الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

رواية الأسود يليق بك: تواضع الحكاية وأناقة اللغة ومبالغات الصدف...



هالة الوافي مدرسة لغة عربية جزائرية فى منتصف العشرينات من عمرها ، تعود جذورها إلى منطقة مروانة بالشرق الجزائري ، والدها المطرب وأخيها طالب الطب يقُتلان على يد الإرهابيين الإسلاميين فى الجزائر فى زمن العشرية الحمراء ، ترحل هالة مع والدتها السورية الى بلدها حث تنطلق فى عالم الغناء لتصنع لنفسها اسم يكبر مع الوقت .

 تجد هالة نفسها مطاردة من "طلال هاشم"رجل اعمال لبناني خمسيني يلاحقها بالورود والهدايا والعروض الابهارية بعد أن جذبته بحديثها فى برنامج تلفزيوني ، بين بيروت وباريس وفيينا تدور أحداث رواية الأسود يليق بك ، لتنتهي بطريقة متوقعة لمن يعرف أسلوب احلام .

****
لم تعجبني شخصية هالة الوافي فقد بدت متناقضة مع ماوُضع على لسانها من استعراض  لقناعاتها ومبادئها كامرأة تعتز بإستقلاليتها وكرامتها ، فطوال أحداث الرواية من بعد دخول طلال لحياتها وهي تتقبل المعاملة السيئة من الحبيب صاحب المزاج الصعب ، الذى يعاقبها على أخطاء لاذنبها لها فيها ، ويضعها فى اختبارات غير منطقية كمثال ركوبه معها الطائرة من بيروت لباريس أربع ساعات قبل أن يتركها بالمطار دون أى اتصال مقاطعا ً لها ومعاقبا ً لكونها لم تتعرف عليه وهو واقف قريبا منها فى أول موعد عاطفي بينهما بعد شهور من المطاردة وأرسال باقات الورود والبطاقات الصغيرة .

كما أن العلاقة بين هالة وطلال تقوم على مصادفات غير مقنعة ومواقف مفتعلة ، كمثال خشيته من الظهور معها فى الأماكن العامة بباريس خوفا ً على سمعته وحرصا ًمشاعر زوجته ، ثم نتفاجىء فى موضع آخر فى الرواية بتجواله مع هالة فى شوارع باريس متوقفين أمام محل للساعات باهضة الثمن اعتاد شراء هداياه منه ، أيضا قضاء الحبيبين ليلة كاملة فى غرفة فندق فخم دون أن اى تلامس جسدي هو نوع من المشاهد الروائية الساذجة خاصة وأن طلال هاشم لم يخفي رغبته الجسدية بها منذ شاهدها فى تلك المقابلة التلفزيونية ، كما أن شخصية طلال كرجل اعمال كما قدمته أحلام فى الرواية هو من ذلك النوع الذى يصرف الكثير على نزواته وملذاته ، ولديه نساءه وعشيقاته فى مدن عديدة .

 النهاية جاءت متوائمة مع نوع العلاقة المقدمة فى الرواية بين هالة وطلال فلم يكن حب عظيم كما حاولت مستغانمي تصوير مشاعرهما فسرعة انكسار العلاقة وهشاشتها لاتعكس إلا علاقة تملكية استحواذية من طرف طلال تجاه هالة المبهورة بالعروض الباذخة لطلال الثري التى تستسلم له من قبل ان تتعرف عليه ،فهي تنتظر حب مفترض من بعد باقته الأولي لها ، ربما الرواية تعكس العلاقة بين عالم الفنانات ورجال الأعمال،وهذا موضوع جيد ولكنها لم تنجح فى استغلاله كي تصنع منه عمل روائي يستحق أن يضاف إلى رصيدها كروائية . 

أما من ناحية اللغة والجوانب السردية فى هذه الرواية فهي كعادتها تلجأ لأستخدام لغة شعرية مبهرة تميل فيها للإستعراض المبالغ فيه ، خاصة عندما تطيل الوصف فى بعض أجزاء الرواية بطريقة تبعث على الملل، كما استخدمت المنولوج الداخلي لكلا البطلين من خلاله نتعرف على الكثير من ملامح وأحداث الحياة الخاصة لكليهما، وأن جاءت باقي الشخصيات بالعمل باهتة الحضور، رغم أن علاقة اخيها علاء بحبيبته هدي طالبة الإعلام تستحق ان يفُسح لها المجال لتأخذ مساحة اوسع بالرواية كي تضفي قيمة أكبر على العمل إلا أنها تجاهلتها وركزت على بطلي الرواية فقط .

كما أن محاولاتها لحشر بعض المواضيع والقضايا المهمة على لسان البطلة لقضايا كالهجرة غير الشرعية ، و البطالة والتضخم فى الجزائر ، و الدكتاتورية فى البلدان العربية ، و العشرية الحمراء بالجزائر فى التسعينات ، والإرهاب جاء بطريقة سطحية لا تخدم النص او تضيف رؤية جديدة حولها.

