الاثنين، 13 يناير، 2014

احتفالات المولد النبوى الشريف فى ذاكرة مدينة درنة ..

الجامع العتيق بمدينة درنة فى ثلاثينيات القرن الماضى 

كنت اترقب ذكرى المولد النبوى الشريف هذا العام ككل الاعوام الماضية ، فقد ارتبط فى ذهنى بالكثير من الذكريات الجميلة برفقة افراد عائلة والدتى بدرنة المدينة الجبلية الصغيرة ذات الطبيعة الخلابة قبل أن تتحول الى مدينة مشوهة المعالم والمعمار منذ مطلع التسعينات من القرن الماضى ، مع بزوغ هلال شهر ربيع الأول لهذا العام كنت استرجع شريط ذكريات طفولتى.
 
فقد كنت اقضى بضع اسابيع فى بيت جدتى بمدينة درنة المتميزة بموقع فريد ونسيج سكانى مميز وبيئة حضارية مدهشة حيث تفتح وعيى منذ صغرى على التراث الصوفى لعائلة والدتى  وهو حال غالبية الاسر الدرناوية القديمة، فقد كانت الزوايا الدينية موجودة فى حياة اسر المدينة الصغيرة بقوة وكذلك حلقات الذكر الصوفية المتمثلة فى الحضرة او الانشاد الصوفى.

كان الاحتفال بذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الاحتفالات الشعبية التى تهفو لها أنفس وأرواح سكان مدينة درنة كغيرهم من الليبيين حيث تبدا من بزوغ هلال شهر ربيع الأول بفتح المساجد ليلا ً و اضائتها وقراءة قصة مولد الرسول الكريم طيلة ليالى الشهر كله ، وأنشاد المدائح النبوية والقصائد اشهرها تخميس القصائد الوترية فى مدح خير البرية للشيخ محمد بن عبد العزيزبن الوراق ، والاخرى تخميس القصائد العياضية فى مدح خير البرية للشيخ أبى العباس أحمدبن البهلول ، ويغلب على انشاد هذه المدائح اسم (( البغدادى ) اذ يعبر الناس عنها بقراءة البغدادى ، أما أشهر قصص المولد التى تقرأ بجانب المدائح النبوية فهى (مولد المناوى ) وقد التزم صاحبها طريقة السجع، تتخللها فقرات يرددها المستمعون بنغمات خاصة .
 
ويصل الاحتفاء بذكرى مولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ذروته يوم ووليلة الثانى عشر من الشهر ، حيث تزين المساجد والزوايا بسعف النخيل ، وبزخارف من ورق ملون وغيره ، فإذا ما أقبل المساء لبست الزوايا والمساجد حلة بهيجة من أضواء الشموع وأضواء المصابيح ، ويخرج الأطفال يحملون بأيديهم قناديلهم الملونة المنورة يإيقاد الشموع ، يطوف الطرقات ، و يرددون أهازيج فى ميلاد الرسول الكريم .
 
 (حليمة ياحليمة ... يامرضعة نبينا ... قومى رضعى محمد ... مرضعتك غنيمة ... صاحو ياصاحو ... أهل الدنيا راحوا ... أعطاهم مولاهم ... واعنا فى مدعاهم ) أو يرددون هذه الأهزوجة وم يجوبون شوارع وأزقة المدينة الجبلية الصغيرة  (هذا قنديل وقنديل فاطمة جابت خليل ... هذا قنديل الرسول فاطمة جابت منصور...هذا قنديل النبى فاطمة جابت علي ) ومايكاد يبزغ فجر اليوم التالى الثانى عشر من ربيع الأول  حتى تنهض ربات البيوت مبكرات ، يبادرن إلى إعداد طعام العصيدة ووضعه فى القصاع حسب العادة المعروفة ، ابتهاجا بذكرى الرسول عليه السلام ، ويجتمع الجيران والأهلون فى بيت من بيوت ، أو فى ساحة مسجد من المساجد يتناولون طعام العصيدة فى فرح وابتهاج وفى عصر ذلك اليوم يتجه أكثر أبناء المدينة إلى المساجد لقراءة قصة المولد النبوى ، ويشربون الشراب المحلى بالسكر والمسمى ( شربات ) ، إضافة إلى استقبال شباب المدينة من طرف ربات البيوت وهن يزغردن ويقمن برش ماء الورد وتستمر الاحتفالات طيلة سبعة أيام احتفاء بقدوم المولد النبوي.

