الخميس، 28 أغسطس، 2014

الدور الريادي للسيدة حميدة العنيزي في تعليم البنات الليبيات ..


اجتمع لعصر السيدة حميدة العنيزي من أسباب الصراعات السياسية والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية ما جعله عصر صعب على الرجال قبل النساء، فالسيدة حميدة محمد طرخان المولودة في العام 1892م بمدينة بنغازي سافرت في بعثة دراسية من قبل الحكومة التركية آنذاك في العام 1911م إلى اسطنبول للدراسة في معهد المعلمات هناك، حيث نالت شهادة الراشدية، ثم نالت دبلوم المعلمات بتفوق، الأمر الذي دفع بإدارة المعهد الذي درست به لاختيارها لبعثة دراسية متقدمة فرنسا، إلا أن والدها رفض هذه الفكرة أساساً، كما رفضت تعيين الحكومة التركية آنذاك لها كمعلمة بإحدى المدراس، وطلبت العودة إلى أرض الوطن خاصة مع استقرار الاوضاع بشكل نسبي، حاملة لمجتمعها المحافظ أفكارا تنويرية جديدة اعتنقتها خلال إقامتها بتركيا، التي شهدت تغييرات شملت نواحي الحياة آنذاك .
 
يرجح عودة السيدة حميدة إلى بنغازي في العام 1915م بعد قضائها خمس سنوات باسطنبول. ولا نعرف الكثير عن دورها في الحياة العامة بمدينة بنغازي فى تلك الفترة لعدم توفر روايات عن تلك الفترة، وربما كانت تقضي وقتها في قراءة ما يتوفر من كتب باللغات التي أجادتها ومنها التركية والفرنسية واليونانية، ثم الإيطالية التي انهمكت في تعلمها، بالإضافة لتحسين لغتها العربية على يد رجل دين .

وعندما أخذت أحوال سكان بنغازي في التحسن نسبياً في السنوات التي أعقبت معاهدة أوشي لوزان فوجئ الناس بحدوث كارثة كبيرة هزت أعماقهم، وهي ظهور وباء الطاعون بكل معقباته منذ بداية العام 1914م ثم انحساره، وعودته للظهور مجدداً عامي 1917 و 1922م، ويذكر بعض المعمرين الذين عايشوا تلك الفترة أن الإصابات والوفيات كانت كبيرة، وقد دفع الفقر والضيق والمرض واستبداد العدو بالسكان ليزيد ترابطهم وعطفهم على بعضهم البعض.

وقد ترك المرض أيتاما من البنات والاولاد بدون أسرهم، مما دفع السلطات الحاكمة آنذاك لجمع البنات اليتامى ووضعهن في بيت بشارع الكوافي، وأوكل للآنسة حميدة طرخان العنيزي بالإشراف عليهن حسب رواية السيد عمران المصري. وتذكر السيدة أمينة بن عامر في كتابها عن السيدة حميدة قيامها بتعليم البنات تطوعاً في بيتها في الأعوام 1917 و 1918م. والأرجح هو قيامها بالإشراف على بيت البنات اليتامى لمشاعرها الفياضة، وتفاعلها مع الناس وإحساسها بمعاناتهم، ففي تلك الظروف الصعبة من وباء يحصد الأرواح وجفاف يضرب البلاد وموجات جراد تتلف المحاصيل، كان تعليم البنات آخر همَ الليبيين، ولكفاءتها وائتمارها بحوافز الضمير الحي وتقديس الواجب، جعلها تشغل مكانة مرموقة في قلوب الناس. مما أهلها فيما بعد للعب دور مؤثر في التعليم بالمدينة.

