الاثنين، 1 سبتمبر 2014

ذكري صاحب الابتسامة الودودة والروح الانسانية الراقية المؤرخ محمد الوافى ..

بورتريه للمؤرخ الراحل محمد الوافى

يعد المؤرخ محمد عبدالكريم الوافي من بين أبرز المؤرخين الليبيين الذين ساهموا في إثراء المكتبة الليبية و العربية بمجموعة مؤلفات وترجمات عن الفرنسية  فى مجال التاريخ والفلسفة .

ولد محمد عبدالكريم الوافي عام 1936 بمدينة المرج بالجبل الأخضرحيث تلقى تعليمه الأول فنال الشهادة الابتدائية عام 1952 ، وقد اظهر منذ السنوات الاولى للدراسة الاستعداد والذكاء للتحصيل العلمى،رغم ضيق الحال وانتشار الفقر وعسر المعيشة فى تلك المرحلة من تاريخ ليبيا المعاصر، إلا ان ذلك لم يحول دون ان يتطلع محمد الوافى لمواصلة الدراسة والتحصيل العلمى ، فعزم على الالتحاق بمدرسة بنغازى الثانوية حيث حصل على الشهادة الثانوية فى العام 1957 بتفوق كبير، ثم يلتحق بقسم الفلسفة  بالجامعة الليبية فى بنغازى ، فيتخرج الوافي عام 1961 بتقدير ممتاز ، ليتم تعيينه كمعيد بالقسم ، ثم يتم ايفاده إلى فرنسا لدراسة الفلسفة  خمس سنوات .

 عاد الى ليبيا فى العام 1966 حيث ألتحق بالعمل فى شركة اسو النفطية كمشرف على مجلة الحصاد التى تصدر عنها فى نسختين واحدة عربية والاخرى بالانجليزية .
و فى العام  1970 غادر الوافى الى باريس من أجل مواصلة دراسته العليا فى تخصص التاريخ  ثم عاد إلى الوطن بعد حصوله  عام 1976م على شهادة الدكتوراه في علم التاريخ .

شغل منصب مستشار ثقافي في السفارة الليبية بباريس مابين اعوام 1973 – 1977م ، كما عُين الدكتور الوافى فى العام 1977 كمندوباً عن ليبيا بمنظمة اليونسكو حتى العام 1979م، حيث أتاح له اقامته لفترة طويلة فى باريس التعرف على بعض الشخصيات الثقافية الشهيرة كالفيلسوف جان بول سارتر ، جاك بيرك ، والفيلسوف المصرى عبدالرحمن بدوى ، وعالم الآثار الفرنسى فرانسوا شامو وغيرهم. ، وفى مذكرات الدكتور على فهمى خشيم تناول جانب من حياة الدكتور الوافى وانغماسه فى الحياة الثقافية وقضاء الوافى لمعظم أوقات الفراغ فى زيارات  لمعارض الكتب والمكتبات ومراكز الأرشيف وقاعات عروض الفنون التشكيلية والمتاحف والمسارح و حضور العروض الموسيقية الراقية التى كانت تعج بها الحياة الثقافية والفنية فى باريس فى تلك السنوات.

 رجع الدكتور محمد  إلى طرابلس فى العام 1980 حيث قام بالتدريس بقسم التاريخ بكلية التربية بجامعة طرابلس ، قبل ان ينتقل نهاية الثمانينات إلى قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بنغازى ليقوم بالتدريس والاشرف على طلبة السنة التمهيدية فى الدراسات العليا في فرعي التاريخ الإسلامي والحديث ، ويشرف على العديد من رسائل جامعية لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه.

  ورغم تقاعد الدكتور الوافى فى العام 1998 لكنه لم ينقطع عن التدريس لطلبة الدراسات العليا ، ومواصلة الاشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه ، كما لم يتوقف او يتكاسل عن القيام بترجمة الكتب التى صدرت حول تاريخ ليبيا القديم فى الفرنسية ، فصدرفى العام 2003  ترجمة كتاب " برقــة في العصر الهلينستي" من العهد الجمهوري حتى ولاية أغسطس من تأليف أندرية لاروند، من منشورات جامعة بنغازى ، وهى آخر اعمال الدكتور الوافى فى مجال الترجمة ، وقد أنفرد بتأليف أربعة كتب بينها كتاب نشر باللغة الفرنسية من مجموع عشرة الكتب . 

