الخميس، 23 سبتمبر، 2010

اغنية الريس ناجم


كانت شواطىء البحر المتوسط مسرح للعمليات البحرية والمعارك والاشتباكات بين الاساطيل التى كانت تجوب مياهه الهادئة ، ولم يكن الصراع القرطاجى –الرومانى ، ومن قبله الاغريقى –الرومانى الا بعض حلقات الصراع الطويل للسيطرة على مياه هذا البحر.

تواصلت مع دخول العرب المسلمون عالم الفتوحات وسيطروا على شواطىء الشام ، ثم على معظم الشواطىء المطلة على هذا البحر تتحول الى بحيرة عربية مسلمة تقريبا ، حتى حمل اسم بحر الشام ، ومع انصراف العباسيين إلى تطبيق استراتيجية قارية ، واهمال البحر اهمالا يكاد يكون تاما ، لولا محافظة المغرب العربى على بقايا قواته البحرية ، ووجد العرب المسلمين انهم امام تحديات كبيرة فلجأوا الى حرب العصابات او مايعرف عند الاوربيين بحرب القرصنة كوسيلة دفاعية ، وبقى الامر كذلك حتى بداية القران الثامن عشر عندما بدأت الايالات المغربية الموجودة -فى كنف السلطان العثمانى فى ذلك الوقت- فى التساقط امام الضربات الاستعمارية المكثفة واحتلال الجزائر وتونس من قبل فرنسا والمغرب وقع بيد اسبانيا.

وكانت السفن المغاربية تباشر عمليات الجهاد ضد السفن الاوربية التي كانت تهاجم سواحل المغرب العربى وتشتبك مع سفن البحرية المغاربية ومصادرة حمولاتها وأسر ركابها، و التي يطلق عليها "مراكب الجهاد" فهى لم تخرج للقرصنة كما يزعم المؤرخون الغربيون، وإنما كانت تقوم بالدفاع عن الإسلام والعروبة ضد الخطر الأوربي ، وقد فشل الأوربيون في إيقاف عمل المجاهدين، وعجزت سفنهم الضخمة عن متابعة سفن المسلمين الخفيفة وشل حركتها। وقد ساعد على نجاح المجاهدين مهارتهم العالية، وشجاعتهم الفائقة، وانضباطهم الدقيق، والتزامهم بتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وصار لرجال البحر في مدينة الجزائر مكانة مرموقة حيث كان يعمها الفرح عند عودتهم، فيقوم التجار بشراء الرقيق والسلع التي يعودون بها،كما ان نسبة كبيرة من الاسرى المسيحيين يعلنون اسلامهم وكان يطلق عليهم علوج ، الا انه ومع مرور الوقت تحولت أعمال البحرية الجزائرية من طابع جهادي وصارت تتسم بطابع تجاري، وذلك لما كان يحققه البحارة من غنائم كثيرة اغرت الكثيرين للالتحاق بالبحرية.

هذا الامر جعل الكثير من قصص تلك البطولات والغزوات البحرية يتم التعبير عنها فى الشعر والغناء المحلى بالجزائر، وفى اثناء قراءاتى وبحثى عن افلام وثائقية تتناول التاريخ البحرى لشمال افريقيا وجدت هذه اغنية من التراث الغنائى الشعبى بالجزائر
للشيخ الهاشمى القروابى بعنوان (قرصانى يغنم )وهى من نوع الحوزى الذى يعتبر نوع من الغناء الاندلسى المحلى و الكلمات للشاعر المراكشى محمد بن فريحة الذى عشا فى ايام السلطان محمد بن عبدالرحمن وهذه القصيدة موجودة في ديوان شعر الملحون مختارات الشيخ بلكبير ،الاغنية تتركز حول وصف السفينة التى اقلعت بالريس ناجم ، وهى تصف كل قطعة وكل جزء فيها ولمن له خبرة فى تاريخ السفن العثمانية سيكون سهل عليه معرفة معانى التسميات، والاغنية تبدأ بوصف وصول السبايا المالطيات وكيف انبهر سكان القصبة بالجزائر من رؤية مناظرهن وجمالهن.