****
أثارت رواية الأسود يليق بك ضجة كبيرة ربما لم تحدثها أعمال روائية وأدبية لها عمق وقيمة أكبر صدرت بنفس الفترة ما احدثه صدورها ، حيث سبق ظهورها بالمكتبات حملة تسويقية كبيرة فى وسائل الإعلام جعلت من قراء أحلام يتلهفون على اقتناء الرواية حيث بلغت مبيعاتها مايفوق المليون نسخة حسب ماأذُيع فى الإعلام ، حتى بدت للقارىء الشغوف او القاري العادي تحفة أدبية ،يبدو الاحتفاء والضجيج المبالغ فيه جزء من حيل تسويقية رخيصة للكتب الرديئة أو التى تُقدم اكبر من قيمتها الحقيقية.

****
لم استعجل قراءة "الأسود يليق بك" فور نزولها بالمكتبات وتوفر نسخ ألكترونية لأني لا أحب أن أقرا أو اشاهد تحت تأثير الدعاية المبالغ فيها ، ووجدت هذا اليوم فرصة لقراءة الرواية أثناء قضائى وقت طويلة مع والدتي بالمصحة الإيوائية التى ترقد فيها جعلتني أقطع الوقت بقراءتها ، أقر بأن الرواية نجحت فى تسليتي والتخفيف عني فقد استمتعت باللغة الباذخة المفرطة فى استعراضياتها ، وبالمشاهد العاطفية والمصادفات المفتعلة التى تذكرني بالمسلسلات المكسيكية ، كما أن ملامح وشخصية البطل بدي لى امتداد لإبطال سلسلة روايات عبير الشهيرة  .
  

الأحد، 16 أكتوبر، 2016

عبثية الحروب فى الفيلم الأستوني "اليوسفي" ...

تدور أحداث الفيلم الأستوني "اليوسفي" مطلع التسعينات من القرن الماضى بقرية صغيرة تقع فى أبخازيا تقطنها الأقلية الأستونية قبل أن تهجرها بعد اندلاع الحرب بين أبخازيا وجورجيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، حيث لم يبقى فى تلك القرية سوي ايفو النجار العجوز الذى يصنع صناديق خشبية لحفظ ثمار اليوسفي ، وجاره المزارع مارغوس الذى يسعي لقطاف اليوسفي وبيعه قبل أن يغادر الى أستونيا ، ولعدم توفر عمال يعتمد على وعد ضابط من المنطقة بتزويده بجنود يقومون بهذه المهمة ، فى أثناء الانتظار تقع معركة صغيرة بالقرب من القرية بين مجموعة أبخازية وأخري جورجية ولا ينجو من هذه المعركة سوى جنديين أحدهما نيكو وهو متطوع جورجي ، والآخر أحمد مرتزق شيشاني ينتمي للمليشيا الأبخازية ، فيضطر النجار العجوز أن يحمل هذين العدوين إلى منزله لينقذ حياتيهما، حيث يأخذ ايفو النجار منهم تعهد بأن لا يحدث شيء في بيته والا قتلهم كما أنقذهم، ولايتوقف اى منهما فى تهديد الأخر بالموت فى حال التعافي من اصابتهما.

تمضي احداث الفيلم لنكتشف سبب بقاء العجوز إيفو في القرية رغم مغادرة كل أفراد عائلته إلى أستونيا ، وتأتي النهاية ليتفاجىء المشاهد بأن النجار العجوز أيفو قد فقد أبنه فى الحرب بعد أن رفض نصيحته بعدم الانخراط في الحرب التى لاعلاقة بالأستونيين بها ، كما أن نهاية مارغوس ونيكو وأحمد تكشف عن عبثية الحرب ، فهى تؤذي من لايرغب بالتورط فيها  ، بينما من ينخرط فيها لو  راجع الظروف التى قادت لاشتعال الحرب وأقترب من الطرف الأخر لربما غير رأيه منه أنسانيا ً.

****
الفيلم يسير على ايقاع سردي هادي وبطىء مبتعدا ً عن المواقف الانفعالية والتسطيح فى عرض القصة ، بالإضافة لعدم احتواء الفيلم على حوارات مطولة ، يتخللها مواقف طريفة تخفف من كآبة موضوع الفيلم ، أى الحرب وآثارها السيئة على البشر والطبيعة ، فالمخرج تحاشى أن يغرق المشاهد فى استخدام المباشرة فى تناول الحرب ، إذ اكتفي ببضع مشاهد قليلة تظهر فيها اشتباكات بين العدوين ، سرعانما يعود المخرج ليركز على جمال الطبيعة بتلك المنطقة المعزولة ، على استعراض نفسيات البشر خلال الحروب ، على مخاوفهم وأحلامهم وآمالهم.

