الأربعاء، 22 يوليو، 2009

الكاتا خسماتا وعروس جديدة فى عائلتى

الايام الفائتة سنحت لى الفرصة لحضور زفاف واحد من ابناء عمى فى رستاجو بالقبة حيث استمتعت بالمناسبة من جوانب عدة فهى فرصة للقاء الاقارب والقريبات المقيمين خارج البلاد وفى داخل البلاد فى مدن مختلفة ..كان فرصة للنوم مرة اخرى تحت سقف بيت جدى ، ذلك البيت الذى يحوى ذكريات حلوة وجميلة لايام شديدة الروعة ...ذكرياتى مع احباءى الاحياء والراحلين ...كانت الانطلاقة ظهرا من بنغازى بعد مرور على الجامعة لانجاز اشغال سريع ، ثم العودة للبيت لجمع الاغراض والمغادرة برفقة شقيقاى بوبو وامون وهما الاخيرين الباقيين فى بنغازى ، فمعظم افراد اسرتى واقاربى غادروا بنغازى باتجاه الجبل لحضور المناسبة ....الطريق من بنغازى الى تلك البلدة الجبلية جميل ، رغم انه فصل الصيف والارض قد حصدت الا ان اقتراب البحر الازرق من خط الجبل ثم اختفاءه فى اماكن اخرى انعش المناظر ...فى العادة اقفل عيناى لان منظر الساحل موحش قليلا فى فصل الصيف حتى نصل الى حدود دريانة او هادريانبولوس حيث نقترب من الاجمل ..صعودا ً الى عقبة الباكور حيث المشهد وانت معلق بين الجبل والبحر والغابات الخضراء يجعلك تحبس انفاسك ، المرة بعد المرة احساسى بجمال المشهد لا يقل بل يزيد ...ثم سرعان ما نجد انفسنا ونحن نمر عبر المبانى الايطالية القديمة الممتدة حتى مدخل مدينة باركى "المرج " ثم العويلية حيث نتوقف دائما- منذ كنا اطفال نرافق بابا رحمه الله - ففيها سبيل ماء مذاقه ولا احلى من العسل ، ونشترى الفاكهة اللذيذة من باعة متجولين يتوقفون عند ذلك الماء ، ثم نستأنف الرحلة الى ان نصل الى بلاغراى "البيضاء" .....يا الله على هواءها الذى يشفى الروح والله لا ابالغ .. مهم مررنا فى اى وقت سواء صيفا ً حار او شتاء ً قارص يجب ان افتح نوافذ السيارة واستنشق الهواء واطلق تنهيدة ، رغم انها ليست موطن قبيلتنا ولم نولد فيها ، ولكنها شهدت بداية حلم بابا رحمه الله واحلام الليبين كلهم ...ولبلاغراى فى خاطرى حكايات واحاديث لا تنتهى ....نبدأ فى الاقتراب من دخول القبة حيث نبدأ تعليقات صاخبة واطلاق النكت حول ما ينتظرنا من مفاجأت وحكايات ووجوه .... بعد ان نترك القبة البلدة الرابضة على ربوة دائمة الخضرة ، ندخل عبر طريق طويل معبد على سلسلة بيوت ومزارع يسكن معظمها اعمامى واولادهم واقارب لبابا رحمه الله ...بيت جدى هو الثالث على اليمين ...يمكن مشاهدة البيت على بعد مسافات لانها لا جيران متاخمين له ، وان كان يقع على الجانب الاخر من الطريق بقية البيوت ....العبور هذه المرة من بوابة المزرعة حيث علُقت الزينات والاضواء الملونة ...تتوقف السيارة فى الباحة الداخلية ، نزلت لاجد انى الاخيرة فحتى بنات عمى وعماتى الموجودات خارج ليبيا حضرن ...اعتقد ان تبادل السلامات والمصافحات والاحضان استمر ما يقارب الساعة او اكثر ، كنت احاول ان احفظ وجوه الكنات الجديدات فى العائلة ، كما اتعرف على الاحفاد الجدد ، ماما كانت قد سبقتى بفترة مع بقية اشقائى الاخرين ..