وللاستاذ فارس أبو حجيلة محاولة تحليل تاريخي لنص اوردها هنا للاستفادة حول هذه الاغنية الجميلة التى تتميزباسلوب مابين الموسيقى الشرقية مع ادخال آلات غربية بطريقة لا تجعل فى تنافراو تقدم عمل موسيقى مشوه.
جاء في مطلع مطلع القصيدة:-
قرصان يغنم

جاب علجات اخواص من حوز مالطة
الكل عازبات سلمو كياقوتات"

الشاعر هنا يصف مزهوا الغنائم الثمينة التي سلّمها سكان غرب مدينة مالطة للقوة البحرية مقابل فك الحصار المفروض عليهم، حيث يرد في بيت في نهاية القصيدة: "رضاو الغلب وسلّمونا لبنات" أي أن المالطيين استسلموا معترفين بهزيمتهم وسلموا بناتهم العذارى مقابل عودة البحرية الجزائرية عن مدينتهم، هذه التسوية ليست تسوية من الناحية المادية وفقط، بل هي إمعان في إيقاع الضرر المعنوي على المالطيين أكثر من المادي، وهدر لشرفهم وكرامتهم।ينتقل الشاعر بعدها إلى وصف القوة البحرية الجزائرية المتجهة لغزو مدينة مالطة، فيبدأ بوصف دقيق للسفينة الرئيسية، حيث يشير إلى أنها تحوي ثلاث صواري عالية: " مكمول مسقّم ليه تلت صواري في الموج صابطة"، وهو دليل على عظم هذه السفينة الحربية، حيث كانت أغلب السفن الحربية في تلك الحقبة تحمل أشرعتها صارية رئيسية وأخرى احتياطية، بالإضافة إلى هذه السفينة الرئيسية كانت تتبع لها ستة عشر "قلعة" بحرية، وهي قطع بحرية تستخدم في حصار الموانئ وقصفها بالمدافع.تنطلق القوة البحرية من ميناء الجزائر العاصمة، وبحارتها في حالة نشاط وتأهب لغزو مدينة مالطة، بقيادة "الرّايس ناجم" الذي يلزم قمرته مستعينا بأدواته: ساعة رملية، وخريطة وبوصلة لتحديد اتجاه الرحلة، هذا الهدوء والنعيم الذي ينعم به "الرّايس ناجم" هو نتيجة لكفاءة وقوة الألفي رجل المؤتمرين بأمره: "إذا يتنعّم ألفين من البحرية ليه شارطة"، يصف الشاعر مشهد وصول القوة البحرية إلى ميناء مالطة بيوم الحشر الكبير، لينقل لنا بعدها مشهد قصف الميناء وصدى عملية القصف الذي عم جميع نواحي المدينة "الكور تكلّم فعفع المداين الجبال والوطا"، هذا القصف الذي أثمر عملية إنزال بحري للقوة الجزائرية غرب المدينة: "غرب مدينة مالطة بالقهر تواطات".أما نتيجة الهجوم الخاطف فتمثلت في استسلام المالطيين وإعلانهم الطاعة، مع إرسال بناتهم العذارى هدية غنمها البحارة و"رايسهم": "اسطاعت لعجم، جات الهدية من لبنات هابطة، رضاو الغلب سلموا وغنمنا لبنات"، كما لا يغفل الشاعر الشعور بالنصر والفرح بالغنيمة الثمينة التي رافقت رفع الحصار وسحب القطع البحرية وعودتها سالمة إلى ميناء "البهجة" الذي يصفه برباط الفتح: "رباط الفتح هكذا جابوه في السورات".يختتم الشاعر قصيدته بوصف نزول "السبايا المالطيات" في ميناء العاصمة وانبهاره بهيئتهن وجمالهن: "هبطو لعوارم كل وحدة تمشي مشية مرهّطة...."، فلا يخفي شغفه بهنّ وبذله للذهب في سبيل الحصول على بعضهن، وهي من العادات المتفشية بين التجار وكبار الملاّك في تلك الحقبة.

