الأحد، 29 أبريل، 2012

مشاهدات آثرى فرنسى فى ابولونيا المغمورة بالماء




ها هو صاحبي حصل على تصريح بتنظيم رحلة تنقيب عن الآثار المغمورة في الصيف المقبل!


هكذا بدأ كل شئ. غمرتني الفرحة وأنا أوافق، وكنت مستعدا أيضا للقيام بأعمال النظافة في سبيل أن يصطحبني إلى ليبيا! ولم أدر آنذاك أن مشاركتي ستبدأ بهذا النوع من العمل شأني في ذلك شأن جميع أعضاء الفريق.


في شهر أغسطس 1986 بعد ثلاثة أيام من الترحال صرنا على أهبة العمل، فكرسنا اليوم الأول لجعل بيتنا في الموقع قابلا للسكن إذ كان كوخا من فترة الاحتلال الإيطالي يعج بالعقارب اليابسة وحشرات بنت وردان ذات اللون المحمر. وفي اليوم التالي ارتدينا الأقنعة والأنابيب وبدأنا استكشاف أعماق البحر، فتأكدت لنا الملاحظات التي دوّنها الأثري الأمريكي نيكولاس فليمنغ على إثر أعمال الرسم والتسجيل التي أجراها في عام 1957 ، إذ أشار إلى أن الهياكل المغمورة لميناء سوسة لا تزال واضحة للعيان، وكان في ذلك بلا شك ما يبرر الحفائر التي كنا بصدد الشروع فيها.


أما فيما يخصني أنا وحدي فقد كشفت لي هذه الآثار عالما كنت أظنه لا يوجد إلا في الكتب الأدبية. وكأنني انتقلت فجأة إلى عالم يتنازعه كل من جول فيرن Jules Verne و هـ.ج.ويلز H.G. Wells حيث تتماهى رواية "عشرون ألف فرسخ تحت البحار" ورواية "آلة الزمن" في متعة واحدة: تملّكني شعور حاد بل يقين بأني محلق فوق أطلانتيس خالية!


كنت أقبلت على عشق اليونان عن طريق مجاورة فلاسفة ما قبل السقراطية، ووُلدت إلى عشق العصور القديمة يوم تعمدت في مياه أبولّونيا (سوسة) الدافئة. وكنت منذ سن المراهقة ألفت الصيد بالخطاف في أعماق البحار ـ تلك المروج المفروشة بالطحالب وتلك الأشنات والمغارات الصخرية المرشوقة بزهر البحر والتي تتماوج فيها الرمال ـ ولم أكن أرى فيها من فائدة سوى أن توفّر كمينا لصياد أو وسيلة لتصويب سهم إلى فريسة. وإذ بتلك المناظر المعهودة التي تكاد تبلى من العادة تتخذ بعدا غرائبيا: هنا صفوف من الكتل الضخمة المُسنونة وهناك برج مربع وعلى مبعدة رصيف لإقلاع المراكب منحوت في الصخر، وفي مترين من الماء حوض للسمك وصفه فتروف [معماري روماني من القرن الأول قبل الميلاد] به أماكن مخصصة للأخطبوط وسمك الشيق...


في كل مكان بين كل حجرة وحجرة وبين الصخور المكسية بفراء من الطحالب تحيط بنا عشرات بل مئات من القطع الأثرية الظاهرة للعيان يكفي أن نمدّ إليها الذراع لنلتقطها، يليق بها أن تكون في المتاحف أو في صناديق محفوظات الأثريين: بطون أو قعور جرار من جميع العصور، مقابض رودوسية مدموغة من القرن السادس قبل الميلاد، كؤوس رومانية، شقف آنية مزخرفة...