يقدم الممثل الأستوني "ليمبيت أولفساك" بدور النجار العجوز ايفو أداء ممتع ، ومريح لمن يشاهد الفيلم ، فقد يظهر لامبالاة أمام اقتراب الحرب من القرية ، ولايقدم أى أجابات توضيحية للمقاتلين العابرين بالقرية حول أسباب بقائه رغم مغادرة أسرته ومنهم حفيدته الجميلة التي يحتفظ بصورة لها في غرفة المعيشة، لافاجىء بالسبب بنهاية الفيلم ، جمال التصوير وحرافية الإضاءة ، مع موسيقي تصويرية مناسبة لأجواء الفيلم قضيت جيد فى أثناء مشاهدة الفيلم .

*****
اليوسفي فيلم للمخرج الإستوني " زازا اروشادز" هو إنتاج مشترك بين إستونيا وجورجيا تم تصوير الفيلم فى جورجيا بمشاركة ممثلين استونيين وجورجيين ، كما شارك فى العديد من المهرجانات السينمائية الدولية حيث نال "اروشادز" العام 2013جائزة أفضل مخرج من مهرجان (وارسو) السينمائي ، وقد رشُح لجائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي عام 2015 ، كما رُشح لجوائز الغولدن غلوب 2015 .

الاثنين، 10 أكتوبر، 2016

يحدث أمس رواية ترصد تفاصيل التغيرات فى الحياة اليومية للعراقيين ..



سليمان واحد من الشخصيات الثلاث الرئيسية فى "حدث أمس" للروائي العراقي/الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل ، إذ يجد نفسه ضحية للفورات الثورية فى عراق البعث الذى اطاح بالنظام الملكي ، ففى رحلة العودة لقريته باب الهوي بالقرب من البصرة بعد اغتراب سبع سنوات بالكويت ، يقُبض علي سليمان دون أى تهمة او جريمة ، ليتم ارساله للسجن على يد عناصر من "أمن ثورة" حيث يقضى مايزيد عن العام فى سرداب برفقة سجين آخر هو "حاكم" المقامر الشغوف بحياة المغامرة ، المتهم بقضية بيع سلاح عهدة من أجل انقاذ حياة صديقه ، و رفيقهم الثالث "هادي" المتُهم بتهريب مواطنين إيرانيين عبر العراق للعمل في الكويت ، في خلال ليالي السجن نتعرف على حكاية كل واحد فيهم ، وماهي الظروف والملابسات التى قادتهم لذلك السرداب الرطب.

لغة الرواية تختلف فى تراكيب الجمل التى تبدو للوهلة الأولى معقدة ، لمن يتعرف على أسلوب إسماعيل للمرة الأولي ، فقد لفت انتباهي التجديد فى استخدام اللغة من خلال اسقاط أدوات الربط ، رغم ذلك شخصيات الرواية مكتوبة بطريقة متقنة ، وجذابة تجعل القارىء يتعاطف مع مساوئها واخطائها ، ويحب الجوانب الانسانية الجميلة لدي كل من (سليمان ، حاكم، هادي) ، كما أن البناء السردي متماسك، محكم ، لاترهل ، ولا اطالة فى تدفق العمل ، مع رشاقة فى التنقل بين الأزمنة ، حاضر السجناء الثلاثة فى سردابهم خلال الستينات ، مع العودة لسنوات الملكية ، وحتى زمن الحكم العثماني بالمنطقة .

يحمل العنوان "يحدث أمس" دلالة كبيرة على أن ماحدث فى الأمس ، بعراق الخمسينات ، يحدث اليوم ، و ربما بالمستقبل ، فماحدث بالماضى سيتكرر بشكل أو أخر ، بغض النظر عن اختلاف التسميات أو التبعية ، لتزداد معاناة العراقي ، وتتعمق آلامه وأوجاعه ، بمرور الزمن .

يمكن للقارىء من خلال هذا العمل الروائي التعرف على بداية الاضطربات والقلاقل فى حياة العراقيين ، الذين وقعوا ضحايا بشكل من الاشكال كضحايا للظلم والقهر ، طال تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الآنسانية للعراقيين .

صدرت فى العام 1997 ونالت إشادة من بعض الأقلام الجادة فى الكتابة النقدية فى حينها، فقد قرأت فى حينها عن العمل الروائي فى احد الملاحق الثقافية لواحدة من الصحف العربية التى اختفت بالوقت الحالي، ماجعلني متشوقة للاطلاع على الرواية ، وبعد تجربة هذا المساء اعتقد أن إسماعيل لم يخيب ظني بالحصول على متعة قراءة عمل متقن ، وعميق .

****
إسماعيل فهد إسماعيل من مواليد البصرة من أم كويتية وأب عراقي، مقيم في الكويت، حيث تلقي تعليمه فيها ، ثم عمل فى التدريس ، ويعد واحد من الروائيين الخليجيين القلائل ممن تفرغوا للكتابة الروائية، حيث بلغ مجموع اعماله بين رواية ومجموعة قصصية قرابة الثلاثين عمل.

****
 على الهامش: