية النفيسة في المجتمع الليبي، بإعتبار أن كل واحدة منهن تبرة ".

لم تحصر السيدة هناء أهداف المؤسسة حول فئة معينة من النساء من ناحية  العمر أو مكان الإقامة، إذ أن المرشحات للجوائز أو للأضواء مميزات بأعمالهن لا بكونهن نساء في المهجر، فلم يقتصر برنامج تبرة التكريمي على الليبيات بالمهجر ، إذ سعت لتسليط الضوء على انجازات نساء الداخل رغم القيود المفروضة في تلك السنوات على التواصل والعمل بحرية داخل ليبيا 
.
منذ إفتتاح مشروع جوائز تبرةفي العام 2001 تم تكريم اكثر من 23 فتاة من خريجات الثانوية العامة، تحصلت 7 منهن على جوائز مالية تم دفعها للمساهمة في تغطية مصاريف الدراسة الجامعية أو المستلزمات المدرسية، وتحصلت جميع المرشحات على شهادات تقديرية ، وكانت قيمة الجائزة المالية تعتمد أولاً و أخيراً على التبرعات التي يتم جمعها من أفراد المجتمع الليبى بالمهجر. وكانت القيمة المعنوية هي الأهم بالنسبة للفتيات فهي أكبر بكثير من أي قيمة مادية، فهو بمثابة التكريم من وطنهن لما يحققنه من تفوق ونجاح وانجاز.

وقد شارك في لجنة التحكيم لمنحة تبرة  حوالى 18 شخصية من الليبيين بالمهجر، وبالداخل الليبى في عامي 2006 و 2007، و هم من الخبراء والمهنيين من أفراد المجتمع الذين تطوعوا بخبراتهم ووقتهم لدعم مشروع تبرة.

منذ العام 2003 كانت لى مشاركتي في انشطة وبرامج "تبرة " كمساهمة في الكتابة بالمؤسسة ، و كممثلة لهم بالداخل بالاتفاق مع السيدة هناء النعاس، ورغم صعوبة العمل في الداخل الليبى من تقييد وتضييق من قبل الأجهزة الأمنية لنظام القذافي، إضافة لغياب ثقافة العمل التطوعي والمجتمع المدني، إلا أن تجربة مشاركة العمل مع باقى المتطوعات والمتطوعين بالمؤسسة كانت من التجارب الجيدة التى خضتها في تلك السنوات، إذ اتاحت لي الفرصة كي ألتقي وأتعرف على نساء ورجال عملوا بصمت ومثابرة وصبر من أجل الصالح العام في ظل النظام السابق. 

كانت هناء النعاس انسانة إيجابية ونشطة، لم تقتصر هناء النعاس على مشروع تبرة، فقد ساهمت مع مجموعة من ليبيي المهجر في انشاء موقع ليبى باللغة الإنجليزية يعرُف بالثقافة والفنون في ليبيا. بالإضافة لمشاركتها في تنظيم احتفالات ومناسبات ثقافية وفنية للتعريف بالتقاليد و الحياة في ليبيا في المهجر.

درست هناء في مدارس مدينة بنغازي حيث ولدت وعاشت جزء من حياتها، قبل أن تنتقل مع اسرتها للخارج لطبيعة عمل والدها السيد عبدالرحيم النعاس في مجال المصارف والنفط ، نالت درجة الماجستير في الاقتصاد وادارة الاعمال ، وعملت في مؤسسات اقتصادية ومصارف عالمية في بيروت ولندن قبل أن تستقر في الولايات المتحدة الإمريكية بعد زواجها من السيد "سليمان دريجة" .

كانت هناء رغم المرض ومعاناتها، تفكر في خطط لمشاريع جديدة تنفذها في مجال العمل للصالح العام في ليبيا، إلا أن المرض والموت لم يمهلها، رحلت الصديقة الُملهمة هناء النعاس في السادس عشر من شهر يونيو العام 2011 بعد معاناة مع مرض السرطان، حيث شهدت بدايات ولادة جديدة لليبيا، تاركة ذكري جميلة لدي من عرفها او عمل معها او شاركها أنشطتها.
 
----------------
* جزء من نص رسالة هناء لوالدها السيد عبدالرحيم النعاس بتاريخ 30 مايو 2010

الأحد، 1 مايو، 2016

تجربة المقصبي كعامل بناء أثناء الحكم الاستعمارى الإيطالي لليبيا ..