هذه الاغنية ليست فقط جميلة ومختلفة عن النمط عن الشائع فى الغناء العربى فى الوقت الحالى ، بل هى من من الغناء التوثيقى لحادثة تاريخية ربما لو تعمق احد الباحثين او المهتمين فى التاريخ البحرى لشمال افريقيا خاصة فى الفترة العثمانية سيجد الكثير الكثير ، وخاصة بلادنا(ليبيا)التى كانت لاعب رئيسى فى حفظ التوازنات فى تلك الحقبة عندما كان العرب المسلمين قوة ترعب اعداءها، بالنسبة الى الهاشمى قراوبى من مطربى المفضلين لانه يغنى كلمات تحمل قيم انسانية ومعانى فلسفية كالبارح كان عمرى عشرين.

الثلاثاء، 7 سبتمبر، 2010

بيت مطل على الجرف ..



لم يكن من عادتى فى السنوات الاخيرة قضاء ايام خارج بيتنا خلال شهر رمضان المبارك ولا حتى قبول اى دعوات لتناول الافطار فى اى مكان ولوفى بيوت اشقائى او شقيقتى ، ولكن وفاة اعميمة كروان ، اكبر اولاد جدى من زوجته الاولى كسر هذه القاعدة وجعلنى اقوم برحلة الى الجبل فى النصف الاخير من شهر رمضان لحضور الجنازة وتقديم واجب العزاء لبناتها واولادها، غادرنا البيت بعد صلاة العشاءلحظة وصول خبر الوفاة الذى لم يكن مفاجأة لنا بسبب تعرضها لجلطة قبل بضع اسابيع ،اعددت حقيبة لماما وأخرى تخصنى وضعت فيها ثياب مناسبة للطقس هناك فالجبل حتى وان كان الفصل صيف ولكن ليله بارد مقارنا بطقس بنغازى الحارطول السنة، كنا نتحرك بسرعة فى البيت ،نقفل الغرف والابواب وكلا واحد منا يحاول الاسراع فى انجاز مابين يديه فى اثناء اطمئنانى على وضع المطبخ القيت نظرة خاطفة على التقويم المعلق على الثلاجة حيث كنت دائما اكتب على كل يوم تاريخ الاحداث العائلية التى ستمر فى كل شهر ، وتفاجئت بأنه يوم الذكرى السنوية ال13 لوفاة جدى رحمه الله فى نفس عمر اعميمة كروان وفى نفس التاريخ والساعة ،يالها من صدفة غريبة .
 
غادرنا بنغازى الساعة ال11 مساء نتيجة للجهد الكبير أثناء ساعات النهار فى تنظيف البيت واعداد طعام الافطاركنت اشعر بالارهاق ، فبمجرد ركوبى السيارة مع ماما وشقيقى امين استغرقت فى نوم عميق اثناء اجتياز الطريق الطويل الممل للساحل ، ولم استيقظ الا بعد صعودنا عقبة الباكور ، حيث انتبهت لصوت امين وهو يتحدث على الهاتف مع ابن اعميمة سلمى مسترشدا ً بتوصيفه للمكان الذىينتظرنا فيه برفقة باقى افراد العائلة المغادرين باتجاه الجبل ، عندما فتحت عيناى كنت لا استطيع رؤية ماحولى بسبب الضباب الكثيف الذى جعل الرؤية والقيادة صعبة على طرقات الجبل الملتوية والتى يمكن أن تؤدى الى حوادث رهيبة كما يحدث دائما ً فى مثل هذه الظروف الجوية ....وجدناهم ينتظروننا عند استراحة حديثة تقع قبيل مدخل مدينة المرج(باركى) حيث كان الصمت يخيم على الجميع ولم يكن هناك صخب أوتعليقات ساخرة ومراهنات على من يصل اولا ً كما كان يحصل فى مثل هذه الرحلات الجماعية لعائلة بابا حينما كنا نغادر فيها بنغازى متجهين الى بيت جدى برأس التاج لحضور مناسبة ما او احتفال .