عالم كامل راقد هنا، جامد كأنما حلّت به كارثة، مباح لمن يود الاهتمام به. من أبوللونيا، المرفأ اليوناني لقورينا القديمة، التي تغنى بها من الشعراء بنداروس أو كاليماخوس، لم يبق سوى لسان من التربة الحمراء المرشوقة بالأعمدة البيزنطية ومسرح مبني على منحدر التل وتشكيلات من المباني المتأخرة. ولكن على بعد بضعة أمتار من الساحل كانت هناك مدينة بومبي أخرى مغمورة تنتظر زائريها. إنه حظ مذهل للعلماء وهدية من الآلهة لي أنا الحالم الدائم.


.

مغامرة ومغامرات

من المعروف أن حفائر الآثار المغمورة بالمياه لا تختلف عن حفائر الآثار الموجودة على الأرض، كلاهما يستعمل تقنيات متشابهة ولئن كانت الحفائر التي تتم تحت الماء أصعب في تنفيذها وتستدعي تجهيزات وقدرات معيّنة. وفيما يتعلق بحالتنا كانت ظروف العمل شديدة الصعوبة. فلما لم يكن لدينا قارب كان علينا أن ننقل الأنابيب واللوازم سيرا على الأقدام حتى الشاطئ. وكنا قررنا استثمارا لوجودنا في هذا المكان أن نغطس مرتين في اليوم. ثلاث ساعات في الصباح يليها إعادة ملء الأنابيب على الشاطئ ثم ثلاث ساعات أخرى تحت الماء بعد الظهر. وبعد ذلك كان علينا نقل جميع أمتعتنا إلى المخزن والقيام بتنظيفها وصيانتها وجرد مكتشفاتنا... ثم القيام بالطهي.


مع الفريق الأرضي كان لدي كل ليلة حوالي اثنا عشر شخصا عليّ إطعامهم. وكان لدى البعثة حاوية مليئة بالجبن الذائب وعصير البرتقال المجفف والبهار والفطائر الجافة... ولما كان من المستحيل الحصول على أي مواد غذائية من متاجر الدولة كنا نشتري من أصدقائنا الليبيين السكر والعجائن والأرز الذي كان يلزمني لصنع الوصفات التي زوّدتني بها أمي في عجالة. على الرغم من السمك الذي كنا نحسن به وجبتنا اليومية ـ سمك الميرو الذي كنا نصطاده بالبهر كل يوم جمعة ـ فإني أعجب كيف تفادينا حدوث تمرد عام! أضف إلى ذلك أنه لم يكن يتوافر لنا سوى ماء الصهاريج وأننا لا شك لم نكن واعين بما نفعل عندما كنا نطرد يرقات الناموس من أكوابنا قبل أن نشرب.


بعد العشاء كنا نسجل مذكرات الحفائر ونحتسي الشاي بالنعناع جالسين على المصطبة ونظراتنا تراقب العقارب المتجهة إلى الضوء بتحفظ.


خلال خمسة عشر عاما من البعثات تكفي قائمة المغامرات التي صادفناها لتثبيط همة أي شخص يفكر في امتهان مهنة التنقيب عن الآثار: ثعبان في الفراش، عقارب في الأحذية، صيد بالقنابل اليدوية قريبا من المكان الذي نغطس فيه، طلقات إنذار بالرشاشات الثقيلة باتجاه زورقنا الذي اقترب من منطقة ممنوعة، اللهاث في البحر الهائج، وما إلى ذلك. والعجيب في الأمر أن أي من هذه المغامرات لم يقلل من سعادة المشاركة في هذه الرحلة.






  ديونيسوس الذي وُلد مرتين

لما كنا حققنا منذ عام 1986 نتائج مشجعة فقد حصلنا على امتياز دراسة مرفأ لبدة الكبرى. وفي العام التالي قادنا أحد استكشافاتنا إلى العثور على رصيف مغمور أدّى إلى إدراك أهمية هذه المدينة في عصر أسرة سيفيروس [نهاية القرن الثاني ـ بداية القرن الثالث]. أما الدراسة الدقيقة لميناء أبوللونيا فقد أتاحت ليس فقط فهم تطورها منذ أصولها اليونانية إلى أن أُهملت في القرن السابع بل أتاحت أيضا معرفة معامل هبوط التربة الذي تسبب في انغمارها الجزئي. وقادتنا هذه الأشغال إلى اكتشاف حطام سفينة هللينستية وإلى كشف العديد من الأواني الفخارية والعملات والمنحوتات.


إن الدوافع الأصلية لالتحاقي بهذه البعثة ـ روح المغامرة والصداقة ونصوص ألبير كامي [كاتب فرنسي حاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1957] عن مدينتي تيبازا وجميلة [موقعان جزائريان مدرجان في قائمة اليونسكو للتراث العالمي] ـ لم يكن من بينها أبدا إغراء "صيد الكنوز". فقد حدث أن عثرت على عملة ذهبية رومانية (solidus) نادرة جدا ولكن التأثر الذي قطع أنفاسي في تلك اللحظة لم يكن بالمرة بسبب القيمة النقدية لهذه القطعة. إنما كان سببه ألق هذه الشمس الصغيرة المتراقصة في الزرقة مثل المرآة، والسعادة الغامرة لانتشال نثار من الجمال العاري من أعماق النسيان. إنها عملية مشابهة جدا في نهاية الأمر لعملية الكتابة والتي تشكل في نظري رواية متلازمة الغطاس للروائي الفرنسي سيرج بروسولو Serge Brussolo أدق استعارة لها: صيّاد أحلام يتوغل يوما بعد يوم في ظلمات النوم، ومن هذا العالم الموازي تصعد أنواع من الأشباح والغرائب الخيالية التي تنخرط في الواقع وتفلح في أن تسري فيه.


بعد مرور خمسة عشر عاما يوضح اكتشاف آخر بصورة أفضل أسباب مثابرتي. أثناء حفائر أحواض السمك الرومانية في أبولّونيا حالفنا الحظ أنا وكلود سانتس إذ استخرجنا تمثالا للإله ديونيسوس. وعندما عدنا بالتمثال على وجه الأرض كشف لنا فحصه أنه جزء من تمثال صغير لساتير (كائن أسطوري نصفه إنسان والنصف الآخر حيوان) عثر عليه سنة 1957 ، ذلك التمثال الذي أمسك به نيقولاس فليمنغ بين يديه كالوليد الذي أنقذ من المياه في صورة يظهر فيها وهو عائد من رحلة غطس. فبعد خمسين عاما استطعنا أن نستكمل تمثالا لديونيسوس ثمل ونعيد له شكله بعد أن عبر الزمن وكأنه يوحي بسخرية بالكنية التي تطلق عليه: "المولود مرتين".


إن علم الآثار يعيد وصل العرى، أكثر من أي فرع علمي آخر، إنه يقرب ويصالح بين هؤلاء الأحياء الذين فرقت بينهم مئات السنين. إن التراث المغمور بالمياه أسهل منالا وكثيرا ما يكون أفضل صونا وأكثر تجانسا من نظيره الأرضي. تأمّل مثلا الألف وخمسمائة كيلومترات للساحل الليبي التي لا تزال تطوي أسرارها وآنذاك ستقتنع ببساطة بأن هذا الجزء الخفي في أنفسنا ينبغي حمايته بالقدر ذاته من العناية والاحترام الذي نحمي به الجزء الظاهر.

جان ـ ماري دي روبليس ، كاتب وفيلسوف وأثري فرنسي. وُلد عام 1954 في سيدي بلعباس بالجزائر، ومن مؤلفاته: "ليبيا اليونانية والرومانية والبيزنطية" (2005). حصل على جائزة ميديسيس 2008 عن روايته الأخيرة "أينما يقطن النمور". 



الثلاثاء، 24 أبريل، 2012

قصة مكتبة النجاح فى اليوم العالمى لخير جليس

 

تحت شعار (أعز مكان في الدُّنى سرج سابح.. وخير جليس في الزمان كتاب)الذي اختارته اليونسكو هذا العام لاحتفال باليوم العالمى للكتاب جرت احتفاليات فى كافة أرجاء المعمورة  باليوم العالمى للكتاب وحقوق المؤلفين ، وقد جرى الاحتفال بهذه المناسبة للمرة الاولى  فى العام 1995 وعيا بأهمية القراءة ودورها في نشر المعرفة، واعترافا بقيمة الكتاب ، و رغم ما مر على بلادى من احداث دامية من ثورة سلمية تحولت الى حرب ابادة شرسة شنها حاكم مختل عقليا على ابناء شعبه ، رغم كل ذلك لم ينسى الليبيين ان يقيموا هذا العام احتفاليات بسيطة وبرامج للترويج للكتاب وللقراءة بين شرائح الشعب الليبى ، كما شهدت بنغازى فى عز ايام الحرب معارض للكتب الممنوعة ايام حكم القذافى الذى وضع قوائم تضم عناوين لمؤلفين معارضين قُتلوا بالداخل  كالدكتور عمر النامى او من رجال المعارضة المقيمين بالخارج مؤلفات الدكتور فتحى الفاضلى والدكتور محمد يوسف المقريف ، و كما حاول القذافى طوال عقود اربعة طمس وتشويه وتغييب التاريخ الليبى على مر العصور من الكتب الدراسية و ووضع قيود على المنشورات والمطبوعات لكى يساهم فى تجهيل ابناء شعبه، وربما هذا مادفع النظام السابق لوضع يده على المكتبات الخاصة ودور النشر لتضييق الخناق على الشعب واحكام القبضة الحديدية عليه ، فى شهر يناير عام 2011 قبل انفجر الاوضاع فى بلادى وخروج الناس الى الشوارع ثائرين عشية 15 فبراير كنت قد عرضت جوانب من سيرة حياة (السيد محمد بشير الفرجانى) احد رجال الاعمال الوطنيين ممن كرسوا جزء من جهدهم ووقتهم ومالهم لاستثمار فى الكتب والنشر بهدف الارتقاء بأبناء وطنه ، وكنت قد قررت آنذاك  ان ادرج ماكتبته من قبل الدكتورة فوزية محمد بريون حول ذكرياتها عن مكتبة السيد والدها المعروفة باسم مكتبة النجاح بسوق الترك بمدينة طرابلس قبل ان ادرك مايخبئه الله لليبيا من احداث مؤلمة وقعت ذلك العام.

 عرف مثقفو الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وكتابها وأساتذتها وطلابها، مكتبة النجاح بمقرها بسوق الترك بمدينة طرابلس ، مركزاً يزوّد محبي العلم والمعرفة بأمهات الكتب ، وزبدة المصادر، وآخر ما كانت تصدره دور النشر في القاهرة وبيروت ودمشق وحلب في العلوم الإسلامية على تنوعها ، وفي الأدب والنقد والتاريخ ، وفي مختلف فروع الفكر. وكانت مع مكتبة الفرجاني ، ومن بعدها مكتبة الفكر أشهر مكتبات مدينة طرابلس ، وأحرصها على نشر الثقافة وتوزيع الكتاب ، بل ونشره.

وتعرف المدن العريقة والمجتمعات المجدة في ميادين العلم والمعرفة عادة بمكتباتها العامة والخاصة ، وبمدى انتشار الكتاب فيها، وبهامش الحرية الذي يتوفر لنخبتها المثقفة ، ولكل صاحب رؤية في بناء العقول وتهذيب النفوس. وقد عرفت بلادنا في العقدين الأولين من النصف الثاني للقرن الماضي ، على الخصوص ، بازدهار الحركة الثقافية وانتشار التعليم ونهضة الصحافة والدخول ، بخطىً وئيدة ، إلى عالم الكتاب الرحب ، كتابة وصناعة وتوزيعاً.


ولقد عاصرتُ مكتبة النجاح منذ نواتها الصغيرة الأولى ، حين كانت مقرّاً صغيراً بسوق المشير لاتتجاوز مساحته ثلاثة أمتار في ثلاثة ، حسب ما تسعفني به الذاكرة. وكان صاحبها والدي الحبيب ، أمدّ الله في عمره ، الحافظ العارف الزاهد الشيخ محمد بريون ؛ وهو شخصية معروفة بين جيله كونه أحد الرواد الذين أسهموا في مجال التربية والتعليم منذ أربعينيات القرن الماضي ، وجاهد في سبيل إقناع الناس بارسال أبنائهم إلى المدارس النظامية التي بدأت تفتتح ، فكان يطرق أبوابهم ليتحدث إليهم ويفنّد رأيهم في أن المدارس بدعة وأن أولادهم يجب أن يقتصروا على تعلم القرآن في الكُتاب . وقد نجح في إقناع العديد منهم باعتباره من خريجي الكُتاب ومن حافظي كتاب الله وممن واصل تعليمه الذاتي والتحق بدورات إعداد المعلمين ، وفوق ذلك فقد اختار التدريس في هذه المدارس ( وقد نقل لي هذه الواقعة الدكتورعبد المولى البغدادي عندما كان بآن آربر في السبعينيات) . والشيخ محمد بريون من المربين الأفاضل ، درس عليه العشرات من النخب الليبية التي كان لها دورفي النصف الثاني من القرن الماضي .


ولم يكن الوالد معلّما ومربيّاً فقط ، فقد تولى رئاسة تحرير مجلة "صوت المربي" في منتصف الخمسينيات ، و كانت تصدر عن نقابة المعلمين ، التي ترأس هيئتها الإدارية ذات مرة على ما أذكر. فقد كنت أصحبه كظله لاجتماعات ونشاطات تلك النقابة ، التي كان مقرّها بشارع بيروت المتفرّع من شارع حسونه باشا .. كما كنت أرافقه إلى المطبعة الحكومية لمراجعة مواد المجلة ، ولمحاضرات النادي الثقافي الليبي ، الذي أسهم في إنشائه مع صديقه الحميم الشيخ عبد السلام خليل رحمه الله ، ولمقرإدارة المطبوعات، حيث تولى فيما بعد رئاسة تحريرمجلة "هنا طرابلس الغرب" ، وكانت مكاتب إدارة المطبوعات بميدان الشهداء.


لم يكن أستاذي الأول الشيخ محمد بريون ، رعاه الله ، حافظاً لكتاب الله ، متفقهاً في شرعه فحسب (وكفاه بهما شرفاً ورتبة) ، وإنما كان إلى جانب ذلك كاتباً وشاعراً وملماً بعلوم العربية ، وبكثير من حقائق التاريخ والجغرافيا وعلم التصوف وغيره. أي أنه كان نموذج المثقف الحقيقي بين جيله. وربما لذلك لم تكن الوظيفة الحكومية والنشاط العملي المحدود بظروف الزمان والمكان ليرضي طموحه ويشبع تطلعاته، فكان يتملكه حلم التفرغ لخدمة العلم ، وذلك بنشره وتيسيره للناس إن لم يكن بتصنيفه وتأليفه ... وكان – وما زال – يرى بأن درجة ناشر العلم أعلى من درجة الطبيب،الذي ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم "من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً "... فهذا يحي الجسد ، والعلم يحي العقل والقلب والروح . ولذلك فقد رأى أن يتعاطى شؤون الكتاب والمكتبات رغم قلة امكاناته المادية باعتباره موظفاً .. فأسس مكتبته الأولى الصغيرة عام 1954 بسوق المشير ، بجانب معهد عثمان باشا الديني ، وقرب مسجد أحمد باشا ، في وسط الشارع التجاري المزدهر ؛ فكان يرتادها طلاب العلم ومحبي الثقافة . وأذكر أنني كنت أجلس فيها وأنا ما زلت في سنيّ التعليم الإبتدائي الأولى لألتهم قصص كامل الكيلاني ، وأتنقل بين عوالمها السحرية ، لقدرتي القرائية بفضل إرسال والدي لي إلى كتاب صديقه المقرب الشيخ محمد صباكة رحمه الله بالمدينة القديمة حيث كنا نسكن ، والذي حفظت على يديه جزء عمّ .