 اتبعت إيطاليا أساليب استعمارية فى منتهى الوحشية والشراسة للقضاء على حركة المقاومة الليبية ضدها ،فذهبت الى حد القيام بحشر سكان برقة داخل معتقلات جماعية تحيطها الاسلاك الشائكة فمات أكثرهم من الجوع والعطش والأوبئة ، وهلك ماتبقى من المواشى وأصبحوا فقراء اذلاء بعد معيشتهم الكريمة ، كما حاصروا سكان المدن داخل مدنهم وأغلقت أبوابها ومنعتهم من الخروج وحرمت عليهم الزراعة وتربية المواشى وذلك اضعفت قوتهم واتسنزفت أموالهم وأرواحهم بحجة اتصالهم بالعدوأى المجاهدين فخيم الجوع و الفقر على الشعب الليبى سواء من حُصر بالمعتقلات او بالمدن .
***
فى ظل هذه الظروف الصعبة بدأت الحكومة الإيطالية فى تنفيذ مشروعها (شق الطريق الرابط بين المدن الساحلية الليبية) فاستدعت شركات المقاولات من إيطاليا وأعطت لكل واحدة منها قطعة من الطريق وصرحت لها بإخذ العمال العرب أى الليبيين.

فبدأ الليبيين بالتقدم إلى تلك الشركات ، سواء فى ذلك العامل والمزارع والصانع و التاجر آملين فى رفع مستوى معيشتهم الذى انحط للحضيض، وسجل كل منهم اسمه وقدم دفترائيات شخصية إلى الشركة لكى تضمن تنقله خارج المعتقل او المدينة المحاصرة ، فامتلآت المراكز المشرفة على طول الطريق .

"كنت ضمن خلق كثير أعطوا دفاترهم إلى أحد الإيطاليين يدعى (مانويلى) قدم درنة مندوبا ً عن شركة إيطالية يرأسها إيطالى يدعى المهندس (فينيالى) وكان دفتر إثبات الشخصية فى ذلك الوقت بمثابة قيد على الشخص فيصبح العمال بمثابة عبيد أرقاء للشركة التى تلمك دفاترهم تسوقهم نحو أغراضها كما تساق الماشية "
يوم 12فبراير 1931 احتشد أكثر من ستمائة عامل من الذين تحصلت عليهم الشركة أمام باب بنغازى ، بعد حصر عددهم من قبل سلطة الكرابينارى والتدقيق على شخصياتهم وأوراقهم والسماح لهم بالركوب فى السيارات الكبيرة التى ستنقلهم الى القيقب مقر الشركة التى تشارك بجزء من الاعمال لشق الطريق ، حيث سيتم حرستهم من قبل الجنود الاحباش خوفا من هربهم أو اتصالهم برجال المقاومة الليبية .

كان يتم جمعهم قبل الغروب وأيديهم دامية وأجسامهم مرتخية من وطأة التعب ، فيُنادى عليهم بكلمة (ريقه) أى جمع ، فيصطف الجميع فى طابور طويل ليقوم مسئول المركز كرابينارى إيطالى برتبة (بونتاتو- كبرن) بالتفتيش عليهم ، وقد عُرف هذا المسئول بالغطرسة والشدة فى التعامل مع العمال الليبيين ، وهو مشهوربهذه الصفة فى جميع مراكز الجبل الأخضر ، ويكفى أن تذكر اسمه (انجيس) لأى عامل بين درنة وشحات فيجيبك: - يالطيف من هذا المارد الجبار المخيف.

كان انجيس يمارس تعذيب العمال ويوقع عليهم العقوبات لاتفه الاسباب فيذكر المقصبى بأنه لايكاد يمر يوم دون أن يرُى انجيس يقوم بجلد عامل بالسياط أو مركول بالاقدام أو مضروب بالعصا ، ولم يفرق بين كبير او صغير فى السن .

 وكان الموكل بالعد أحد رجال الزبطية يدعى (هاتلاى) وكان لايتقن العد بالايطالية وكثيرا مايخطأ فيكرر العملية المملة ، وفى نهاية كل يوم يكرر (انجيس) الخطبة التى لم يتغير لفظها ومعناها طيلة ثمانية اشهر.

"أيها العمال أحبوا دولتكم اذكروا فضل العميم ، وأطيعوا رؤساءكم وأخضعوا لهم خضوع العبيد لسادتها ، اعملوا بجد ونشاط ولاتتوانوا ولاتتخلفوا عن العمل ، وإلا فإن السياط تلهب جلودكم والحبال تخر رقابكم ، ياأعفن خلق الله ، أيها الحيوان الناطق..أيتها الكلاب الضالة ، منتهى العفونة والقذارة ...ياأرد ماخلق الله ، يامن يرأفون على رجال العصابات ويدسون لهم الخبز والسكر والشاى فى التراب وتحت الحجارة، يامن تكنون فى صدروهم العداوة والكراهية والبغضاء لدولتهم الرحيمة إيطاليا".

وعندما ينتهى من ألقاء خطابه يطلب منهم الدخول للحظائر المخصصة لنوم العمال الليبيين ، ويورد الحاج فتح الله المقصبى أمثلة على الاسباب التى جعلت (انجيس) يوقع العقوبات على أولئك العمال البائسين .

تحت عنوان (كنت أتوضأ) سرد الحاج فتح الله المقصبى حكاية رجل يدعى عبدالسلام الحاسى كان رجل متدين مواظب على الصلاة خرج ذات صباح ليأتى بالماء من العين ليتوضأ ، فتعرض لعقوبة الجلد على يد (انجيس) حيث تلقى خمسين جلدة بالسوط .

ويروى لنا حادثة ركوب (انجيس) على ظهر الحاج حميدة تربح وهو قائم يصلى صلاة المغرب ، إذ ركب ظهره قائلا : سر بى أيها الحمار إلى الجنة التى تتعبد من أجلها.

كما يحكى لنا الحاج فتح الله حادثة تبول (انجيس) على النيام من العمال بالعراء فى ليالى الصيف حيث يهربون من كثرة البراغيث داخل البراريك المخصصة لنومهم.

مع اشتداد الضيق والهم بالعمال وتراكم المصائب والآلام عليهم مع تقطع السبل بهم فى القيقب فى ظروف معيشية وعمل شديدة القسوة يقرر الحاج فتح الله المقصبى ومعه ثلاثة من زملاء العمل ممن يثق بهم كتابة عريضة شكوى تُقدم الى متصرف شحات بحكم تبعية القيقب له ، وتضمنت الشكوى كل اعمال انجيس الوحشية بحق العمال الليبيين ، ووقعوا العريضة باسم عمال القيقب وأُرُسلت سرا ً مع سائق سيارة ليبى كان يأتى القيقب حاملا ً المواد الغذائية لصاحب الدكان الايطالى الذى يدعى (سيجرى بولينو) ، ولم يكد يمر أسبوع على ارسال الشكوى حتى قدم  متصرف شحات فى سيارة فينورا وتتبعها أخرى كبيرة محملة بالجنود الكربينارى المسلحين ، والتقى بأنجيس وتناقش معه حول الشكوى ، ليخرج المتصرف معلنا ً عن بطلان الشكوى ، بل ويوجه تأنيب للعمال الليبيين على شكاوهم ، ويقرر تخفيض اجرة العمال فرنكين من يومية كل عامل، رغم أنهم لم ينالوا اجورهم لمدة شهرين .

كما لايكتفى المتصرف بموضوع الشكوى ، ويزيد هم العمال على همهم باخبارهم عن نبأ القبض على عمر المختار وتنفيذ حكم الاعدام فيه ، ماجعل الحاج فتح الله ورفقائه يشعرون بالالم الشديد والظلم والحزن ، حتى بات الكثير منهم دون طعام فى تلك الليلة ، ولم يقدر أى منهم ان ينطق او يعبر عما بداخله من مشاعر للرقابة المفروضة عليهم فى ذلك المكان .

و لم تتحسن الاوضاع فى مركز العمل الا بعد نقل (انجيس) الى حصن آخر فى آخر نوفمبرعام 1931 ليمارس اعماله الوحشية على مجموعة أخرى من العمال الليبيين ممن يوقعهم حظهم المنكود تحت اشرافه .

***
بعد ذلك يروى لنا احداث جديدة يضعها فى فصل يحمل عنوان (مسه) وهى منطقة صغيرة تقع بالقرب من مدينة البيضاء ، ففى أواخر ام 1933 خرج المقصبى مع خمسين رجل من مدينة درنة لأجل العمل بناء على اتفاق بينهم وبين أحد الإيطاليين قدم لدرنة للحصول على عمال للعمل بشق الطريق بمنطقة مسه ، حيث اكتشف اولئك العمال الظروف السيئة جداا للاقامتهم ضمن مركز العمل ذاك ، فرئيس الشركة لم يخصص للعمال مكان للمبيت ، إذ كانوا يتُركون للنوم فى العراء فى ظل ظروف مناخية شديدة القسوة فى خريف الجبل الاخضر فى تلك السنوات حينما كانت تنخفض درجات الحرارة لتصل للتجمد .

لم تلقى شكوى العمال أى آذان صاغية ، بل رفض رئيس الشركة الطلب فى الحال ، على ان يلبى ذلك وقت هطول الامطار ، مما جعل العمال يغتنمون الفرصة فور حدوث شجار بينهم وبين احد المشرفين الطليان فقرروا ترك العمل بشكل جماعى مهددين بتعطيل العمل بالانسحاب والعودة لمدنهم ، فلم يكن بالموقع عمال من درنة فقط ، إذ عمل بالموقع مئتين عامل من شحات كذلك ، فحاول رئيس الشركة اقناعهم بالعودة للعمل ، وعندما فشل قرر اللجوء للتهديد والوعيد فأرسل رسالة للبريجدير مركز سيدى عبدالواحد مخبرا ً اياه بتمردهم وتركهم للعمل كمجموعة واحدة ، فأرسل البريجدير مستدعيا ً العمال الليبيين للقدوم للمركز لاجل اقناعهم بالعودة للعمل ، فرفضوا عندما وقفوا امامه فأمر بايقافهم ووضعهم فى خربة تتبع للمركز تمتلىء بفضلات بشرية وحيوانية ليبيت فيها العمال تلك الليلة ، و كما يتم استدعائهم للمثول امام مسئول المركز ، وهنا يذكر الحاج فتح الله حادثة قدوم رجلين يحملان شوال ملىء بالخبز وسطل ملىء بالزيت كوجبة افطار تبرعت بتقديمهم لهم سيدة مسنة شاهدت حالة اولئك العمال البائسين .

انتهى التحقيق إمام البرجدير باطلاق سراح العمال من مدينة درنة و أخذ تعهد بعودتهم للعمل بالشركات القريبة من محيط المدينة وذلك تخوفا من تحول الامر لاحداث شغب ومشاكل من اولئك العمال ضد الحكومة الايطالية. 

غادر العمال الى مدينتهم درنة سيرا ً على الاقدام فى الاول ثم ليتوقفوا فى استراحة قصيرة بالقرب من ضريح رويفع الانصارى بمدينة البيضاء ، قبل أن يواصلوا السير لبلدة شحات باحثين عن سيارة تقلهم الى مدينتهم بعد ان انهكهم السير لساعات حفاة او شبه حفاة لارتدائهم نعال مقطعة لاتصلح للسير الطويل ، فقاموا باستئجار سيارة يقودها شخص إيطالى يدعى (زمبونى) انحشروا فيها كالسردين فى العلبة .