.كان اكثر شخص اسعدنى وجوده سوما بنت اعميمة مرت حوالى ال3 سنوات منذ التقينا هى متزوجة من واحد من اولاد العمومة ومقيمة معه فى الاردن حيث يستثمران فى قطاع المبانى الفندقية هناك ...وجدتها بانتظارى وقد حجزت لى معها سرير فى نفس الغرفة التى سننام فيها..بيت جدى كبير ويعادل مساحة ثلاث بيوت ربما ...ومن يزوره للمرة الاولى يتوه ..لدرجة انه هناك نكت تروى عن ضيف حل بالبيت ليلا ولم ينتبه او يتعرف على الطريق فيه وفى الصباح اراد المغادرة فتاه وسطه ، مما جعله يصرخ مستغيث " ياهلا الحوش تعالولى ، ورونى من وين نطلع" ....كان يوم وصولى هو يوم الحنة اى سنذهب الى اهل العروس للقيام بتحنيت العروس ونقل اغراض العروس التى جلبها اهل العريس لها ...مع الاقتراب الوقت من الغروب اخذت الحركة تزداد بين النساء لتناول وجبة العشاء ، ثم الاسراع فى ارتداء ثيابهن ..الاجمل انهم مازالوا يحافظون على ارتداء البدلات العربية ، المكون من رداء حريرى حسب الذوق والموضة ، والسورية والكردية والسروال وارتداء الحلى الذهبية ، كنت اتجول بين الغرف واعلق على تلك واساعد واحدة من عماتى فى ارتداء مشمارها ، او تثبيت محرمتها على رأسها ...على تمام الساعة 9 كان كل نساء البيت وآنساته مستعدات للمغادرة الى بيت العروس ..القمر بدر ..والمنظر ليلا للطبيعة لا يقدر بثمن ..المسافة الفاصلة بين بيت جدى وبيت اهل العروس يمكن قطعها فى ربع ساعة فهى تقيم على اطرف بيت ثامر وهى ضاحية اخرى من ضواحى القبة حيث توجد منطقة اثرية ترجع للفترة المسيحية ، ويقال بان مرقص الانجيلى احد حوارى سيدنا المسيح امتلك مزرعة زرت بقاياها حيث قضيت شتاء 2003 اجوب تلك الاراضى بحثا عن آثاره ..

.كان بيت اهل العروس يقبع على تل عالية جرداء ... موكب استعراض ما حملن جميل وذكرنى بمشهد دخول اباطرة وقادة الرومان فى عربات تحت قوس النصر.... الطقوس تقتضى القيام بالغناء من اهل العريس واهل العروس وتبدأ منافسة قوية بين الطرفين ، مايميز افراح اهل الجبل انهم يعتبرون تلك المناسبة فرصة للتسابق وللتنافس على اطلاق اكبر كمية ممكن من غناوى العلم متباهيا ً كل طرف بعريسه او عروسه ...فى عائلة بابا لدى"نافى" ابنة عمى الكبيرة هى بطلتنا المؤزرة التى لا يمكن لاحد ان يغلبها الا بصعوبة ...لديها سرعة بديهة وخيال اغبطها عليه ...بدأت فى الاشادة بصفات شقيقها ووالدها ثم اشقاءها الذكور العشرة ، والله كان يخطر ببالى جليلة بنت مرة او واحدة من شاعرات العصر الجاهلى ، مع اشتداد المنافسة تتدخل واحدة من عجائز عائلة اهل العريس او العروس وتغنى اغنية تشيد فيها بالطرفين ثم تستمر حتى تهدأ الاوضاع وتعود طبيعية ، ثم تبدأ بعدها تقديم واجب الضيافة لنا من عصائر وحلويات وشوكلا والملبس ..ثم تقوم نفسها بطلة العائلة باستعراض كسوة العروس واهلها والمكونة من ثيابها العادية والداخلية وعطورها وادوات زينتها واحذيتها وكل ما يخصها، وعقد من الذهب وسوارين يسميان النبيلة ، ثم كسوة اهلها فالبادية مازالو يحافظون على هذا النظام المرهق لجيب اهل العريس ، والكسوة تكون عبارة عن كاط "اى جاكيت بدون اكمام مزخرفة بنقوش جميلة " وسروال وقميص ابيض " سورية " وساعة يد وشنة "غطاء للرأس احمر اللون فى الغالب" للرجال ،واما نساءاهل العروس فتتكون هديتهن من صندوق من المخمل يحوى على رداء ومعه سورية وسروال وكيس حناء وكيس بخوروزجاجة عطر ..