ربما استمرت في تقديم رعايتها لبنات اليتامى حتى عام 1920م حيث تزوجت من السيد عبد الجليل العنيزي، وهو ضابط ليبي سابق في الجيش التركي، والذي ستحمل لقب أسرته حتى وفاتها. وبتشجيع من زوجها المثقف المستنير قياساً على عصره وافقت على افتتاح أول مدرسة ابتدائية للبنات بناءً على طلب السلطات آنذاك من قريب زوجها السيد عثمان العنيزي فقامت بذلك العمل الصعب في وقت سادت فيه مفهوم العقلية المتخلفة لدى الرجل الليبي في نظرته إلى المرأة، فهي أقرب لأن تكون من الحريم والجواري تقبع خلف الجدران مسلوبة الإرادة ممنوعة من الخروج، إذ سلبتها التقاليد كل إنسانيتها وحقوقها الصريحة التي أثبتها لها الدين الاسلامي

والسيدة حميدة في تلك المرحلة الصعبة في مقابلة معها بإحدى المجلات تقول:".. كان مجرد إقدامي على العمل وقتذاك هو في حد ذاته نضال، إذ واجهتني صعوبات وصعوبات، منها التقاليد، والاستعمار، وقد حوكمت من أجل هذه الرسالة بتهمة انني اعلم البنات في بيتي. ومن هنا يظهر مدى الكبت والضغط والظلم الذي كنا نعانيه من المستعمر. تصوري أن التعليم للوطن كان يعتبر في نظرهم جريمة يحاكم عليها..".

كما تشير لدور زوجها في ذلك:".. وبالرغم من هذا واصلت رسالتي، وقد وجدت التشجيع من زوجي الذي استطاع أن يقنع والدي في أن يسمح لي بالعمل، ولازلت أتذكر أول فوج من بناتي اللاتي درستهن وهن كريمات الساقزلي".

كان المقر بمدرسة البنات للتعليم والعمل بشارع عثمان بحيح، واحتوى برنامج الدراسة على مدة خمس سنوات، ففي السنة الأولى كانت ذات طبيعة إعدادية، وباقي السنوات عادية، متضمنة موادا دراسية كالآتي: القرآن والدين والاخلاق، اللغة العربية واللغة الايطالية والحساب، دراسات عامة مثل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد المنزلي والصحة والتدبير.
 
ويشير بيكيولي بأن تدريس هذا البرنامج قد أنيط باثنين من المدرسات العربيات الجيدات حميدة العنيزي، والسيدة بديعة فليفله. ووصل عدد التلميذات بهذه المدرسة لحوالي 48 تلميذة. ولأن السلطات الايطالية في ذلك الوقت لم يكن في نيتها التخلي عن هدفها المفضل في التغلغل الثقافي وسط المجتمع الليبي، لذا لم تكن عملية التعليم بالعملية السهلة وقتها بالنسبة للسيدة حميدة، فالمدرسات الايطاليات كن يتربصن بها خوفاً من مواقفها القوية، فإخلاصها دفعها للتركيز على تدريس اللغة العربية، بل وتهريب كتاب المطالعة الرشيدة الذي يأتي من مصر لتطالعه التلميذات في بيوتهن .

لعل أبرز من تخرج من مدرستها في تلك الفترة كانت الآنسة خديجة الجهمي عام 1936م مع مجموعة بنات كن النواة لتأسيس نهضة تعليمية نسائية، فإنخرط أغلبهن في مجال التدريس فيما بعد، منهن السيدة حميدة بن عامر، والسيدة فاطمة بن غلبون، والسيدة فريحة طرخان، والسيدة نورية الأزرق. كما كان من المتخرجات من المدرسة نواة أولى لممرضات ليبيات ومن بينهن إبنتي أخيها.

وبتطور الحياة الطبيعية ما بين أعوام 1923 و 1929م حافظت الأسر الليبية على اسلوب حياتها وعاداتها وتقاليدها، إذ ظلت القيود على تعليم الفتاة تثقل كاهلها وتحد من انطلاقتها، مما حدا بالسيدة حميدة العنيزي لامتشاق قلمها، والمساهمة في تنوير مجتمعها بأهمية تعليم البنات من خلال الكتابة في مجلة ليبيا المصورة، بل وتشجيع تلميذاتها على الكتابة عبر صفحاتها.

وتقول السيدة حميدة عن تلك المرحلة: "كان كل همي أن أرى التعليم ينتشر بين الليبيات، ولقد عملت كل ما في وسعي لتشجيع هذه الحركة".