***
يلتحق الحاج فتح الله بمجموعة من العمال من مدينة درنة يبلغ عددهم اثنى عشر رجل متجهين للعمل فى شركة بناء إيطالية تتعهد جزء من اعمال إنشاء قرية الأبرق عام 1933م ، حيث ينجح فى عمله بعد ان كسب خبرة فى قطع الاحجار باستعمال الالغام ، ويذكر المقصبى أن رئيس العمال الايطالى شخص أمى لايقرأ ولايكتب على الرغم من وجود من نال الشهادة الابتدائية من أولئك العمال ولكن الظروف السيئة هى التى وضعتهم فى تلك الاعمال الشاقة ، وقد توثقت علاقة المجموعة بذلك الرئيس الايطالى الذى تعامل معهم بطريقة انسانية وساعدهم عندما تعرضوا لمعاملة قاسية من مهندس الشركة الذى حاول توجيه الاهانات لهم رغم اجادتهم للعمل والتزامهم بأدائه على احسن وجه .
***
ويروى المقصبى تجربة عمله مع متعهد إيطالى يدعى ( بيترو فونتا) يقوم ببناء بيت فى رأس الهلال ، فأعلن عن حاجته لاستئجار حمير وجمال لنقل الاسمنت من مدينة سوسة الساحلية الى قرية رأس الهلال القريبة منها جاعلا أجرة القنطار 25 فرنكا ، ليقبل المقصبى تأجير جمله لنقل الاسمنت عبرممر ضيق ليس فى استطاعة السيارة عبوره ، ولكن الحيوانات لاقت الكثير من الصعوبات فى نقل حمولتها عبر ذلك الممر ، ماجعلها تصل الى وجهتها وهى تكاد تموت من الاعياء و مع فقدان جزء من الحمولة مما دفع المتعهد بسب وشتم الليبيين المؤجرين لحيواناتهم ،فقرر المقصبى ترك العمل ولكن مما اغضب الايطالى الذى حاول ثنيه عن ذلك ، ثم طلب منه تسليم رسالة مقفلة الى بريجدير بلدة القبة بحجة طلب مساعدة منه ، ولكن الحاج فتح الله يشك فى نوايا المتعهد الإيطالى فيقوم بفتح الرسالة فى الطريق ليكتشف بأنها عبارة عن طلب بمعاقبة المقصبى على تركه للعمل واتهامه بتحريض العمال لتقليده ، فيضرب المقصبى اخماس بأسداس متحير فى كيفية حسم أمر الرسالة فإذ سلمها لبرجدير القبة سيتعرض للعقوبة ، وإذ مزقها فسيعُرف الامر وسيتعرض للعقوبة كذلك ، فحزم امره وقرر التوجه الى مقر متصرفية درنة طالبا الاستشارة من السيد (على أفندى الجربى) رئيس الشؤون العربية أنذاك ، حيث وجد معه العمدة مفتاح الإمام فقاما بالتحدث الى برجدير درنة الذى عفى عن المقصبى بعد ان علم بماكان يضمره المتعهد (فونتا) من شر يريد ايقاعه بالمقصبى.
***
مع مع اشتداد الغارات الجوية البريطانية على البلاد صيف 1940 يترك المقصبى عمله كعامل أجير ويغادر مع عائلته الى خارج درنة متجهين نحو الساحل الشرقى حيث ينزلون بإحدى الشعب بوادى الحصين متخذين من احد الكهوف ملجأ وسكن مؤقت ريثما تنتهى الغارات الجوية الكثيفة ، بعد استقرار احوالهم فى تلك المنطقة يقرر الحاج فتح الله وشقيقه ان يتفقدا بيتهم فى درنة فيسيران بإتجاه المدينة المسورة فيتعرضان لايقاف على يد دورية إيطالية بتهمة الاتصال بالانجليز حيث يتم نقلهم الى مقر الكرابينارى بدرنة ، وكان مقرها بالجبخانة وهى كهف كبير فى وادى درنة اتُخذ كمقر لكرابينارى فى اثناء الحرب العالمية الثانية هربا من الغارات الجوية البريطانية ، فيتم سجن الحاج المقصبى ومن معه فى انتظار تقديمهم للمحاكمة العسكرية بتهم غير حقيقية ، حيث مكثوا بالسجن مدة 30 يوم فى أثنائها المدينة كانت تتعرض لضربات جوية شديدة ، بعد  تقدم القوات البريطانية الى أم الرزم طلب بريجدير درنة ان يقوم السجناء بحمل ملفات مكتب المركز لاشعال النار فيها ، لاخفاء جرائم إيطاليا من العام 1911 حتى العام 1941 والتى راح ضحيتها عشرات الآلاف من الارواح البريئة ، ومع وصول القوات الانجليزية الى منطقة الفتائح يقرر البريجدير اطلاق سراح المساجين بمن فيهم المقصبى ورفقائه ليغادروا الجبخانة عائدين الى اسرهم ، ليشهدوا قيام الإيطاليين المنسحبين من المدينة بإشعال الحرائق فى جميع مستودعات التموين و الملابس الحكومية ، ولم يكد يصل الحاج فتح الله الى بيته حتى يتم استدعائه من جديد على يد البريجدير الذى يغير رأيه ويقرر نقلهم الى مدينة بنغازى فيركبون السيارة معهم باتجاه بلدة القبة التى يبيتون فيها ليلة ملىء بصراخ الجنود المهزومين و اشتعال حرائق كبيرة فى مخازن الغذاء و السلاح ، ووسط تلك الفوضى يستكين الحاج فتح الله ومن معه من سجناء ليبيين بانتظار مايخبئه لهم القدر .