وهذه الهدايا لكل فرد من اسرة اهل العروس ..مع احضار خواتم من الذهب لشقيقاتها وعقد من الذهب لوالدتها ...ولا تقتصر الهدايا على امها وشقيقاتها واشقاءها ووالدها بل الى العمات والخالات وزوجات الاخوال وزوجات الاعمام ...وبالامكان تخيل حسبة كل هذه التكاليف ...طبعا مع عدم نسيان جدتيها ....عندما انتهى مشهد الاستعراض ذلك تنفسنا الصعداء ..ثم بدأنا فى التجهز للعودة للبيت ....فور وصولنا على تمام الساعة 11 ونصف... بدأ احتفال اخر من نوع خاص فهى عادة ان يجتمع بنات واولاد العائلة للاحتفال بالعريس او عروس العائلة فى ليلة الحنة فى العادة يستمر حتى صلاة الفجر ...فى تلك الليلة التقينا والقمر مستوى بدرا ً ، فكان محرك لمشاعر وعواطف كثيرا من الشباب والشابات ، تحلقن فى دائرة لنصنع طوقا ً ارضيا ً اكثر بهاء ً وحيوية ، تحت بيت شعرخاطته انامل زوجة عمى من اثواب حتى صار سقفه يشبه حقل من الازهار الملون..كنت احاول ان التقط كل التفاصيل ..تبدأ "نافى" بطلة العائلة المؤزة اطلاق اول غناوة علم عن الولاف اى الاحباء ، فتستثير همم الشباب ليكمل واحد من منهم الرد ، وهكذا حتى تتأجج المشاعر فلا يقطعه الا تويلا بنت اعميمة وهى تبدع فى غناء واحدة من غناوى العلم على طريق نساء البادية فتستعير محرمة لتضعها على وجهها ....ياجمر مانك طافى ، ياجمر مانك طافى حتى وين هلته عليك السافى حسيت لاذعتك حسيت لاوعتك ...ياجمر مانك مابى تبرد وننسى فى قديم اتعابى ، الغايب اللى طايل عليه غيابى وطايل مع طول الغياب ريافى ، ياجمر ما واريتك وما بالرديم برادتى غطيتك وخطيتهم سبيب ولعتك ونسيتك .....صوتها شجى ، عذب ، يرحل بنا الى وطن للعشق...بين كل استراحة ترتاح فيها من غناءها تتحرك المنافسة بين الشباب من ناحية وبين الشابات من ناحية اخرى ، غالبية الحاضرين يحفظون الكثير من غناوى العلم عن الياس والمرهون والولاف ، باستثنائى ، ففى جعبتى اغنية واحدة حتى صارت ماركة مسجلة باسمى "صابر وداير عزم وانقول يابعيدين تقسموا" كلما وصل فى الدور الكل يرددونها معى بصوت واحد منفجرين فى الضحك ، معلقين على اصرارى على اغنيتى ولكنها الصدفة منذ حفظتها قبل 15 عام ، منذ اول مرة اشارك فيها فى مثل هذه اللقاء وانا فى سن كبيرة لم انجح الا فى حفظ هذه غناوة العلم ....فى تلك الليلة كانت تخطر ببالى مقارنات عن الزواج الليبى فى الجبل الاخضر وبين الزواج لدى اسلافنا الليبين ممن سكنوا الارض قبل قرون طويلة ....فالمكان مثير ومحرك للمخيلة بقايا اعمدة مرمرية وتيجان ملقى على الارض ، وكهوف آثرية تحيط بالبيت ، وحتى اشجار زيتون قديمة ترجع الى الفترة المسيحية ...كنت اسرد على مسامع سوما بنت اعميمة التى رافقتنى فى جولة حول البيت والاراضى المحيطة به بعد صلاتنا للفجر، كنا نتحدث حول المكان فكلنا شغوفون برستاجو وبتاريخها الموغل فى القدم ، سوما تدير اعمال تجارية ولكنها تحب سماع مايخص المنطقة وفى كل مرة نلتقى لا تمل سماع نفس القصص ..كنت احدثها عن اعراس جرت فى الفترة الاغريقية اى حوالى القرن السابع ق.م ومابعده ...هل تعرفين ياسوما اجراءات الزواج لا تختلف كثيرا عما نفعله فى تلك الفترة فالعروس فى تلك الفترة كان يليق بها ان تبالغ فى إظهار إعراضها ، وسكب الماء وراءها بعد انطلاق موكبها هى عادة قديمة من تلك الفترة ايضا ، كان يرافق العروس الليبية فى الفترة الاغريقية الأصدقاء والاهل وهم يغنون ويطلقون اصوات تشبه الزغاريد فى الزمن الحديث ، وتقابل العروس حال وصولها الى بيت زوجها بسيل من الكاتا خسماتا ، أى جوز وفواكه والحلوى ...