فقد كتبت على صفحات مجلة ليبيا المصورة تخاطب أولئك الاباء: "..وأنتم ايها الآباء اناشدكم الله أن تدبروا في مستقبلهم بناتكم، فلا تكونوا من المتعصبين الذين يحولون دون تعليم بناتهم فيقضون بحرمانهم من أهم أسباب الحياة. ومن الحقائق المسلمة الآن أن المرأة هي المدرسة الاولى لافراد النوع الانساني، وفي هذه المدرسة يأخذون المبادئ التي لا يمحى أثرها طول الحياة. فإذا كانت المرأة متعلمة فلا شك أنها ستربي أولادها تربية حسنة، وتبث روح الفضيلة في نفوسهم فيصيرون في المستقبل رجالاً يرجى منهم الخير. اما اذا كانت غير متعلمة بما تسترشد به في أداء هذا الواجب الذي وضعتها فيه مقتضيات الطبيعة، فكيف يمكنها أن تربي أولادها تربية نافعة وتنجب أفراداً يرفعون مقام امتهم ويعلون شأنها بين الامم".

ويتردد صدى أفكار السيدة حميدة في نفوس الليبيات، فنجد احدى قارئات المجلة تبدي اعجابها بكتابات السيدة حميدة فتقول: ".. لا يسعني الا أن أبدي اعجابي وتقديري للمربية الفاضلة السيدة حميدة العنيزي لما حواه مقالها القيم من الآراء الصائبة والنصائح العالية المفيدة..".

 * هذه المقالة جزء من بحث موسع عن السيدة حميدة العنيزي، ودورها في الحياة العامة في ليبيا منذ عودتها من تركيا حتى وفاتها في العام 1981م، وتزامن وقت النشر مع ذكرى وفاتها في شهر أغسطس، وذلك إبقاءً لذكراها العطرة حية في نفوس الليبيين، منشورة سابقا ً على موقع جيل بقسم رواق التاريخ عام 2007.

مراجع:

- أمينة بن عامر، المرأة الليبية:إبداع وإشعاع: حميدة العنيزي .

- احمد القلال ، سنوات الحرب وادارة العسكرية البريطانية فى برقة .

-إبراهيم المهدوى ، حكاية مدينتى بنغازى"دراسة وثائقية".

-وهبى البورى ، مجتمع بنغازى فى النصف الاول من القرن العشرين.

- مجلة ليبيا المصورة ،1936.
- مقابلات شفهية (عام 2006 ) مع السيدة نجاة طرخان ، السيد عمران المصرى الجلالى، السيدة حميدة البرانى.

الأحد، 24 أغسطس، 2014

الفيلم الليبي الشظية .. ومحاولة جادة لصناعة سينما محلية ..

الفنان الليبى الراحل على العريبى

 غيب الموت  الفنان الليبى علي العريبي مساء يوم الجمعة 22 اغسطس 2014 ، بعد تعرضه لوعكة صحية أدخل على إثرها مستشفي الهواري العام في بنغازي.

وقد اشتهر الفنان العريبي بأداء شخصية "الوادي" في المسلسل الليبى الكوميدي الشهير "مكتب مفتوح"، من تأليف الممثل الراحل على العريبى و إخراج الفنان : علي المصراتي والذي أذيعت أولي حلقاته أول عام 1977 ، وقد لاقى المسلسل نجاح و إقبالاً كبيرًا منذ منتصف السبعينات حتى الربع الاول من عقد الثمانينات من القرن الماضي، عندما توقف المسلسل  بعد ان دب الخلاف بين الشريكين على العريبى "الوادى" و رجب الفرجانى"حش" .