***
وصل الركب الى بنغازى فى الليل حيث كانت المدينة هادئة والشوارع خالية إلا من الحراس الذين انتشروا بالارجاء ، حيث تم إيداع أولئك السجناء بالسجن الرئيسى ببنغازى ، وفور دخولهم تسلم كل سجين بطانيتين صغيرتين لاستعمالهم كغطاء وكفراش ، و يروي الحاج فتح الله تفاصيل حزينة ومؤلمة عن ظروف سجنهم من ناحية استعمال المرحاض الموجود داخل غرفة السجن ، وعن مايثيره وجود البق والقمل بإعداد كثيرة من حك شديد للسجناء يتسبب بأمراض جلدية وتقرحات ، مع قلة الطعام وردائته ، مع تنامى هواجسهم ومخاوفهم من مصير مجهول لهم و لاسرهم ممن تركوهم ورائهم دون الاطمئنان على اخبارهم فكانت حياة أقرب للاقامة فى جهنم. 

و أفُرج عن المقصبى ورفقائه من السجناء بعد أسبوع من دخول القوات البريطانية لمدينة بنغازى، ليواجهوا صعوبات العودة لمدينتهم الجبلية البعيدة فأخذوا يطرقون أبواب مكاتب الحكومة الجديدة لأجل الحصول على رخصة للسفر فى سيارة مدنية أو عسكرية ، حيث نجحوا فى الحصول على رخصة لمدينة المرج فقط ، ليقوم الحاج فتح الله ورفقائه باستئجار سيارة يملكها إيطالى أوصلهم الى المرج ومنها تحصلوا على تجديد للاذن  من أجل السير بها الى درنة ليرافقهما فى الطريق اثنين من طليان المرج ، متخفيان فى ملابس الليبيين خوفا من تعرضهم لانتقام على السكان فى الطريق ، ويصف لنا الحاج فتح الله مشاهد لسيارات وآليات عسكرية محطمة ولبيوت المستوطنين الطليان محروقة و مخربة على أيدى القوات البريطانية ، على طول الطريق وصولا الى بلدة لملودة الصغيرة التى يضطرون لترك السيارة عندها السيارة لعطل محركها ، ومن هناك يقطعون المسافة الى القبة حيث يلتقون بالسيد محمد العمامى التى يركبهم فى سيارة اجرة تقله مع اسرته عائدين الى درنة .
***
فى أثناء توالى حركات الكر والفر والانسحابات من القوات المتحاربة على الارض الليبية يقرر الحاج فتح الله افتتاح مقهى بمدينة درنة ، وفى احد الايام بعد انسحاب القوات البريطانية من المدينة وعودة الطليان من جديد ، يأتى اليه الصبى الذى يعمل لديه بالمقهى براديو جديد من صنع انجليزى ليقوم ببيعه لصالحه ، وكان السكان المحليين يطلقون عليه تسمية (فلفولتين ) ، ويُقبض على الحاج فتح الله بتهمة اقتناء جهاز راديو للتخابر مع الانجليز فيتعرض للضرب والاهانات من بريجديرمركز المدينة، كما يتعرض للتحقيقات المرهقة التى تنتهى باكتشاف حقيقة الواشية من قبل احد الايطاليين الذين شهدوا على صفقة بيع الراديو الى مواطن إيطالى آخر ، وظنا منه بأن الجهاز الانجليزى هو أداة تخابر بين المقصبى والقوات البريطانية ، بعد انجلاء الموقف يتم اطلاق سراح المقصبى بعد تبرئته من التهم الموجهة إليه .