الا يحدث هذا الأن فى كل الاعراس ، كما ان سيدات اسرة العريس ومرافقات العروس يغنين انشودة عند انسحاب الزوجين إلى حجرة نومهما ،و يرفع غربال عند حضور العريس والتقاءه بعروسه امام الحضور من ضيوف الطرفين ، الا يشبه هذا مايحصل فى اعراس الزمن الحديث ، ففى بعض الحفلات التى حضرتها شهدت ام العريس ترقص امام ابنها وهى تحمل غربال ، كثيرا ما حيرتنى هذه العادة حتى قرأت عنها فى كتاب باحث يونانى عن طقوس الزواج فى العالم القديم ومنها ليبيا فاكتشفت ان القصد هى تضليل الارواح الشريرة التى تنشغل بعد ثقوب الغربال عن ملاحقة العريس وعروسه ...كما ان تبادل العروسان لانخابهم هى عادة من ذلك الزمن القديم ، حيث يتناول كليهما شراب مصنوع من العسل ، ثم يقدم العريس هدية لعروسه وهو يرفع خمارها ، فيقدم شىء من الحلى ...حتى الرداء الذى تلبسه العروس والمراة الليبية فى الفترة الاغريقية ومابعدها هو عبارة عن ثوب ينحدرمن الكتفين الى القدمين فى ثنيات طويلة ، ويشد عند الخصر بحزام من الجلد ويربط من اعلى طرفيه على الكتفين بمشبكى من المعدن ويسمى الخيتون ...الا يشبه هذا اللباس الرداء الذى تلبسه نساءنا فى الوقت الحالى ...كثيرا ما استوقفتنى التماثيل القابعة فى متاحف كيرينى وطلميثة وابوللونيا وجداريات اسلنطه للتأمل فى البسة تلك النسوة ..
..انتهت نزهتنا الصباحية ودردشتنا بافطار شهى مكون من طبق من الزبدة الوطنية والعسل وخبز التنور، الى جانب افطار حديث مكون من جبن وزيتون ومربى ...استمتعنا بوجبتنا وبدأنا فى التشمير عن السواعد فالكل مطالب بتقديم يد العون فى اعداد وليمة يوم الزفاف فى بيت جدى ، استمرت التحضيرات حتى فترة مابعد العصر ، حيث انسحب معظم البنات من المطبخ لاهتمام بانفسهن والبعض الى الراحة كحالى ، كنت اشعر برغبة قوية للنوم الا ان الحديث تواصل فى الغرف ....وبعد العصر مباشرة بدأن بنات عمى فى استقبال الضيفات ففى الجبل مازالوا يحافظون على عادة الحضور باكرا والانصراف باكرا ...توالت بعدها تقديم واجب الضيافة من حلويات ومشروبات ، والاستماع الى تسجيلات موسيقية ، الساعة 9 وصلت العروس السعيدة ترافقها شقيقاتها وقريباتها الكبيرات فى السن ، بدت لى شديدة الابتهاج فهى تتزوج ابن عمى بعد قصة حب استمرت 9 سنوات ، ثم على تمام ال10 حضر العريس لأخذ عروسه وانصرف سريعا ًوسط تعليقات بنات العائلة الصاخبة فهو خجول وهادىء ....انتهى الحفل قبل منتصف الليل ليسمح لنا بالاستعداد لليوم الثانى ...يوم التسندير او يوم الصباحية والذى يتضمن غداء للعروس واهلها ، وقيام كلا الطرفين بتقديم مزيد من الهدايا .. بعد استراحة الغداء المكون من وجبة ارز باليهنى والمحاشى ...حان دور تقديم العروس للهدايا لمعظم بنات العائلة ، كنت انا وسوما ونادية نعلق : " ياستى هى عارفة ان الذكور اكثر من البنات فى العيلة فقلت ننستر معهن ونجيبلهن هدايا على الاقل نضمن شرهن " .... ثم احضرت اطباق ملىء بالمثرودة وهى وجبة مكونة من خبز مرقوق ومفرود بالزبدة الوطنية ومخبوز فى التنورقمن باعداده صباحا ً، ثم تفتيته الى قطع صغيرة وخلطه مع العسل واللوز ... فى الساعة ال6 جمعت اغراضى وانصرفت مع شقيقاى فوالدتى وبقية الاسرة باقيين فهو فصل الصيف ، فصل البقاء بالجبل والاستمتاع بالطقس البارد والطبيعة الخلابة ...وصلنا لبنغازى ونحن شديدى الانهاك والسرور ايضا ..فرؤية تلك الوجوه قد لا تتكرر قبل فترة طويلة ...

