الأربعاء، 6 يناير، 2016

السلطان عبدالحميد الثاني من خلال مذكرات ابنته الأميرة عائشة عثمان أوغلي..



يعتبر كتاب والدي السلطان عبدالحميد الثاني من الكتب الشيقة التى تتناول العادات والتقاليد ونمط الحياة فى القصور العثمانية فى القرن التاسع عشر .

إذ تحدثت فيه الأميرة عائشة ابنة السلطان عن خواطرها وحياتها ، عن أيامها الحلوة والمرة ، و عن عادات البلاط العثماني وتقاليده قبيل سقوط الإمبراطورية العثامنية وتفتتها ، كما كشفت من ناحية أخري عن تفاصيل الحياة اليومية لوالدها السلطان عبدالحميد وبعض أفكاره وشخصيته ، كما تحكي أيضاً بعض الأحداث السياسية التي اطلعت عليها عن كثبٍ.فالمذكرات من هذه الناحية جديدة كل الجدة فى موضوعها ، مما يجعل الكتاب شيئا ً جديدا ً ، و مصدرا ً يمكن إضافته إلى قائمة المصادر التى تناول فترة السلطان عبدالحميد الثاني.

تضمن الكتاب نبذة عامة عن السلطان عبدالحميد الثاني ، مستقاة من مصادر موثوقة ، تناولت الظروف السياسية والاقتصادية التي واكبت ظهور السلطان عبدالحميد فى الداخل والخارج ، وعن آرائه فى السياسة و الاقتصاد، وتطلعاته ومحاولاته للنهضة بالسلطنة ، والأشارة لبعض أعماله و إنجازته فى بعض المجالات ، عن الجانب النفسى فى حياته والظروف التي نشأ فيها وتأثيرها بعد ذلك على تحركاته وقراراته .

وقد كتبت الأميرة عائشة مقدمة وضحت فيها الأسباب التي دفعتها لكتابة هذه المذكرات بعد عودتها من المنفي الذي عاشت فيه 30 عام : " ... بعد أن عشت حياة يأس ، في فرنسا لاشتياقي إلي الوطن العزيز قرابة ثلاثين عاما كنت بحاجة إلي التعبير عما شعرت به من سعادة بسبب وصولي إلي بلدي الحبيب، إن هدفي من كتابة مذكراتي هو الرغبة في ترك تذكار صغير لأمتي الحبيبة، ورواية قصة حياتي التي عشتها في القصر وتقديم خدمة صغيرة بالأخبار عن الوقائع التي عشتها وكنت شاهدة عليها في العصور الأخيرة من تاريخنا ، وقد قررت كتابة مذكراتي ومارأيته وسمعته وعلمته بناء على رغبة أحبابي ..".

تتناول الأميرة عائشة فى القسم الأول والثاني الكثير من التفاصيل والمعلومات عن ولادتها وولادة اشقائها وشقيقاتها ،  عن النظام المتبع داخل الجزء المخصص للنساء والحريم داخل قصر يلديز ، عن الطريقة المتبعة فى تعليم وتهذيب اولاد وبنات السلطان ، عن انواع الاطعمة والمشارب ، و كيفية قضاء اوقات اللعب والترفيه والنزهات والرحلات الخلوية ، عن علاقة الأميرة بوالدها السلطان ، وعلاقة السلطان بوالدتها و باقى الزوجات و بزوجة والده ، وشقيقاته واشقائه ، عن الخدمات المقدمة للسلطان ولاسرته ، وعن الوظائف والمهن بالقصر السلطاني وغيرها .

تتناول الأميرة عائشة تجربة النفي لسلانيك القسم الرابع من الكتاب حيث تروي ذكرياتها الحزينة عن خروجهم بتلك الليلة باتجاه المجهول قائلة ً: " ... لم تكن الحكومة قد هيات وسائل الراحة الضرورية للسلطان ولمرافقيه فالاسرة والاغطية والاواني والصابون ....الخ تكاد تكون غير موجوده، كما  ان الكهرباء والماء كانا مقطوعين ، وعندما اخبر رئيس الحرس بهذه النواقص ارسل بضعة جرادل من الماء وبضعة شموع وفرش واغطية قذرة التي جمعت من الفنادق وبعض الطعام".