قدّم العريبي أعمالا فنية عدة على خشبة المسرح والتلفزيون والسينما، لكنه رحمه الله اعتزل الفن قبل عدة سنوات ، بعد ان قدم العديد من الاعمال الفنية فى المسرح و التلفزيون والسينما .
ملصق فيلم الشظية
 عندما قرأت خبر نعى الفنان الليبى القدير على العريبى رحمه الله فى المواقع الليبية ظهرا يوم السبت ، تبادر لذهنى لوهلة الاولى اهم اعمال الفنان الراحل فى السينما ، الا وهو فيلم "الشظية " احد اهم الاعمال الروائية فى السينما الليبية ، حيث يتناول هذا الفيلم بصورة فنية درامية مشكلة الالغام المدفونة التى خلفتها القوى الغربية المتصارعة خلال الحرب العالمية الثانية على الارض الليبية حيث عكس بوضوح حجم المآسي الناجمة عن انفجارات الألغام الأرضية موقعة ً بضحاياها من البشر والحيوانات حتى بعد وقف الحرب بين الأعداء المتقاتلين.
الفنان الليبى الراحل الطاهر القبلاوى
 كانت القناة الحكومية الوحيدة فى سنوات الثمانينات من القرن الماضى تقوم بعرض فيلم "الشظية" فى فترات ومناسبات كثيرة ، خاصة بعد حصوله على جوائز من مهرجانات عربية وعالمية ، كما نال التقدير والاشادة من قبل الكتاب والنقاد السينمائيين و المخرجين و الفنانيين العرب والاجانب بعد مشاهدتهم للفيلم.

تأتى أهمية هذا الفيلم لاعتماده على عملا أدبيا للروائى الليبى هو "ابراهيم الكونى"  ، بالاضافة لاعتبارها المحاولة الاولى لنقل الأدب الليبي إلى الشاشة لأول مرة ، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية القضية المطروحة أى مناقشة مشكلة الألغام التي زرعت إبان الحرب العالمية الثانية، وتأثيرها على حياة البشر والحيوانات .
الفنانة الليبية المخضرمة كريمان جبر
 وقد جاءت فكرة تحويل هذه القصة لعمل مرئى كما يقول كاتب السيناريو "عبدالسلام المدنى" من خلال خطة وضعتها الشركة العامة للخيالة لانتاج اعمال روائية تلاقى النجاح والاقبال الجماهيرى فيقول عن ذلك :"..تم إنتاجه بعد العديد من المحاولات والمطالبة من قبل إدارة الإنتاج التي كانت ترى بان تنفيذ فيلم روائي سيصب في صالح تاريخ الشركة العامة للخيالة ويدعم مكانتها، فقامت بكتابة السيناريو الأدبي والتقطيع للقصة التي تحمل نفس الاسم: الشظية وهو الاسم الحقيقي كما في الشريط ليكون عملا روائيا تسجيليا في بداية الثمانينات وسلمته للتلفزيون الذي علق على السيناريو بأنه عمل سينمائي من اختصاص الشركة العامة للخيالة، وعليه تمت إحالة العمل في ذلك الوقت إلى السيد مدير عام الشركة والذي سلمه بدوره وبدعم منه إلى المخرج الراحل "محمد الفرجاني"الذي تبنى العمل ورحب بالفكرة مع إجراء بعض التعديلات عليه. وتم تنفيذ العمل سنة 1984/85..".
المخرج الفرجانى مع الطاقم أثناء التصوير فى الجبل الاخضر

و كان السينمائى الليبى الراحل "محمد على الفرجانى" قد درس السينما في جمهورية مصر العربية حيث نال درجة الماجستير قبل ان يعود إلى ليبيا في الستينات ، حيث عمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بقسم الإعلام و تحديدا ً بالجريدة المصورة، حاول أن يقوم بأولى محاولاته في الفيلم الروائي في سنة 1967 بعد انجاز بعض الأعمال التسجيلية إلا أن محاولته تلك لتقديم فيلم روائى  لم تنجح ، إلا فى العام 1985 فى تقديم فيلم "الشظية" .