بدأت مكتبة النجاح صغيرة محدودة حين كانت مشروعاً جانبياً في حياة صاحبها العملية ، إلاّ أنه سرعان ما قرر التفرغ لها والتضحية بالوظيفة الحكومية من أجلها ، والتجلد في سبيل تحقيق الحلم الذي تملكه طويلاً. وهكذا ، نقل المكتبة إلى مقر آخر بسوق الترك مقابل سوق الحرّارة وقريباً من جامع شائب العين وسينما النصر.. ولم يكن المقر الجديد واسعاً وإن كان أكبر من سابقه ، ولاأذكر تاريخ الانتقال ولعله كان في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات.. وفي تلك الفترة تجوّل الوالد بين القاهرة وبيروت ودمشق يختار الكتب ويعقد الصفقات ويستورد ثمرات الفكر وعصارة قرائح العلماء والأدباء ، محاولاً أن يسد بذلك نقصاً ، ويسهم في تأسيس جيل واع ، ويؤدي رسالة تكون له شافعاً عند مولاه ... ثم ما لبثت المكتبة أن كبرت واتسعت عندما تمكّن صاحبها من تأجير بيت عربي في " زنقة الفنيدقة " من عائلة بن كورة على ما أذكر ، وكان يقع خلف المكتبة ، ففتحه عليها ورممه وصفّ في غرفاته العديدة ووسطه الوسيع رفوفاً للكتب صنفت عليها حسب موضوعاتها ، فازدحمت ردهاتها بالزاور والمتلهفين على القراءة ، وأصبحت من أكبر المكتبات في مدينة طرابلس ولذلك كان يرتادها ناس كثر من خارج المدينة .. و قد شجّع والدي بعضاً ممن يعرفهم من زليطن والخمس ومصراته وسبها وغيرها بأن ينشئوا مكتبات في مدنهم ، حيث يمكنه أن يزودهم بما يحتاجونه بأسعار الجملة وبالتقسيط وبما يمكن من تسهيلات .. قاصداً بذلك خدمة العلم ونشر الكتاب والثقافة في أرجاء الوطن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً... وبالفعل تحقق كثير من هذا ، وكان حينئذ قد دخل إلى عالم النشر ، فنشر عشرات الكتب القيمة أغلبها في مجال الدراسات الإسلامية ، وبعضها مدرسيّ ، يهدف إلى تبسيط المقررات المنهجية للمرحلتين الإعدادية والثانوية ، وخاصة المواد العلمية منها وتلك المتعلقة بتعلم اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية .. وقد عرفت المكتبة اقبالاً كبيراً على هذه الكتب وخاصة في مواسم الإمتحانات.