الأربعاء، 8 يوليو، 2009

حيرة

هل أقارنك بيوم من أيام الصيف
أنت أجمل وأكثر اعتدالا وثباتا ً..
فبفعل الرياح قد تتساقط براعم الصيف
وأيام الصيف نفسها ليست دائما صيفا ً
ولكن صيفك الدائم أبدا ً لن يزول
ولن يفقد ماله من عذوبة وجمال...

وسط هذا الهدوء الشامل الذى يلف المكان فى هذه الساعات المتأخرة من الليل جلست لأتحدث إليك وضوء القمر يتسلل من نافذتى ، النسيم يداعب أطرافى والنجوم تتلألأ فى جوف السماء وصوت سعاد ماسى الدافىء يؤنس وحدتى ، حاولت البحث عن كلمات التى تليق بك فما أعانونى لأن فى مثل هذه اللحظات يأتى كل شىء وتفر الكلمات قبل كتابتها لأنها قطعا ً ستكون صادقة فمثل هذه اللحظات قليلة جدا ً فى حياة الانسان التى يخرج فيها من عالمه الأرضى ويحلق فى عوالم سحرية أخرى ، والطائر السجين يتحرر من سجنه والقلم المقيد يفُك آسره والكلمات تعود لها الروح بعد إجازة قصيرة ، او محاولة توقف عن كتابة رسالة جديدة فى منتصف الشهر القمرى حيث تكون حالتى كحالة مستذئبة تقتات على رائحة الذكريات ..لم اقدر ان اتوقف عن التفكير فيك ، لأنك موجود فى كل تفاصيل حياتى ، كم كنت اتمنى لو لم تكن رائعا ً هكذا ...لقد سرقت اغفاءة قلبى ، أحاول ان اتأقلم مع فكرة البعد والتوقف عن الحنين والتوقف عن ارهاق نفسى بعاطفة راقية ،تسبب الالم لروحى الا ان الامر صار اصعب ، لانى صرت احلم بعيناك المملؤتان وجعا ًودهشة فى النهار... يوم امس رغم كل الارهاق فى نهارى وانشغالاتى بامور كثيرة الا انه ظل هناك فسحة فى عقلى ترفض الاستسلام لسلطان النوم والابتعاد عن التفكير فيك ، كانت عيناى تعانقا شعاع القمر الفضى وهو يتسلل لغرفتى ويضىء المكان . كانت اتتبع اين تنتهى نظراتى الحائرة . واقفة عند ارفف كتبى . قررت اليوم ان اعيد ترتيب غرفتى لكى اتخلص من افكارى الليلية عنك ابعدت كتبى التى تحمل اسمك ، وضعتها على رف خلف ظهرى وجلست لاكتب مساءً ، ثم عدت ونقلتها الى غرفتى فى الطابق الرابع ، الى ابعد نقطة يمكننى ان اجد صعوبة فى الاستيقاظ والحملقة فيها ليلا ، وقبل ان تمر ساعة عدت وارجعتهن لانى احسست غرفتى غريبة وفارغة بدون اسمك ، اعدتها على الرف امامى واستسلمت لها ولكتابة رسالة اخرى قائلة بينى وبين نفسى ربما ستصل وتقرأ مابين الاسطر من الم حقيقى زاده توقفى عن تعاطى دوائى المسكن لالم الجسد والعقل فى فترة سابقة ...الاسبوع القادم سأبدا اخر مرحلة علاج سأحتاج فيها الى كل قوتى وتفاؤلى لاكمال العلاج ، ربما فى طريقى سأزور المدينة الوردية المتكئة على حافة البحر حيث كنا سنسكن ذات مرة ، واعرج على بيت القنصل ....

الاثنين، 6 يوليو، 2009

الدلفين صديق البحارة ..صديقى

بعد غياب سبع سنوات وصلت صديقة طفولتى رندا الى بنغازى لزيارة من بقى من افراد عائلتها ...رندا كانت رفيقتى المفضلة فى البلاد وخارج البلاد ايضا ، فأسرتينا مرتبطتان ببعض بروابط الصداقة والعمل منذ سنوات طويلة،وكذلك الاغتراب فهم جيراننا فى لندن ، تزوجت منذ 13عام من مهندس ليبى تعرفت عليه صارت ترافقه من مكان لاخر ، ظلت المراسلات بيننا بكل وسيلة متاحة لتبادل الاخبار والحكايات ، لا استطيع ان اصف مدى سعادتى بلقاءها بعد كل الوقت ...جلبت لى رندا هدية لطيفة كانت عبارة عن مجموعة دلافين زجاجية زرقاء تعلق على حامل ، هى تعرف كم احب هذا الحيوان البحرى اللطيف منذ كنت فى سن صغيرة ، فمازالت اول مرة اصطحبتنى فيها خالتى ميمى رحمها الله الى عرض للدلافين مقام فى حديقة الحيوانات بلندن ،كنت فى التاسعة من عمرى ، جلسنا نراقبها وهى تتحرك فى الماء وتؤدى رقصات غاية فى الطرافة والجمال ، فى نهاية العرض سمُح لنا بالاقتراب من اصغر الدلالفين الموجودة فى الحوض للمس جلدها ، مازالت اتذكر حتى اليوم هذه اللحظة ...
ربما كان حب من النظرة الاولى فصرت اتردد مرارا وتكرارا ً ، واصبح لدى ولع غريب باقتناء العاب على شكل الدلفين ، واغراض تذكارية تحمل شعار او رسمة لهذا الحيوان البحرى ...فصرت معروفة لدى افراد عائلتى بهذا الامر ، لدرجة ان واحدة من حفيدات عماتى "جوجو" اهدتنى حلية من الفضة على شكل دلفين صغير يقفز من وسط مرساة عندما نلت درجتى العلمية الاولى ... من يدخل لغرفتى سيجد اشكال وانواع لدلافين الدنيا ...عندما اخترت موضوع لكتابة بحث لنيل درجة الماجستير فضلت الكتابة فى موضوع انا احبه كثيرا ،وهو عن آثار ما تحت الماء ، قلت المهم ان اكون قريبة من عالم البحر وخلاص، فى سنوات دراستى كنت اكتشف المزيد عن هذا الحيوان اللطيف المحبوب منذ اقدم الازمنة لدى البحارة الذين اعتبروه صديقهم وفأل طيب يبشر بسلامة الوصول ..
الدلافين من الحيوانات المائية الثديية تعيش فى البحار والمحيطات عدا البحار القطبية، لكنه نادراً ما يقترب من الشواطىء أو من المياه الضحلة وهى تحيا ضمن قطعانٍ يصل عدد أفرادها إلى 12 دلفيناً، وقد يتجاوز عددها المئات في بعض الأماكن. وعادة ما يكون الذكر أكبر قليلاً من الأنثى وهذا الجنس ينقسم إلى أجناس فرعية توجد في البحار والمحيطات المختلفة، وبحسب البيئة والموقع الجغرافي يختلف اللون والحجم. يحل موسم المعاشرة في الصيف والخريف، وتدوم فترة الحمل حوالي 11 شهراً، ترضعه لمدة سنة واحدة ، وعادةً ما تصبح الدلفين بالغة تمام النضج الجنسي بعد 3 أو 4 سنوات من ولادتها وهي تعيش بين 25 و 30 سنة. ويقتات الدلفين بالأسماك والحبار،و ترافق السفن ولا تتخلف عنها ويمكنها القيام بكثير من الألعاب فهي تقفز إلى