هذا الهدوء اتاح لى فرصة الاختلاء بافكارى وخواطرى وممارسة عادتى المفضلة فى مثل هذه الرحلات الجبلية وهى تأمل الحدث من جوانب وزوايا مختلفة ، اسندت رأسى الى المقعد واغمضت عيناى وحاولت ترتيب افكارى داخل عقلى ، فالضباب حرمنى فرصة الاستمتاع بمشاهدة المعالم الفاتنة للجبل...كانت اشياء كثيرة تتداخل ببعض ، منها ذكريات جميلة واخرى حزينة .

فقد كنت استرجع فى مخيلتى رحلاتنا برفقة بابا رحمه الله حينما كنا نعود فى الايام الاخيرة من هذا الشهر الفضيل لاستمتاع بمذاق شهر الصوم وطقوسه وعاداته برفقة العائلة حيث يصبح لكل شىء مذاق مختلف.

 باتجاه بيت جدى حيث ينتظر اعمامى وصولنا مع العموم والعمات القاطنين فى بنغازى كى نقضى الايام الاخيرة فى رمضان معا ونحتفل بعيد الفطرقبل ان يغادر كلا الى مقرعمله،و مانكاد نصل عصرا ونقوم بالسلام وتقديم التحية الى جدى وجدتى وباقى الكبار فى البيت، حتى ننطلق برفقة اولاد العموم الى اشجار التين واللوز لنبحث عن بقايا ثمار ناضجة بحسب الموسم او نقطف الازهار ونجمع فى تلك الغارة الطفولية على بستان جدتى الذى يقع داخل محيط البيت ، كل مايمكننا التقطاه من حيوانات صغيرة كالسلاحف البرية او الزواحف التى لم اكن احب رؤية منظرها، ورغم أن جدتى لم تكن تحب أن ترانا ندخل الى ذلك الركن المفضل فى مزرعتها ولكن امام لهفة الاشتياق الى وجودنا تتسامح معنا فى اليوم الاولى ، ثم تصدر اوامرها الصارمة فى الايام التالية بأننا سنتلقى عقوبة لا تنتسى لو ضبطتنا هناك ، جدتى سيدة لطيفة وهادئة الطباع ولكنها صارمة فى الوقت نفسه فهى لا تطيق من يخرب او يعبث بالاشجار او النباتات او الحيوانات ، ومنها سأتعلم فى مرحلة عمرية لاحقة اشياء كثيرة عن التواصل مع الطبيعة ومع الارض ومع كل المخلوقات التى تشاركنا الحياة عليها.



أما فى الليل فيتحول فناء البيت الى ملعب لكرة القدم حيث نقوم بتشكيل فريقين ونقيم مباراة يكون حكمها احدنا والذى يسهل رشوته براديو صغير او مسجل ، او بوعد الحصول على البرطمان الملىء بالكريات الزجاجية /البطش/ والطريف ان المبارايات تنتهى دائما بمطاردات حول البيت فى حال اكتشاف الفريق الخاسر التلاعب بالنتيجة ، فى تلك الفترة اى عقد الثمانيات كان لكرة القدم سحر لا يقاوم خاصة بالنسبة للاجيال الصغيرة فى ليبيا التى لم يتوفر لها من تسلية الا لعب كرة القدم خاصة مع التقشف المفروض فى الحياة العامة وعدم وجود ملاعب او اندية توفر اماكن تسلية بريئة لذلك الجيل ، كان الفريق البرازيلى بنجومه فالكاو وايدر وسقراط وزيكو والارجنتينى مارادونا والانجليزى جـــاري لــيــنـــيــكــــر وأسماء كثيرة يستحوذون على مخيلة وافئدة ذلك الجيل.