وأبرز المساجد احتفالاً فى ذلك اليوم هو الجامع الكبير الذى تملىء ساحته بجموع الحاضرين كبارا وصغارا ، وينتهى الحفل فيه بتقبيل شعرة داخل زجاجة خاصة ، يعتقد أنها من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقال عنها أنها من بقايا الآثار النبوية التى تداولتها أيدى الخلفاء والامراء حتى وصلت الى سلاطين آل عثمان بعد انتقال الخلافة الأسلامية إلى حوزتهم وهؤلاء كانوا يهدون تلك الشعرات إلى عدد من المساجد ، ومن بينها بعض المساجد الليبية ، يوم كانت ليبيا ولاية عثمانية ، وتذكر الرواية المحلية أن ( رشيد باشا ) الوالى التركى هو الذى أحضر الشعرة إلى الجامع الكبير بمدينة درنة حيث قدم إليها كما أدى إلى هذا المسجد ساعة حائط كبيرة ولاتزال باقية إلى الآن.
 
 وإذ أردنا البحث فى نشأة هذا الاحتفال فسنجد بعض المراجع التاريخية تشير إلى الفاطميين العبيديين باعتبارهم هم أول من احتفل بالمولد النبوى الشريف بشكل رسمى وشعبى ، وكانوا هم الذين حكموا مصر ابتداء من القرن الرابع الهجري ، حيث كانت ليبيا تتبع لحكمهم فى تلك الفترة ماجعل الليبيين يقتبسون ذلك الاحتفال ، إذ لم يكن لهذا العيد وجود فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا فى عهد الخلفاء الراشدين و لافى العهد الأموى أو العباسى ، فكان الفاطميون هم أول من احتفل بالمولد احتفالا ً تعلوه مسحة الأعياد والمهرجانات ، واعتبر المولد فى أيامهم عيد رسميا وشعبيا واسلاميا.

وقد تولع الدراونة بأحياء هذه المناسبة ذات الطابع الدينى  فى العهد العثمانى الثانى كنوع من للتصدي لتغلغل الاوربى فى بلادهم فى تلك الفترة خاصة مع بدايات ظهور طلائع حملات تبشيرية فى بعض المدن الليبية قبيل الاحتلال الإيطالى لليبيا مطلع القرن العشرين .  

هذه الاحتفالات أو العادات الجميلة فى طريقها للاندثار بعد أن أصبحت تتعرض لحملات شرسة من قبل بعض أصحاب التيارات الدينية المتشددة القادمة من صحراء نجد حيث يختلف الارث الحضارى والثقافى بيننا وبينهم.
 
يـــــا فارس بغداد
اه يا جيــــلاني
احضر يا صداد

البارحة عندما كنت اقلب اليوتيوب وجدت هذا الفيديو الذى سبق لى مشاهدته فى نقل مباشر لاحدى القنوات التونسية فى سنوات ماضية  ..كنت مع اصوات المنشدين اتذكر خالى رحمه الله هو يمسك بيدى وانا طفلة ليقودنى عبر الازقة والدروب الضيقة للمدينة الجبلية الجميلة باتجاه احدى الزوايا لحضور حلقة أنشاد لقصائد و مدائح نبوية ظلت مغروسة فى ذاكرتى عبر الزمن وكأنى مازالت حتى الوقت الحالى اشم رائحة الجاوى والزهر يملاء الجو ، استرجع صوت جدتى لأمى  وهى تردد بعض تلك القصائد فى أثناء أدائها لبعض الاعمال المنزلية ، ودفء اللحظات الجميلة وتواصل الناس مع بعضهم البعض وتألف قلوبهم وتراحمهم واجتماعات الاسر والعائلات فى مناسبة الميلود حول عشاء ليلة الكبيرة اى ليلة الحادى عشر ، وتناولهم عصيدة الميلود فى صباح اليوم الثانى ، اتأسف لحالنا الآن ، فلا تكاد تجتمع الاسرة الواحدة او العائلات والاقارب الا فى مناسبات قليلة وعلى نطاق ضيق جدا ، لا تكاد الاجيال الجديدة تتعرف على كبار العائلة او تعرف شىء عن تقاليد وعادات جميلة ملىء بالكثير من المحبة و التراحم و العطاء .

هناك 3 تعليقات:

  1. جميل يا ايناس وثري كعادتك دوما.. أنت تحفظين بكتاباتك تلك روح ليبيا الحقيقية التي تحاول تلك التيارات المتشددة التي أشرت إليها أن تقضي عليها..حفظك الله يا ايناس وحفظ لك وطنك وروحه الطيبة..

    ردحذف
  2. اتمنى ان انجح فى ذلك يالبنى ، الابقاء على ذاكرة حية لدى الليبيين ..اشكرك كثيرا على كلماتك المشجعة يالبنى ، حفظ الله اوطاننا من كل مكروه

    ردحذف