و تعتبر كتبه المترجمة عن اللغة الفرنسية من بين أهم الكتب المراجعية  التي أثرت تاريخ ليبيا القديم والحديث بالاضافة لكتابه القيم حول علم التاريخ ، مما ساهم فى تذليل الصعوبات أمام الباحثين والمتخصصين فى التاريخ القديم على وجه الخصوص لمن لايتحدثون الفرنسية .

  كتب من تأليف الدكتور الوافى :

1- أطروحة الدكتوراه بعنوان: شارل فيرو وليبيا من خلال وصف القنصل الفرنسي بطرابلس في القرن السابع عشر 1876م-1884م.( نشرت باللغة الفرنسية).
2- يوسف باشا القرمانلي والحملة الفرنسية على مصــر.
3- منهج البحث في التاريخ والتدوين التاريخي عند العرب.
4-   الطريق إلى لوزان : الخفايا الدبلوماسية والعسكرية للغزو الإيطالي لليبيا.

 الكتب المترجمة :

1-    تاريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا . تأليف بوخينسكي.
2-   من داخل معسكرات الجهاد في ليبيا 1912م. تأليف جورج ريمون.
3-   الحوليات الليبية منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي. تأليف شارل فيرو.
4-   الإغريق في برقـــة ، الأسطورة والتاريخ. تأليف فرانسوا شامو.
5-   الحوليات التونسية منذ الفتح العربي حتى احتلال فرنسا للجزائر.تأليف الفونصو روسو.
6-  برقــة في العصر الهلينستي من العهد الجمهوري حتى ولاية أغسطس .تأليف أندرية لاروند.

وحول ضوابط وقواعد الكتابة التاريخية ومناداة البعض بإعادة الكتابة لحوادث وتواريخ ووقائع تاريخية بعيدا ً عن الهوى و التوجهات السياسية فكان له رأيه حول هذا الأمر قائلا :" ..كتابة التاريخ ليست مسألة عاطفية هوجاء ، ولذا فإنه لا بد لمثل هذه الأبحاث من الانطلاق من وقائع تاريخية محددة ، يقوم توثيقها على استقراء مختلف المصادر العربية وغيرها، وإلا فإن إعادة كتابة تاريخنا ستحيد عن هدفها وستصبح مجرد ضرب على طبول جوفاء لن تفضى بنا سوى إلى الإنصات إلى أصداء ممسوخة عن أحداث الماضى". 

لم يكن الدكتور محمد باحثا ومترجما فى مجال التاريخ والفلسفة فقط ، بل رسام صاحب موهبة جميلة غذتها النشأة الاولى فى مسقط رأسه بالمرج حيث الطبيعة الساحرة ، وصقلتها قراءاته فى الادب ومتابعة الفنون بمختلف انواعها خاصة فى فترة اقامته بباريس فى سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضى، وقد قام برسم أغلفة كلا من كتاب الحوليات الليبية ،وكتاب الحوليات التونسية ، وكتاب الإغريق في برقـــة ، كما أشرف على تصميم أغلفة كتبه ، وكان حريص على تزيينها برسومات ولوحات توضيحية .
لم يعُرف عن الدكتور الوافى سعيه لنيل مناصب او وظائف عليا بالنظام السابق ، كان شديد الحرص على الإبتعاد عن كل المغريات التي استهوت غيره فابتعد عنها بنفسه ، وحتى قبوله  بجائزة الفاتح التقديرية بقيمتها المالية الهزيلة 25 ألف دينار من أجل توفير مصاريف لعلاجه فقد عانى الدكتور الوافى من مشاكل صحية طوال الاعوام العشرين الأخيرة فى حياته ، إذ اذكر بأننا فى القسم كان نلاحظ وضعه الصحى الغير مستقر ، مع زهده وابتعاده عن التكالب على تدريس ساعات اضافية خارج الكلية كما يفعل الكثير من الاساتذة الجامعيين فى تلك السنوات ، ربما هذا ماجعله يقبل بتلك الجائزة فى العام 2009 ، وقد جاءت هذه الجائزة بعد ندوة تكريمية يتيمة اقُيمت بمركز الدراسات التاريخية بطرابلس عام 2005 ، ولم يجد انتاج الدكتور الوافى الحفاوة علمية اللائقة بمكانته وقيمته العلمية ، عكس آخرين سُلطت الاضواء على كتبهم بمحتوياتها الهزيلة والرديئة ، فقد كان الدكتور الوافى شديد الحرص على الجمع بين الترجمة الرصينة، والعناية بتحقيقها و تأصيل نصوصها بأمهات المصادر العربية والأجنبية ، كما لم يتوانى عن تصحيح واستدراك ماقصر فى البحث حوله ، فيقول فى مقدمة الطبعة الثانية لكتاب الحوليات الليبية :"... أنني خلوت منذ نشر هذه الترجمة إلى استقصاء المعلومات حول مؤلف " الحوليات  " ونقبت مدة طويلة في مراسلاته المحفوظة بإرشيفات مكتبة وزارة الخارجية الفرنسية في باريس، وذلك بحثا عن إجابات شافية عن تساؤلات عنت لي حول إقامته بطرابلس في أواخر القرن الماضي . وقد قادني ذلك إلى الاطلاع بصبر على معظم تلك المراسلات الخطية المصنفة في ستة مجلدات. ثم جرني هذا الجهد بدوره إلى محاولة التعرف على بقايا نسله وحفدته. وبالفعل، فإن هذا الاهتمام بشخصية المؤلف انتهت في خاتمة المطاف بتعرفي بسيدة فرنسية عجوز تناهز الستين سنة، ما تزال تقطن باريس، كان زوجها المتوفى حفيدا لابن "شارل فيرو"... كما أنني حرصت على اكتشاف قبره، زيادة مني في إحكام التقصي حول هذه ا الشخصية ". 