لم تبقى الأميرة عائشة سوي تسع شهور مع والدها ووالدتها حيث تقرر أن تعود لاستانبول لتستعد للزواج من أحمد نامي بك ، وتروي الأميرة عائشة وداعها المؤثر لوالدها ووالدتها قبيل مغادرتها لسلانيك ، ووصية والدها ونصائحه لها قائلا ً:" ..ابنتي ، إحذري كل تصرف يُسىي إلي ، وحافظي على نفسك ولاتلطخي اسمي بالطين...ابنتي ، إن عمك اليوم يحتل مكاني ، واحترامك له الآخر ، بقدر احترامك وطاعتك لى يجعلني سعيدا ً غاية السعادة ، وإنني أطلب منك أن تطيعي كل أوامره .." .

قضى السلطان ثلاث اعوام فى سلانيك  في هذا القصر لايعلم شيئا عما يجري خارج محل اقامته الجبرية ، إلا عندما حضر من يأمر اسرة السلطان المعزول بالاستعداد للعودة إلى استانبول خوفا علي حياته ، فعرف عبدالحميد الثاني أن الدولةالعثمانية تحت قيادة جماعة الاتحاد والترقي تنحدر الى الهاوية بسرعة كبيرة ، وتتفكك اجزاؤها ، حيث قامت بارجة ألمانية بنقله لاستانبول حيث خصص له قصر "بكلر بكي" المشرف على البسفور والذي بقي فيه حتى وفاته عام 1918م ، وتروي الأميرة التي يقع مقر اقامتها على البسفور كيف كانت تبذل جهد لتشاهد والدها ووالدتها بمكبر من شرفة بيتها ، إذ ظلوا ممنوعين من الزيارة حتي وافق السلطان رشاد السماح لاولاد وبنات السلطان عبدالحميد بزيارة والدهم فى اواخر حياته ، فاصطحبت الأميرة عائشة اولادها للمرة الأولى فى عيد اضحي العام 1912.

كانت الأميرة عائشة تراقب الاوضاع من حولها بعد وفاة السلطان رشاد واعتلاء العرش السلطان عبدالمجيد آخر السلاطين العثمانيين وسيطرة مصطفي كمال اتاتورك على الدولة الذى انتهى بالغاء الخلافة و السلطنة واعلان الجمهورية التركية ، وتقول عن تلك المرحلة المليئة بالكثير من الاضطرابات والتقلبات :" ...وفى النهاية أقبلت الأيام التي بتنا نخشاها ، واضطررنا لترك بلدنا ووطننا الحبيب ..وإلى أى الديار نحن ماضون؟ إننا خُلقنا من طين تركيا وترابها..أجسادنا وعظامنا هي عجين ذلك التراث ، وكيف لنا أن نموت ديار الغربة ..إنهم يطردوننا من أوطاننا بلا إثم أو جريرة ، ياله من شىء مفجع ..".

كما تعرج الأميرة عائشة على تجربة انفصالها عن زوجها أحمد نامي بك ، وزواجها للمرة الثانية من محمد علي رؤوف بك ، الضابط فى الجيش التركي ، وعن سنوات المنفى فى فرنسا حيث عاشت فى ظروف معيشية متقشفة فى سنوات الحرب العالمية الثانية التى اندلعت فى اوربا لتمتد لباقى انجاء العالم ملقية بظلالها الثقيلة على حياة الأميرة عائشة واسرتها الصغيرة المكونة من ابنائها الأربعة ، خاصة مع فقدانها لزوجها ، فهى تقول أنها لم تتخذ أى احتياطات اخراج أى اموال لتعيش بها ، وأنها اضطرت لبيع مجوهراتها و حليها ، ومجموعتها الثمنية من الطوابع ، بل اضطرت أن تقوم بنسخ لوحة مكتوب عليها " إن الله مع الصابرين" وراحت تبيعها مع بعض الطغراوات ، كي تعيش و تصرف على تعليم ابنائها .