وتدور أحداث الفيلم حول لقاء بين "سالم" وهو حطاب يجمع الحطب وأدى الدور الفنان الراحل "على العريبى" ، و"البهلول" وهو قاتل هارب من ثأر وأدى الدور الفنان الراحل "الطاهر القبلاوى"، حيث تجبرهما الظروف على التواجد سوياً في ارض ملىء بالألغام وسط الصحراء، ونتعرف من خلال الحوار على قصة كلاهما إذ كان "سالم" قد فقد "سالمة" زوجته والتى تلعب دورها الفنانة الليبية "كريمان جبر" أثر انفجار لغم أودي بحياتها وبأغنامه  ،أما "البهلول" فهو هارب بعد قيامه بقتل عريس حبيبته و ابنة عمه "ريم" التى أدت دورها الفنانة الليبية المعتزلة " "نجاح عبدالعزيز " والتى كان يعشقها ولكن والدها عم "البهلول" قام بتزويجها من رجل ميسور الحال ، رافضا ً تزويجها لابن عمها ، فيقوم الراعى "سالم" بأنقاذ "البهلول"من الموت عطشا ً، ثم انقاذه من الموت بلغم، وفى أثناء قضائهم ليلتهم فى مغارة بعد هبوط الظلام ومحاصرة الذئاب لهم ، تزول حالة التوجس والخوف بين الاثنين ، ويروى كل واحد للاخر حكايته ، وفى هذه الأثناء يقرر بعض ابناء قبيلة "سالم" البحث عنه ، بعد تأخره فى العودة للنجع فيقتلون فى حقل الألغام ، وينتهى الفيلم بفشل "سالم" في التخلص من لغم يقضي عليه وعلى "البهلول" .

ملصق للفيلم يظهر فيه الفنان الكبير الطاهر القبلاوى رحمه الله

بدأ تصوير الفيلم بتاريخ 17 مارس 1984 و أنتهت عمليات التصوير بتاريخ 16 أكتوبر 1984 ، و كان أول عرض له بمهرجــــــــان دمشق السينمائي عام 1985.

أما عن  بطولة الفيلم فقد تقاسمها كل من :الفنان الليبى الراحل الطاهر القبائلي ، الراحل علي العريبي ، والفنانة الليبية المخضرمة كريمان جبر ، بالإضافة لمشاركة مجموعة من الفنانيين والفنانات المحليين : علي الورشفاني ، و أنور الطرابلسي ، و رمضان نصيـــر ، و أم السعد علي ، و صالح بوغزيل ، و نجاح عبدالعزيز ، و أحمد باكير ، و عبدالسلام الورفلي ، مدير التصوير محمد ابديرى. 

أدى كل من العريبى ، والقبلاوى وجبر أدوارهم باقتدار ، و كان أداء الفنان العريبى رحمه الله فى منتهى التلقائية والجمال لشخصية الحطاب سالم فقد ساعدته انتمائه لقبيلة من بدو برقة فى تقمص هذه الشخصية حتى التصقت فى ذاكرتنا .

 كان التصوير فى أماكن طبيعية ، وبكوادر محلية  ، ولم تنفذ اى مشاهد داخل استوديوهات مقفلة ، فقد كان المخرج الفرجانى حريص أشد الحرص على تقديم عمل سينمائى قريب للواقع ، ويظهر هذا من خلال تمسكه بتصوير مشاهد المغارة التي كان يحتمي فيها "سالم" "علي العريبي" و"البهلول" أى "الطاهر القبائلي"، وكان بإمكان الفرجانى الاستعاضة عن التصوير عدة  ليالٍ باستعمال مرشحات خاصة للتصوير كى تعطى إيحاء الصورة .

جاء مشهد انفجار اللغم فى أثناء ركض سالمة زوجة سالم لاحقة ً بخرفانها ، من المشاهد المؤثرة فى الفيلم لبشاعة المصير ، كم أن الانفجار كان حقيقى من تنفيذ رجال الشرطة للكشف عن الألغام وتفجيرها.
مشهد من الفيلم يجمع الزوجان وهما يلعبا السيزة وهى لعبة شعبية شهيرة
أيضا ً حرص المخرج على الفرجانى على اختيار مواقع تعكس جمال الطبيعة فى بلادنا ، فقد اختار شلال درنة لتصوير لقاء عاطفى بين البهلول وريم حينما جاءها متسللا ً منصتا ً لغناء ريم لغناوة علم جميل ظل الكثير من شباب وشابات الثمانينات يرددونها فى مناسبات كثيرة ، ويتبادلها العشاق .

كم أن المخرج لم ينسى ان يقدم توثيق فنى جميل وجذاب لبعض العادات والطقوس فى الفرح الليبى فى بادية برقة فجاءت زفة العروس ورقص الكشك وغناء الشتاوى وميز العرس أى سباق الخيل وتجهيز العروس في جحفة على ظهر الجمل لتضفى واقعية شاعرية بأسلوب سلس ورشيق دون ان تتسبب بترهل فى ايقاع الفيلم .