كانت تلك الليالى الرمضانية فرصة ثمينة للقاء افراد العائلة الكبيرة الممتدة ، كانت زوجة عمى الكبير تلعب دور المضيفة باقتدار حيث توفر الطعام والمبيت لحوالى 40 الى 50 فرد ، وتهتم بشئون الكل بطريقة تدعو الى الاعجاب ، وقتها ورغم العدد الكبير للاولاد المختلفين فى الطباع والاعمار الا ان روح من التفاهم والتجانس يقوم بين الكل فلم يكن يسمح لنا بالانقسامات رغم وجود تفضيلات بين الاولاد والبنات بحسب الاهتمامات والميول والنشأة ، فقد كانت جدتى تحرص على خلق نسيج عائلى متماسك بيينا ، فكل المشاجرات تنتهى بعقوبة جماعية تجعلنا نفكر مرتين قبل حدوث اشتباكات عنيفة فى مابيننا، وهذا ما جعل حتى الاعمام والعمات الغير اشقاء والاولاد الذين رباهم جدى وجدتى كلهم اخوة والاحفاد فى مرتبة واحدة ، وبالتالى لم اكتشف ان اعميمة كروان البنت البكر لجدى هى ربيبة لجدتى وليست ابنتها .

مازالت اذكر وقت قيامى بالسلام على اعميمة كروان للمرة الاولى/ مازالت اذكر جيدا منظر سيدة متقدمة فى السن ذات ملامح جذابة متحزمة فى رداء غامق وتضع وشاح اسود تجلس بهدوء تام فى حجرة المعيشة فى بيت جدى / وقتها انسحبت من الغرفة الى الخارج لمواصلة اللعب دون ان اشغل تفكيرى فى صلة هذه السيدة بنا ، فلفظة عمتك تطلق على غالبية السيدات الكبيرات فى العائلة، بالاضافة الى هذا عمك سلمى عليه تنطبق على اقارب بابا الكبار.

 لهذا فقد تصورت أن هذه السيدة التى اعتدت رؤيتها طوال تلك الزيارات اخت لجدتى فاعميمة كروان كانت تنادى جدتى باسمها مع لقب ياحاجة لهذا استبعدت أن تكون اخت بابا رحمه الله ، حتى قيامنا بزيارتها للمرة الاولى فى بيتها فى منطقة تحمل اسم الدبوسية نسبة لعين تجرى بالمنطقة وهى لا تبعد عن بيت جدى الا بمسافة النصف ساعة بالسيارة ويمكن لنا رؤية اضواء المنطقة ليلا ً، خاصة فى ليالى الصيف حيث يكون الطقس صافى ولا شىء يحجب الرؤية .

كانت تلك الزيارة عند اقترابى من سنوات المراهقة حيث وعيى بالاشياء يتعمق ، وتساؤلاتى تزداد الحاحا ً لمعرفة كل شىء عن حياتنا كعائلة وكليبيين ،لم اعد اذكر المناسبة التى جعلتنى ازور بيت اعميمة كروان للمرة الاولى ولكنى اتذكر تفاصيل تلك الزيارة الممتعة التى ظلت مطبوعة فى ذاكرتى ، فقد غادرنا رأس التاج باتجاه الطريق العام للجبل حيث قاد بابا رحمه الله السيارة شرقا ًكما نفعل ونحن فى طريقنا الى درنة حيث بيت جدى (اهل ماما) ولم نكاد نسير نصف ساعة حتى وجدت بابارحمه الله ينعطف بالسيارة يسارا ً حيث دخلنا عبر طريق طويل تحيطه مزارع خضراء وبيوت حديثة للمزارعين وذلك لمدة ربع ساعة قبل أن نجد السيارة تتلوى نزولا ً مع الطريق المتعرج فى شكل منعطفات حادة ، ثم نعبر قرية صغيرة تبدو مبنية حديثا ً فيها مستوصف صغير ومدرسة ريفية لتتوقف السيارة فى أخر القرية عند بيت يقبع وسط غابة من اشجارالارز والتين والمشمش والتفاح والرمان والنباتات المتسلقة والتين الشوكى يزين بوابته .

 نزلنا من السيارة وكنا كلنا(أى أنا واشقائى) محبوسى الانفاس فمنظر البيت من الخارج يشبه تلك البيوت المرسومة فى قصص الاطفال التى كنا نقرأها، لم يكن لمعمار البيت اى فرادة او ميزة فهو بيت مبنى فى فترة الستينات تم تسليمه لزوج اعميمة كروان من قبل الحكومة فى العهد الملكى ، ولكن الميزة الاكبر كانت فى موقعه وسط ذلك البستان الذى يطلقون عليه (سانية الهندى نسبة لكثافة التين الشوكى ) القابع عند حافة الجرف الجبلى المطل على عين الدبوسية ، تلك العين غزيرة المياه التى منحت للمكان الحياة حيث يبلغ معدل ماتدره من الماء أربعة ملايين غالون يوميا.