كان يبذل جهدا ً كبيرا ً فى الترجمة حول تاريخ ليبيا القديم ، إذ اختار ان يقوم بالعمل على مؤلفات فرنسية كُتبت بلغة علمية دقيقة ، عسيرة الفهم ، تحوى نصوص واقتباسات باللغة الإغريقية القديمة وباللغة اللاتينية ، الأمر الذى يجعل فهمها على القارىء العربى صعبة ، موجهة لعلماء الآثار والدراسات القديمة من المتخصصين ، ماجعل من مهمة الترجمة شديدة الصعوبة ، ومنهكة لصحة المترجم ، وقد بذل الدكتور محمد مافى استطاعته كى يقدم لنا ترجمات أمينة على النص الاصلى ، مع الحرص على صياغة سلسة فى العربية لمعانى وكلمات المؤلفات القيمة ، بالاضافة لقيامه بجهد جبار فى تحقيق وشرح متون الكتب وأستكمالها بالعشرات من الحواشى والهوامش زيادة فى  التوضيح ، وبكتابة ترجمات لكثير من الشخصيات وسير حياة وافية لمن يرد ذكره من اعلام اغريق ولاتينيين ، سواء كانوا مؤرخين وشعراء وأدباء وجغرافيين وسياسيين ومسرحيين و رياضيين ، وغيرهم من مؤلفين وبحاث ورحالة فى الفترة الاسلامية او الحديثة وردت اسمائهم واشارات لكتبهم ضمن متون تلك المؤلفات فى التاريخ القديم .

احببت الدكتور محمد الوافى ، وكنت اجد فى حديثه متعة واستفادة كبيرة ، كان من اعظم العلماء الليبيين واكثرهم  تواضعا وثقافة ، هو من شجعنى للالتحاق بتخصص التاريخ القديم ، كان يؤمن بقدراتى ويحفزنى ويخجلنى اهتمامه واطراءه على مستواى العلمى ، واعتبرت الاوقات التى يمنحنى اياه مجيبا ً على اسئلتى واستفساراتى ، منصتا ً لخواطرى وافكارى حول الشأن العام آنذاك  من الاوقات المفيدة..

آخر احاديثنا كانت قبل الثورة بثلاثة اشهر ، كانت تدور حول القذافى ووحشية ودموية حكمه ، وكيف قلب حياة الليبيين رأسا على عقب حيث استغرق الدكتور الوافى فى سرد الكثير من ذكرياته وحوادث خزنتها ذاكرته ، لم نلتقى بعدها حتى قرأت خبر النعى فى خضم الاحتفالات بتحرر العاصمة وبتأبين شهداء الثورة ، فقد رحل الدكتور محمد الوافى صاحب اعظم الكتابات والترجمات فى التاريخ الليبى بعد أن شهد سقوط القذافى وانهيار نظامه توفى يوم 30 اغسطس عام 2011 ...رحل صاحب الابتسامة الودودة والروح الانسانية الراقية...رحيله ذكرنى بوفاة  بابا رحمهما الله...
 

هناك 3 تعليقات:

  1. شُكراً على المعلومات القيّمة

    ردحذف
  2. حلو أنك تعرفتي عليه وحلو أن تعرف عليك,كلامكا كان محظوظ بمعرفة ألاخر

    ردحذف
  3. لك جزيل الشكر...على التعريف بهذا العلم....

    ردحذف