أما الموسيقى التصويرية للفيلم ففى معظمها من اغانى ليبية شعبية ، او موسيقى من وحى التراث الموسيقى الشعبى المحلى ، فأضفى مسحة جميلة ومبهجة على الفيلم ذو القصة الفاجعة .

وبالرغم من حرص المخرج الفرجانى على التدقيق فى تنفيذ العمل إلا انه فاتته نقطة اساسية فى الفيلم وتتعلق بملابس الاولاد الصغار التى لاتخص اولاد البدو فى برقة ، كذلك اختلاف فى اللهجة  بين ابنى العم ريم و البهلول ، فالبهلول يتكلم بلهجة المنطقة الغربية من بلادنا ، وهى تختلف بشكل كبير عن لهجة بادية برقة ، كم أن اختيار اسم البهلول هو من ليس من الاسماء الشائعة فى تسمية الذكور فى بادية برقة ، كان على المخرج فى حينها تنسيق الملابس واللهجة و باقى التفاصيل الاخرى للتجانس مع البيئة التى تدور فيها أحداث الفيلم ، والذى يفترض ان يكون مابين ربوع الجبل الاخضر ، و ربوع هضبة البطنان التى زرعت ألغاما ً فى فترات تبادل المواقع بين قوات المحور والحلفاء فى الحرب العالمية الثانية ، بالاضافة لعدم التناسق بين الحوار وحركة شفاه الممثلين فبعض المشاهد ينقطع الصوت لثوانى بينما يواصل الممثل الحوار دون استدارك لخلل فى الصوت. 
ملصق آخر للفيلم أثناء عرضه بدور السينما فى المدن الليبية
 لم تستمر الشركة العامة للخيالة المملوكة للدولة آنذاك فى تنفيذاعمال سينمائية بمستوى نجاح فيلم "الشظية"، إذ شكلت قرارات الدمج والحل و الإلغاء "للشركة العامة للخيالة" خلال عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى حتى ألغاء الشركة فى العام 2003 بعد تراكم الديوان ، شكلت خطوة قاضية على نمو وتطور مشروع صناعة السينما فى ليبيا فى تلك السنوات ، وهذه السلسلة الطويلة من الفشل فى ادارة هذا القطاع المتميز بخصوصيته فى أى مكان فى العالم ،جاءت بعد  تطبيق النظام السابق للزحف الثورى على مؤسسات الدولة ، مع تأميم دور العرض العامة او المملوكة لمواطنين ليبيين ، فتشكلت لجنة ثورية لإدارة هذه المؤسسة مع باقى دور العرض العامة والخاصة دون ان يكون للاعضاء اللجنة أى خبرة او دراية بهذا المجال ، فساهموا فى تضخم الكادر الوظيفى بإعداد غير مؤهلة ولا صلة لها بهذه الصناعة ، مع عجز عن تسويق الافلام التسجيلية والروائية القصيرة المنتجة من قبل الشركة بالاضافة لسوء الإدارة جعلها تعجز حتى عن دفع مرتبات العدد الكبير من الموظفين ، مع عدم وجود رؤية واضحة وخطة للانتاج الفنى، هذه الاسباب وغيرها ساهمت فى ادخال السينما الليبية فى حالة غيبوبة لم تستفق منها إلا بعد فبراير 2011 حيث ظهرت مشاريع ومؤسسات تنشط فى هذه الصناعة ، اما انتاجا ً او اخراجا ً او كتابة ، والخ من مهن واطر ترتبط بهذا القطاع ، مما يعطى الأمل فى المستقبل رغم كل الصورة القاتمة فى هذه المرحلة.

         
                  

مراجع :
- عبدالسلام المدنى ، من العروض المسرحية إلى ظهور سينما وطنية .
- على محمد الفرجانى، قصة الخيالة العربية الليبية .
- بشير محمد عريبي، الفن والمسرح في ليبيا.
- عبد الله محمد اطبيقة، الخيالة في ليبيا.
*الصور من أرشيف السيناريست والباحث الليبى عبدالسلام المدنى، والممثل الراحل على القبلاوى .