خارج الماء بمهارة، كما يمكنها أن تسبح بسرعة تصل إلى 14 عقدة في الساعة ،و يهاجر بشكل مستمر فيهاجر من البحر الأبيض المتوسط إلى شواطىء أميركا ويعود إلى المكان نفسه متبعاً جولة دائرية ،يمكن للأفراد الاتصال والتخاطب مع بعضهم باستخدام صدى الصوت لتحديد المواقع. يتميز أعضاء الفصيلة بالذكاء، المرونة، والقدرة على التكيف على المواقف المختلفة،وتكون هذه المجتمعات تعاونية، مما يشكل أسلوباً دفاعياً قوياً، فمثلاً يمكن لمجموعة من الدلافين قتل سمكة قرش وحماية البقية من الخطر، كما قد يعتني بعض الأفراد بفرد مريض أو جريح...
وكثيرا ما قرأت عن اساطير عن بحارة او مسافرين يلقى بهم او يغرقون فى الماء وينقذهم دلفين ، ففى مدينة تارنت بجزيرة صقلية وجُدت نقود ضُرب عليها رسم دلفين ربما لوجود اسطورة تتحدث عن انقاذ دلفين لمؤسس هذه المدينة ، كما ان الشاعر الغنائى آريون الذى كان يعيش فى ليسبوس مطلع القرن السادس ق.م . كان يجذب بانغام مزماره الدلالفين المتعطشة للنغم ،و التى ساعدته على الهرب على ظهرها عندحصاره من قبل اعداءه ..
كما وجدت ايسوب الحكيم الاغريقى الاسطورى يحيك قصص وحكايات يلعب فيها هذا الحيوان دورا مؤثرا ً، وغالبا ً ما كان يمثل الدلفين فى العصور الاغريقية والرومانية على الفسيفساء وعلى قناديل من الطين المشوى ، والبرونز ، وعلى العملات الفضية وكل ذلك فى اطار موضوعات بحرية ..ويظهر على نبع بالازونيشيو بمدينة فلورنسا الايطالية من عمل النحات الايطالى ماركو فيروشيو .
كما نجد هذا الحيوان يظهر فى احد اساطير الاله الاغريقى ابوللو ، حيث ساعده على الانتقال الى اقصى المكان الذى سيسمى دلفى حيث مقر كاهنة التنبؤات الشهيرة.. .ومن جهة أخرى يشكل الدلفين جزءا ً مألوفا من موكب افروديت ربة الجمال والخصب عند الاغريق ، فيظهر وقد امتطاه طفل مجنح هو ايروس نصير العشاق...اما فى قرطاجة فكان الدلفين يظهر على امواس الحلاقة وقطع العاج الجنائزية وعلى الانصاب الجنائزية للقرطاجيين حيث يرمز الى الخلود ، والى دوره كناقل للأموات إلى جزر السعداء ..كما يظهر فى الاساطير الهندية وصورته الاعمال الفنية هناك ممتطية ظهره الالهة جايا .


أما فى الفترة المسيحية فأن الدلفين ارتبط مع السمك وهو رمز مسيحى هام ، فجُعل منه رمز المنقذ اما لوحده و اما بمشاركة مرساة بحرية فالدلفين المحيط حول المرساة هو عندئذ صورة المسيح على الصليب ..فى مدينة بنغازى كانت تشُاهد الدلافين على شاطىء جليانا وفى كثيرا ً من الاحيان كانت تدخل الى بحيرة العوينات (البحيرة الرياضية حاليا ً) حسب ما يذكره بعض كبار السن من البناغزة ، الذين يسمونها بالدنفير..اصبح الدلفين بطل لبعض الاعمال التلفزيونية والسينما ولعل احدثها Eye of the Dolphin ...بعد هذا كله اليس جديرا ً بأن يُحب من البحارة ومنى ..