وهكذا .. ازدهرت مكتبة النجاح ، وأقبل عليها كثير من محبي المعرفة من داخل طرابلس وخارجها على السواء .. بل من داخل ليبيا ومن خارجها ، حيث كان يتردد عليها العديد من أصحاب المكتبات في المغرب العربي ، الذين اعتبروها أقرب مصدر للكتاب المشرقي من مكتبات العواصم الأخرى ، كما عرفها وراسلها مهتمون بنشر العلم في مالي والسنغال وغيرها..بدأ عصر مكتبة النجاح الذهبي ينشر العلم والمعرفة ، ويغذي العقول والأفكار، ويغري الطموحين وطلاب الثقافة ... ولكن ما لبث أن اُذن للردة الثقافية والدمار العلمي والفوضي الإدارية ، فأعلن ما سمي زوراً بالثورة الثقافية ، وهجم الغوغاء المأمورون على المكتبات يمزقون " الكتب الصفراء" التي يعنون بها كتب التراث وعصارة الفكر الإسلامي .. ويحرقون مالم يلموا بفحواه ( والإنسان عدو ما جهل!) ... وأصبحت مكتبة النجاح مهددة بمصيرسيء لامفرمنه ... وفي ربيع 1980 وكان الجو في البلاد مشحونا ومحتقنا ومكفهراً ، جاء دورها بعد تربص ... فقدم إليها رهط (لعلهم من الهيئة العامة للنشر والتوزيع التي تأسست آنذاك لغرض تجفيف منابع الثقافة الحقيقية) بهدف الإستيلاء عليها مبنى وكتباً وأموالاً ، فطرد موظفوها وكان معهم أخواي ، عمر الأكبر سبعة عشر عاماً وعمر الأصغر ثلاثة عشر، ومنع أحدهما من حمل كتاب له كان يطالعه ، حيث خاطبه عبد اللطيف بوكر- غفر الله له – بقوله : بريون! هذا الكتاب ليس من حقك ! اتركه مكانه.
استولى هؤلاء على مكتبة النجاح ، أو بالأحرى استولت عليها الدولة العتيدة ... بالرغم من عدم وجود صاحبها ، وبدون أي مسوّغ قانوني أو أي سبب يعقله البشر .. صودرت المكتبة أو أممت بما فيها من الآلاف من الكتب والمجلدات ، بل وبما فيها من أموال عبث بها العابثون ... ونتيجة لذلك حُكم على صاحبها بتجريده من مصدر رزقه الوحيد في وقت كان يعول فيه عشرة من البنين والبنات .. وللقاريء أن يتصور الوضع الذي أكره أن أخوض في تفاصيله الشخصية والخاصة ، مكتفية بالتركيزعلى صورة المحنة من جانبها الإنساني ، إذ بأ ي حق يغتال الظالمون حلم وطموح ورسالة إنسان هدفه نشر الكتاب وخدمة العلم وطلابه ، ليجد نفسه وهو في الرابعة والخمسين من عمره - أي في عز قوته وقدرته على العطاء - ممحتناً بهذا الجور ، ومبتلىً بهذا الإجحاف..؟
لقد تفاءل أبناء الشيخ محمد بريون بما أشيع من قرار إعادة الأملاك المصادرة أو تعويض أصحابها ، فاستشاروا بعض المحامين في رفع قضية تعويض عما لحق بالوالد أولاً وبجميع أفراد الأسرة ثانياً من مصادرة المكتبة ، مصدر رزقهم الوحيد .. ولكن هؤلاء المحامين ثبطوهم ونصحوهم بعدم تصديق ذلك القرار ، إذ المقصود منه التنفيس المؤقت عن المظلومين والغاضبين ، وأن التعويض في مثل حالتهم يحتاج إلى تدخل مباشر من أعلى جهة في البلاد ، وهو مالايمكن أن يسعى إليه أحد من الأسرة التي تأنف من أن تتسوّل حقها إن لم يكن هناك طريق قانوني واضح إليه!

وإني وإن كنت أعترف بما لهذا المقال من أثر علاجي لي شخصياً ، فإنني لا أقصد منه هنا عرض مشكلة خاصة في إطارها الشخصي فحسب ؛ لسبب بسيط هو أنني لا أتوقع أن يحرك كلامي ضمير الظالمين ليكفروا عما صدر منهم ، ولكنني إلى جانب ذلك أحب أن أشير إلى القضية في إطارها العام ومعناها الموضوعي .. فهذه عينة صغيرة لما حلّ بمؤسساتنا الثقافية ومشاريعنا العلمية وطموحاتنا الصغيرة المشروعة من محاربة وتدمير ، أو تزييف وتدجين .. وهو نموذج لما لاقاه الشرفاء الذين لم يلتفتوا إلى الشعارات البراقة ، ولا إلى الطفرات المؤقتة ، وإنما جعلوا هدفهم خدمة العلم ، والإجتهاد في توعية البشر وإعداد الأجيال على أسس ثابتة لا تؤثر فيها العهود الزائلة ولا الشخصيات الفانية ..