كان بيت اعميمة يطل على وادى صخرى عميق ، ذو سفوح شديدة الانحدار يكسوها نباتات واشجار كالبطوم والعرعار والخروب الضخمة و نباتات طبية وعطرية كالكليل والزعتر بالاضافة لانواع عدة من الطيور المغردة والأحياء البرية ووسط تلك الطبيعة الخلابة يصبح من الصعب ايجاد ممرات فى الوادى او يسهل تسلقه على غير اهل المنطقة، ويوجد بهذا الوادى كهوف مختلفة الارتفاعات والاحجام ، حيث يتم استغلالها من قبل الرعاة فى تربية الماعز والابقار، كما تستعمل بعض هذه الكهوف لتربية النحل حيث تطيب المراعى وتكثر الزهور البرية وبالتالى يقوم مرابى النحل بنصب مناحلهم فى تلك الكهوف المعلقة حيث لا يسهل الوصول اليها من قبل اى كان الا من يملك خبرة فى تسلق ذلك الوادى الشديد الانحدار.

 فى سنوات الستينات تم شق طريق جبلى بالوادى الحاضن لعين الدبوسية وذلك كى يسهل على الحكومة آنذاك الاستفادة من تلك العين الهائلة الامكانيات لاجل تزويد باقى مناطق الجبل الاخضر بالمياة الجوفية الصالحة للشرب وللزراعة ، و فتم انشاء مشروع عين الدبوسية الهادف لمد انابيب واقامة مضخات لرفع مياه العين من ذلك الوادى السحيق "فعهدت حكومة المملكة الليبية فى شهر سبتمبر من عام 1962م، الى مكتب المهندسين الاستشاريين البريطانيين (هوارد همفريز واولاده) بمسؤولية القيام بوضع تصميمات هذا المشروع، ومواصفاته، والاشراف على تنفيذه. وفى الشهر ذاته تعاقدت مع شركة مانزسمان الألمانية التى تعهدت بالقيام بالأعمال المطلوبة وانجازها فى الأوقات المحددة فى العقد، لقاء ستة ملايين وربع المليون من الجنيهات الليبية. وقد جاءت الأعمال الهندسية المدنية، من مسح الأراضى التى تمر الأنابيب عبرها وفتح الخنادق اللازمة لدفن الأنابيب الفولاذية فيها، فى مقدمة الأعمال التى وجب انجازها. وإذ استلزم الأمر، فى كثير من الأحيان، مد الأنابيب عبر الوديان السحيقة وعلى سفوح التلال وقممها، فليس من المستغرب ان استغرقت هذه الأعمال وقتا غير قصير.ومع هذا لم يكد يحل شهريناير حتى كان قد تم نحو 60 فى المئة من الأعمال الهندسية المدنية، واستيراد جميع الأنابيب الفولاذية اللازمة، وخزنها فى مخازن خاصة. وتم كذلك نحو عشرة فى المئة من الأعمال الهندسية المتصلة بمحطات الضخ، ونحو ثلاثة فى المئة من الأعمال المتصلة بتشييد الأبنية التى يتطلبها المشروع. ومن المنتظر أن تتقدم الأعمال الآن بسرعة كبيرة بعد اتمام هذه المراحل الأولية. وفى الواقع من المنتظر تدشين المشروع بكامله خلال هذه السنة ، أى فى العام 1965 بحسب مجلة العالم الليبية ".

وربما بعضكم يرغب فى معرفة مصير هذا المشروع الحيوى فقد توقفت مراحل انجازه عند هذه الفترة ولم يعاود العمل فيه الا منذ سنوات قليلة مابعد الالفية الجديدة ، فقد كان من ضمن اهداف المشروع تزويد مدينة البيضاء وباقى المدن الأخرى بمياه هذه العين إلا أن مدينة البيضاء ظلت تعانى من العطش حتى الوقت الحالى حيث لا يتم توفر المياه الا يومان وباقى الاسبوع تعيش المدينة حالة التقشف والكفاف.



