السبت، 17 أغسطس، 2013

رحيل سامبو او سى محمد معتوق...

مقهى العردوى (ميدان البلدية )عام 1954 يجلس سى محمد معتوق فى الوسط بين الشاعر الكبيررفيق المهدوى وعبدالكريم لياس








حمل شهر رمضان لهذا العام الكثير من المآسي والفواجع لمدينتي بنغازي ، فقد كان الموت والحزن يخيم على ليالي وأيام هذا الشهر الكريم ، ولم يكد يطل هلال العيد حتى كان الالم والحزن قد استوطن عميقا فى ارواحنا... وكأن سكان المدينة لم تكفهم تلك الحوادث المؤلمة فأمتد الموت ليطال شخصية بنغازية من اجمل شخصيات المدينة واكثرها إنسانية بإجماع من عرفوها ، سي محمد معتوق او سامبو راوية أشعار رفيق .

لقد عرفت سي محمد من خلال صداقة ربطت بين بناته ووالدتي التي قامت بالتدريس لهن فى فترات مختلفة ، ثم أصبحن زميلاتها بالمدرسة نفسها ، لتتحول الرابطة بين المعلمة وتلميذاتها الى علاقة صداقة جميلة مليئة بالاحترام والدفء .. 

ولد سي محمد في مدينة بنغازي فى العشرينيات من القرن الماضى حيث نشأ في اسرة بسيطة كغيرها من الاسر الليبيين في فترة الاحتلال الايطالي ، فلم يتلقى الا تعليم بسيط ، وبسبب الاوضاع المادية لأسرته التحق بالعمل فى احد مقاهي ميدان البلدية في فترة الاستعمار الايطالي ثم انتقل للعمل ضمن ورشة تملكها الحكومة ، قبل أن ينتقل للعمل كنادل فى مقهى الفردوس الشهير لصاحبه الحاج اهويدى بالروين .. ويقدم لنا الباحث التاريخي الاستاذ سالم الكبتى وصفا لاسلوب سي معتوق فى العمل كنادل حيث حقق شعبية كبيرة بين مرتادي المقهى  فيقول: "كان رشيقا وصاحب طريقة خاصه فى توزيعه للطلبات واختير مع غيره من زملاء المهنه فى تقديم الخدمات فى المناسبات الرسميه التى يحضرها الملك ادريس وكبار رجال الدوله وضيوف ليبيا". بعدها انتقل سي محمد للعمل كفني كهرباء فى محطة كهرباء بنغازي حتى تقاعده من العمل قبل سنوات.

لقد تمتع سي محمد معتوق بمحبة الناس واحترامهم الكبير له ، ولم يكن يحمل الا الود والمحبة لسكان مدينته. إذ تمتع بأخلاق عالية و صفات انسانية فى منتهى الجمال جعلته قريبا من كافة اطياف المجتمع البنغازينو ، فقد ربطته صداقات وعلاقات قوية بالكثير من الشخصيات السياسية والادبية و الرياضية فى بنغازى ، فمنذ سنوات الخمسينات رافق الشاعر أحمد رفيق المهدوي الذى شجعه على القراءة وعلى تثقيف نفسه، وأصبح سي محمد يحفظ اشعارالمهدوي ويرويها فى كل مكان يذهب اليه ، ومن القصص الطريفة التى تُروى عن سي محمد استعماله لبيت شعر يخص رفيق المهدوى فى توجيه عتب مؤدب لشخصية سياسية لها وزنها ، ففى احد الايام مر عليهم والي ولاية برقة السيد حسين مازق ولم يطلق عليهم السلام فقال له سي محمد "يا ايها المتغطرسون رويدكم ....فلن يستبد بارضنا حكام" ، فرجع حسين مازق وقال لهم "والله ما شفتكم" .

نشأ سي محمد متأثرا بالفكر الاسلامي حيث اصبح من أوائل الملتحقين بجماعة الاخوان المسلمين في ليبيا فى الخمسينيات من القرن الماضي ، وقد تم ايداعه السجن بعد خطاب زوارة فى العام 1973 او ما يعرف "بالثورة الثقافية" التى منعت أى شكل من اشكال التجمع المدنى السلمي وحلت الاحزاب والنقابات واعتقل المئات من المثقفين و المحامين و الادباء والفنانين والسياسيين ولم ينجو من تلك الحملة الشرسة الا من استطاع الهرب خارج ليبيا .

يروي سي محمد رحمه الله ذكرياته عن تجربة السجن فيقول : "فجمعتنا إدارة السجن نحن وأخوة آخرين من تيارات أخرى كالقوميين والبعثيين والماركسيين وغيرهم فى حجرة واحدة ، وفي اليوم الأول سمعت حديثا جانبيا بين بعض النزلاء عن مسائل فكرية فعلقت وقلت ، يا اخوان توا كل واحد اللي فى راسه ايسكر عليه وخلونا انمشوا هالحبسة هذي نين ايفرج الله كيف الخوت واللى حبسك حبسني معناها نحن فى خندق واحد، فاستحسن الجميع النصيحة وامضينا فترة السجن التى كانت 6 أشهر على أحسن حال ولم يحدث ما يعكرها حتى تم إطلاق سراحنا" ...