مكتبة النجاح حلقة في سلسلة تجفيف منابع الثقافة وتدجين عناصرها أو القضاء عليهم .. ولذلك فأين هي صحف البلاغ والشعب والرائد والميدان والحقيقة؟ أين هي جمعية الفكر؟ أين هي آلاف الكتب القيمة والمجلدات النفيسة والمخطوطات النادرة التي كانت تزخر بها مكتبة الجغبوب والجامعة الإسلامية ؟ هذه سجلات سنفتحها في المستقبل ، مؤكدين على أننا لن نسكت عن الكشف عن الحقائق، والمطالبة بالحرية ، وعودة القوانين ، وإنشاء المؤسسات ، وإطلاق الثقافة والفكرمن الأسر، وفضح الغوغاء والتنابلة والمتسلقين على جثة الوطن ..
ولنا عودة ... والله من وراء القصد.

د. فوزية محمد بريون سبق نشره بموقع ليبيا وطننا عام 2008

 

الخميس، 19 أبريل، 2012

اليوم العالمى للمواقع الآثرية وبداية شهر التراث




مواقع التراث العالمي هي معالم تقوم لجنة التراث العالمي في اليونسكو بترشيحها ليتم إدراجها ضمن برنامج مواقع التراث الدولية التي تديره اليونسكو. هذه المعالم قد تكون طبيعية، كالغابات وسلاسل الجبال، وقد تكون من صنع الإنسان، كالبنايات والمدن. انطلق هذا البرنامج عن طريق اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي والذي تُبني خلال المؤتمر العام لليونسكو والذي عقد في 16 نوفمبر 1972 م. ومنذ توقيعها، فقد صادقت 180 دولة على هذه الاتفاقية. يهدف البرنامج إلى تصنيف وتسمية والحفاظ على المواقع ذات الأهمية الخاصة للجنس البشري، سواء كانت ثقافية أو طبيعية. ومن خلال هذه الاتفاقية، تحصل المواقع المدرجة في هذا البرنامج على مساعدات مالية تحت شروط معينة. بلغ عدد المواقع المدرجة في هذه القائمة حتى عام 2008، 878 موقعا، منها 679 موقعا ثقافيا و174 موقعا طبيعيا و25 موقعا يدخل ضمن الصنفين، في 145 دولة من الدول الأعضاء. وترمز اليونسكو إلى كل موقع من هذه المواقع برقم خاص، ولكن مع تغيير نظام الترقييم فقد يتم إعادة إدراج بعض المواقع ضمن تصنيف أكبر. ولذلك، فإن نظام الترقيم الحالي وصل إلى 1100 بالرغم من أن عدد المواقع أقل من ذلك. حاليا، تحمل إيطاليا الرقم الأكبر في عدد المواقع التراثية وهو 44 موقعا. يعتبر كل موقع من مواقع التراث ملكا للدولة التي يقع ضمن حدودها، ولكنه يحصل على اهتمام من المجتمع الدولي للتأكد من الحفاظ عليه للأجيال القادمة. وتشترك جميع الدول الأعضاء في الاتفاقية، والبالغ عددها 180 دولة، في حماية والحفاظ على هذه المواقع من المواقع الآثرية فى ليبيا الموجودة على قائمة التراث توجد خمسة مواقع (لبكى الكبرى او لبدة) ، صبراته ، قورينى ، الاكاكوس ، غدامس  .
 
وقد اهتمت المنظمة الدولية (اليونيسكو) بإصدار قانون دولي لحماية المواقع الأثرية و التنقيب بها، كما صدر في نيودلهي سنة 1956 قرار بالإجماع وأوصى بأن: على جميع الدول أن تضع في تشريعاتها و قوانينها ما تراه مناسبا لتحقيق التوصيات التي صدرت في نيودلهي ، وقد أقرت منظمة اليونسكو منذ العام 1983الاحتفال بالمواقع الاثرية وبداية شهر التراث الممتدة مابين 18ابريل-18مايو.