فى شتاء العام 2002 عندما كانت لدى جزئية معينة فى بحثى لنيل درجة الماجستير تتطلب القيام بمسح لبعض المواقع المطلة على البحر المتوسط فى المنطقة الشرقية او تحديدا زيارة بعض المواقع التى اشارت اليها المصادر الكلاسيكية واخبار الرحالة الغربيين باعتبارها مرافىء او محطات لتوقف السفن الشراعية فى الفترة التى اعكف على دراستها ، اتصلت باحد اعمامى الذى وافق على مرافقتى فى تلك الجولات الصعبة فى طقس الجبل القارص حيث تنخفض درجة الحرارة فتصل الى ماتحت الصفر فى بعض الاماكن بحسب مؤشر السيارة .

 كانت تلك الرحلة من اجمل ذكرياتى حول دراستى العليا رغم رداءة الطقس وقتها واستحالة الهبوط فى بعض المواقع المحصورة فى اودية ضيقة اوالصعود إلى اماكن مرتفعة ، إلا رفقة عمى وبعض اولاد عموم بابا جعلت من تلك الصعوبات متعة وتحدى لانجاز المطلوب ، وكانت من بين تلك المواقع زيارة المنطقة المحيطة بعين الدبوسية لاشارة بعض الباحثين اليها باعتبارها احد الاماكن التى عاش بها مرقس الانجيلى او سانت ماركو شفيع الكنيسة القبطية ، وماكان يهمنى فى ذلك هو الحصول على نسخة من الرسومات المنحوتة فى الصخر لسفن شراعية رومانية بحسب ترجيح من شاهدها وذلك كى تكتمل عندى حلقة صناعة السفن فى ليبيا ماقبل الميلاد.

كنت اتجول بالمنطقة مسترشدة باوصاف الباحث الاثرى داوود الحلاق وكتابه مرقس الانجيلى الذى وضع صورة غير واضحة لتلك الرسومات المحفورة وكان على ان اتأكد بنفسى منها ، بالاضافة الى القيام بتحقيق خريطة بحرية قديمة تظهر عليها الكثير من المحطات القديمة ، وكى لا اطيل واتشعب فى هذا الجانب لانه موضوع مستقل ربما قد اضع تدوينة مستقبلية بحسب مايسمح به الوقت حول هذه المعلومات الشيقة المتعلقة بالتاريخ البحرى ليبيا فى فترة ماقبل الميلاد.

فى احدى تلك الجولات قررنا اكتشاف وادى عين الدبوسية حيث نزلنا على الطريق الطويل الملتوى كثعبان وكنا كلما اقتربنا من قاع الوادى كلما اصبح صوت مياه العين المتدفقة فى الانابيب الضخمة مرتفع يكاد يصم الآذان حتى وصلنا الى منبع العين نفسه حيث اقيمت المحطة ، كان منظر المياه المنسابة من احد تلك الانابيب على ارض الوادى جميلة ، جدول او نهر قصير الجريان ، فقد اخبرنا احد العاملين بالمحطة بانهم يقمون تخفيفا لضغط المياه الصاعدة فى الانابيب باطلاق المياه فى الوادى باتجاه قرية لأثرون حيث يمر عبر اراضى مزارعى تلك المنطقة مانحة اياهم مصدر لمياه تمتاز بجودتها ، لم نستطع البقاء لوقت طويل نظرا لبرودة الطقس ، ثم عاودنا الصعود حيث الطريق الضيقة جعلتنا اتمتم فى سرى بكل مااعرف من ادعية واذكار.