كما يتناول المحامى جمعة اعتيقة تلك التجربة التى تشاركها مع سى محمد فيشير إليها فى مذكراته الشخصية المعنونة باسم " مـذكـراتـي في السـجن والغــربة " .. "وجدت نفسي وسط مجموعة لم اكن اعرف منها سوى عدد قليل... يبلغ عدد المجموعة حوالي خمسة عشر شخصا... استقبلت بحن و ود... (والجود من الموجود) من البداية كانت ملامح الاختلاف العقائدي مع المجموعة ظاهرة... فمعظمهم ينتمي للاخوان اوحزب التحرير وكنت انا في تلك الفترة على تحذم اليسار.. لم يؤثر هذا الاختلاف على علاقتنا الودية... والتي كان يوجهها ويخدمها مسلك ذلك الاسمر مدير القاعه الأستاذ (محمد معتوق) الذي بدأ حياته مرافقا لرفيق المهدوي ليصبح راويه شعره... قبل ان يتحول الى فكر( الاخوان المسلمين ) كان الرجل غاية في الحنان الابوي تجاهنا نحن  الشباب لا انسى صوته الجهوري؟ وهويردد بيتا من الشعر لرفيق المهدوي كان له اثر السحر في قلوبنا ومداركنا وقدراتنا في المواجهة (ان تدخل السجن ما في السجن من بأساً فيه الكرام وفيه افضل الناس) للذين القت بهم ادوات العسف وراء الشمس كان اباً حنونا عطوفا وسنداً قوياً في مواجهة المحنه... بقينا على حالنا وايامنا تمضي بين ممارسة الرياضة والصلاة وبعض المناقشات المتناغمة التى لم يكن يشوبها سوى بعض المناكشات التي كنت اثيرها تعليقا على بعض الاحكام والاحلام وربما بعض الاوهام التي كانت تستغرق المجموعة" . 

ورغم تجربة السجن تلك الا أن سي محمد لم يتخلى عن مبادئه او افكاره وظل يأنف من الاقتراب من نظام القذافي ، وحتى مع استمرار المراقبة لتحركاته وأنشطته ، فأنه لم يحاول أن يتنازل قيد أنملة لكي ينال الحظوة والرعاية كما فعل اخرين من الليبيين ، رغم المصاعب المادية والمعيشية التى مر بها مع اسرته .

كما غيره من الشباب الليبى الذين نشأوا فى فترة الاستعمار الايطالى وعايشوا الادارة العسكرية الاجنبية  و ساهموا بقدر جهدهم فى دولة الاستقلال ، كان سي محمد احد المؤسسين لنادي الاهلي باعتباره عضو جمعية عمر المختار التى وضعت حجر الاساس لهذا النادي العريق ، كما شارك فى الصحافة المحلية بين الحين والآخر فى سنوات ماقبل الانقلاب وبعده فى كتابة بعض التعليقات حول الاحداث الرياضية او المباريات ضمن الدوري المحلي او الايطالي .

تمتع سي محمد بشخصية دافئة ودودة مع اسرته ، فقد عُرف عنه بره الكبير بوالدته ، وبمحبته ووفائه لزوجته الراحلة التى تركت له خمس بنات وولدين قام على تربيتهم احسن تربية فتخرجوا جميعا من الجامعة ، ونالوا ثناء كل من عرفهم لحسن تربيتهم وأخلاقهم العالية . كما أن سي محمد قام برعاية أسرة شقيقه عبدالحميد المدرس بمدارس بنغازي والقريب من سكانها تماما كأخيه سي محمد ، فقد توفت زوجة اخيه اولا ليلحقها الاخ ، فيقوم سي محمد على تربية اولاد وبنات اخيه المقيمين معه بنفس البيت .

لقد كان سي محمد رجل فريد فى المجتمع البنغازىنو بروحه الودودة الطيبة المعطاة فلم يكن يحب أن يدخل الا الفرح والسرور والمواساة على كل من عرفه فى افراح بنغازى واتراحها ..كما قال عنه الاستاذ سالم الكبتي ".. هذا الفتى الاسمر .. رجل من نوع اخر .. من طراز خاص .. اتسع قلبه للجميع.. حمل الجميع فى قلبه على مختلف تياراتهم ومدارسهم واتجاهاتهم .." .. بوفاته تفقد بنغازي شىء من دفء روحها وطيبة قلبها فقد كان سي محمد وبنغازي معجونين من نفس الطينة ...لروحك سلام وروح و ريحان من الرحمن يا سي محمد .

هناك 5 تعليقات:

  1. بارك الله فيك عل هذا الجهد في التعريف بأحد أبرز شخصيات بنغازي من الناحية الإجتماعية، هذا وفاء لجيل مضى و لا يعرف الوفاء إلا أهل الوفاء

    ردحذف
  2. شُكراً على هذه التدوينة الرائعة ..كم تمنيت أن أكون ممن يعرفون سي محمد شخصياً

    ردحذف
  3. بارك الله فيك عالتدوينةاﻻكثرمن رائعةوجزاك الله عناخيرالجزاء

    ردحذف
  4. بارك الله فيك عالتدوينةاﻻكثرمن رائعةوجزاك الله عناخيرالجزاء

    ردحذف
  5. بارك الله فيك على هذا الحهد الاكثر من رائغ

    ردحذف