***
حمل الكتاب عنوان عريض باسم مذكرات عامل وتحته كُتب بخط اصغر نقطة من محيط الظلم الإيطالى ، حيث يروى لنا الحاج فتح الله سليمان المقصبى جزء من سيرة حياته كعامل بناء فى اعمال انشاءات نفذها شركات مقاولات إيطالية لصالح الحكومة الاستعمارية الإيطالية فى آخر عقد الثلاثينات بعد نجاح غراتسيانى فى اخضاع سكان برقة من خلال سياسة استعمارية شديدة الشراسة تمثلت فى حشر السكان البدو فى معسكرات ومعتقلات جماعية ومحاصرة سكان المدن داخل اسوارها .

صدر الكتاب عن مجلس الثقافة العام فى العام 2008 ، حمل غلاف الكتاب لوحة للرسام الليبى يوسف فطيس  وتضمن اهداء :" ...الى من جمعهم العمل فى منطقة القيقب أيام الحكم الإيطالى ، إلى من نسوا الماضى بما فيه من أعمال إيطاليا الوحشية وحكم رجال المستبدين ، ليتذكر من يتذكر ويعى من نسى ". 

هذا الكتاب المتوسط الحجم بصفحته ال195 محاولة من الكاتب فتح الله المقصبي توثيق تجربته كعامل فى فترة الاستعمار الايطالى ، فهو يتضمن معلومات جيدة تضعنا فى الاجواء التى عاش فيها ذلك الجيل المساهم فى تأسيس دولة الاستقلال، وما اكتسبوه من خبرات وعاشوه من تجارب أثرت حياتهم .

وكان الكاتب قد وضع ملاحظة صغيرة فى آخر صفحة فى الكتاب يشير الى السنة التى كُتبت فيها هذه القصص فى العام 1948 ، إلا أن الكتاب لاينتمى لجنس القصة القصيرة ،  كما لا يمكن تصنيفه كمذكرات تاريخية ، بل يمكن اعتباره اقرب لتوثيق جزء من تجارب المقصبي الحياتية فى فترة استعمارية اتسمت بالظلم والجور والطغيان .

وقد حاول الكاتب فتح الله المقصبي ان نقل ماعايشه من مواقف وتجارب مؤلمة مستعملاً اسلوب أدبى اقرب لكتابات جورجى زيدان و المنفلوطى ، حيث  يضمن كل موقف من تلك المواقف عبارات ملىء بالتشبيهات الادبية و الصيغ البلاغية المبالغ فيها فى بعض المواضع ، وكأنه يلقى خطب لمستمعين لا يكتب لقراء ، و فى بعض المواقف يذكر بعض الاسماء ناقصة دون توضيح صلتهم بالراوى او ماهى علاقتهم بمايجرى من أحداث فكأنه يتحدث لمجموعة من الناس من معارفه لا قراء لايكادون يعرفون عن الكاتب شىء تقريبا، ورغم  ملاحظاتى على الكتاب ، إلا أنه يعتبر جهد طيب للكاتب خاصة من نوعية المحتوي المطروح فى الكتاب .

***
فتح الله سليمان المقصبي  من مواليد مدينة درنة سنة 1913 م ، اتم حفظ القرآن الكريم قبل دخوله للمدرسة الابتدائية بمدينة درنة ، كما بذل جهدا كبيرا لتثقيف نفسه والارتقاء بكفاءته العلمية ضمن المتاح من تعليم بسيط زمن الاستعمار الإيطالي.

كما كان له اهتمام كبير بالمسرح إيمانا ً بدوره في نهضة البلاد ، فشارك فى عقد الأربعينات و الستينات كتابة وأداء عروض مسرحية مع كلا من المسرحي "محمد عبدالهادي" المسرحي "أنور الطرابلسي" حيث شاركهما السفر إلى بنغازي وطرابلس والزاوية الغربية وزليتن ومصراته والمرج حيث قدموا بعض مسرحياتهم .

 كان شغوفا بالاطلاع والقراءة و التأليف، و أن ضاع الكثير من المؤلفاته الأدبية ، ذكرياتي العزيزة ، وفى العام 1994 نُشر على حلقات فى صحيفة الأفريقي مقتطفات من كتاب المقصبى "ذكرياتي العزيزة" وهي مذكرات أدبية وتاريخية واجتماعية وسياسية .
عانى المقصبى من مضاعفات مرض السكر حيث بترت رجله فى أواخر أيام حياته حيث توفي فى العام 1965 ودُفن فى جبانة الجبخانة عن عمر الثانية والخمسين من عمره رحمه الله.