كانت جولاتى بالمنطقة تتم من عين الدبوسية غربا ً ثم الى حدود وادى الطير القريب من مدينة درنة شرقا ً،و كان الهبوط من وادى والصعود فى آخر عملية مرهقة جدا وخطيرة فى ذلك الطقس الممطر الذى قد يدفع السيارة للانزلاق وبالتالى التعرض لحادث قد لا نجد من يقدم لنا المساعدة ، هذا ما كنت اقوله لعمى ولمرافقينا فى تلك الجولات ، الا اننى اتفاجىء بوجود راعى وجوالين بالمنطقة ، وكثيرا ما اشعرونى بالتحفز لرؤيتهم يخرجون من احد تلك الاودية السحيقة او من وراء دغل كثيف فجأة دون أن يتسنى لى فرصة ملاحظتهم ، وكانت مخاوفى فى محلها ففى تلك الفترة لم تكن الاودية قد خلت من شباب جماعة المقاتلة الاسلامية الذين وجدوا فى تلك الربوع مخابىء مثالية أثناء مطاردة الأجهزة الأمنية لهم .

 كما وجدها قبلهم اجدادنا الذين خاضوا معرك واشتباكات شرسة ضد الايطاليين ، وقبلها البيزنطيين والرومان الذين شنوا الكثير من الهجمات على معتنقى المسيحية من اتباع القديس مرقس الانجيلى الذى ولد وترعرع فى هذه الاراضى ، وقام بحملاته للتبشير بالمسيحية فيها ، ومن ثمة اللجوء الى هذه الاودية والمعلقات الصخرية/الكهوف المرتفعة/ والاحتماء بها من بطش الرومان وولاتهم.
اكثر مالفت انتباهى فى تلك الاراضى المحيطة بعين الدبوسية هو بقايا معاصر زيتون ونوى زيتون متحجر ، بالاضافة لوجود اعداد لابأس بها من أشجارالزيتون البرى الذى يرجح عمره الى تلك الفترات التاريخية القديمة لماقبل الميلاد، بالاضافة لوجود قنوات صغيرة وصهاريج لتوفير مياه الشرب لقطعان الماشية التى ترتع بالمنطقة الشديدة الخصوبة.




كانت كل جولاتى تتوقف عند بيت اعميمة كروان التى تعمقت معرفتى بها اكثر خلال تلك الرحلة ، فقد كانت تنتظرنى لتناول طعام العشاء او شاى العصارى مبتهجة بهذه الصلة الجديدة مع واحدة من بنات اخوانها ، كانت سيدة هادئة الطباع ودودة وحلوة اللسان وكانت اثناء تناولى الطعام تجلس لتحدثنى حول ذكرياتها بعد أن اكون قد استثرتها بسؤال عابر عن المنطقة حيث تبدأ فى سرد الكثير من الحكايات المسلية والجديرة بالتعمق فيها بالنسبة للباحثين فى التراث الشعبى .

 كانت احيانا تغمض عيناها وتسند رأسها على يديها وتروى فى نبرات هادئة ذكريات اقامتها بمعتقل البريقة فى فترة الثلاثينات / فقد كانت آنذاك مراهقة فى ال14 او ربما ال15 عشر من عمرها فعمتى كروان من مواليد سنة 1921/كنت استغرب كيف تقدر على مواصلة العيش بعد مرورها بتلك التجربة الرهيبة ، فما روته يبدو اقرب الى الخيال من الواقع، فالمرض والتعذيب والجوع والخوف يخيم فى تلك البيوت الباليه المهلهلة وسط صحراء البريقة الحارقة، لم استطع ان افهم ماالسبب الذى دفع جدى لاطلاق هذا الاسم عليها ، رغم ان بدو برقة كانوا يسمون اطفالهم بحسب الطبيعة المحيطة بهم او بحسب الظرف الذى يولد به الطفل، صرت معجبة كثيرا باسمها الغريب واللطيف فى آن والذى يعنى اسم طائر مغرد جميل.


الآن عندما اتذكر كل تلك القصص والاشياء التى تجمعت فى ذاكرتى فى تلك الليلة الرمضانية اجد ان شعورى مزيج بين الحنين لتلك الايام الجميلة الخالية من الهموم الكبيرة ، وبين الحزن على غياب وجوه حبيبة لطالما زينت ذكرياتى ومنحتنى الكثير من البهجة والرفقة الانسانية الغنية بالمودة والحنان.