و كانت أولى الكلمات التى نطقت بها الأميرة عائشة وهى تعانق والدتها التي لم ترها منذ إخراج الأسرة العثمانية من تركيا العام 1924 " لاقدر الله زوال الوطن ولا زوال الأمة " ، وتذكر الأميرة مشاعرها فى المنفي ومرارة الغربة القسرية عن وطنها وبعادها عن الأهل والاصحاب وتشتت اسرتها الكبيرة فى بقاع عديدة من الدنيا ، إذ تقول " .. أشعر حتى هذه اللحظة بثقل وعذاب تسعة وعشرين عاما ً عشتها بعيدة عن وطني ، وكنت قطعت فيها الأمل تماما من أن تمس قدماي يوما ً ترابه المقدس ".

***
الكتاب مقسم إلى ثمانية أقسام كالاتي :القسم الأول(والدي وسراي يلديز) ، القسم الثاني(حياتي وذكرياتي) ، والقسم الثالث(العهد الدستوري) ، والقسم الرابع (تسعة شهور من حياتي داخل قصر علاتيني فى سلانيك) ، والقسم الخامس( حياة والدي حتي عودته إلى استنبول من جديد) ،والقسم السادس( زوجات السلطان عبدالحميد الثاني وأولاده) ، والقسم السابع ( خطاب إلى جميل باشا) ، والقسم الثامن(بعض صور الأميرة عائشة وافراد أسرة السلطان عبدالحميد) .

تتمتع الأميرة عائشة بأسلوب وذاكرة مدهشة في التذكر و الكتابة وسرد تفاصيل حياتها وحياة والدها بطريقة شيقة و خفيفة ، رغم استغراقها فى سرد تفاصيل الاحتفالات والمراسم فى المناسبات الدينية والوطنية فى قصر يلديز ، إذ يكاد القارىء أن يتذوق الأطعمة والمأدبات المقامة على شرف الضيوف ، ويستمع للموسيقى التي تُعزف فى الحفلات ، ويلمس أقمشة الملابس و الستائر والمفروشات من دقتها فى الوصف والتصوير .

من خلال المذكرات ومقارنة ماجاء بها من معلومات مع مصادر ومراجع اخري يمكن استنتاج كان السلطان عبدالحميد الثاني كان يعامل المرأة معاملة كريمة تختلف عما اشيع حوله من قسوة وغلظة قلب ، إذ عامل زوجة أبيه التي احتضنته وقامت بتربيته - بعد وفاة والدته فى سن صغيرة- بكل احترام ومودة ، بل أنه ذهب لحد وضع زوجة أبيه عندما تولى العرش بمرتبة عالية بأعلانها (والدة السلطان) وهى بمعنى الملكة في المفهوم الحديث.

وقد روج سابقا ً صورة مشوهة عن الحياة الشخصية للسلطان عبدالحميد ظلت هى الشائعة عنه سنوات طويلة فى مجلات عربية كثيرة أذكر منها مقال سبق لى قرأته بمجلة شهرزاد (الليبية الصادرة فى قبرص) أواخر سنوات الثمانينات من القرن الماضى ، يخالف ماذكرته ابنته الأميرة عائشة ، وماكُتب لاحقا عن شخصية عبدالحميد الثاني من تدين وحرص على الصلاة و عدم شرب الخمور والاكتفاء بأربع زوجات هن فى الأصل جواري اعتقهن وتزوج منهن ، وقد عاشت اثنتان بجانبه حتى فى منفاه فى قصر علاتيني فى سلانيك (اليونان حالياً) ثم رافقنه فى عزلته فى قصر بكلربكي فى استنبول.

بعض صور الأميرة عائشة فى مراحل مختلفة من حياتها :


 
 


 

هناك تعليق واحد: