الأحد، 4 أكتوبر، 2015

شغف الحكي عند راويات مها حسن...

 تمهد الروائية السورية مها حسن لعملها الروائي "الراويات" بعبارة " خُلقت لأروي" المستوحاة من السيرة الشهيرة للروائي الكولمبي ماركيز ، إذ تجعل من الكتابة والحكي ، من أنماط العيش التي تعشقها مها، إذ تري أنها"حياة غنية كثيفة تعادل عشرات حيوات ، الحياة الخارجية، المرئية".


و تقسم مها حسن روايتها إلى ثلاث فصول فتبدأ بـ"جلد الأفعى"، ثم "حور العين" وأخيراً "مقهى شهرزاد" ، وتحت كل فصل أو قسم تندرج عناوين فرعية تساهم فى قيادة القارىء عبر حكايات لنسائها أو نسخ حديثة عن شهرزاد، حيث يتحول كل فصل إلى رواية منفصلة ظاهريا ً ، ولكنها تتقاطع مع باقى الروايات من حيث ظهور الشخصيات النسائية أو الرجالية واختفائها بين قسم وآخر . 

لتبدأ الرواية الأولى مع امرأة عاشقة للحكايات،تغرق فى عوالمها الداخلية ،تخلق شخصياتها الوهمية ، ولتنحصر أمنيتها بالحياة فى التفرغ لهذه الحكايات التى تحتفظ بها فى ذاكرتها ، لكن قيد عملها فى مستودع ما لكسب عيشها يحول دون ذلك ،حتي مجىء رجل غريب ، يتصرف بغموض، يهبط عليها فجأة ،حاملاً عرض بالتفرغ للكتابة ، تسمّيه "ساباتو" مؤلف رواية "ملاك الجحيم ،أبدون" الرواية التي تحملها فى حقيبتها دائما ً، فيتفق معها إلا تطرح أسئلة حول هويته الحقيقية ، مقابل تقديم المال والرعاية لها فى فترة تفرغها للكتابة، وتنتهي هذه الرواية باستيلاء ذلك الرجل على روايتها بنشرها باسمه الحقيقي ، ليصبح أسير شهرة ونجومية غير مُستحقة ، بينما تكتفي البطلة بخروج أبطالها للعالم ، دون أن يكون لها ولع بالشهرة أو المال .
 
وفى الرواية الثانية التى تحمل عنوان " حور العين" نقابل ذلك الرجل الغامض يحل ضيفا ً على قرية "حور العين" هربا ً من أسئلة الناشرين والصحافة والمثقفين والناس حول عمله القادم ، فهو يعيش أزمة عميقة لعجزه عن كتابة رواية ثانية بعد ظن أنها ستأتي مع الوقت، كما ضاق ذرعا ًبشهرة لايستحقها ، هناك بتلك القرية النائية ، المنسية يلتقي بديبة أو لويز كما يسميها ، القروية ، التي ظنها بسيطة ، فيقع فى حبها ويتزوجها ويحملها لبيته ببيروت ، حيث يعيش محنة ظهور رواية باسم امرأة غير معروفة ، تدور أحداثها فى قرية حور العين ،لتحقق الرواية نجاح ساحقا ً ، يصيبه بكآبة عميقة بعد ماربط الناس و النقاد بينه وبين العمل الجديد بعد عودته من اقامته بالقرية.

تنتهي الأحداث بشكل مأساوي ، وفى اتجاه غير متوقع ، كما تحمل هذه الرواية ، سرد روائى يتداخل بين حكاية لويز أو ديبة ، وبين فريدا الباشا التي حملت الرواية اسمها ، قبل أن نتعرف على حكاية فريدا وعلاقتها بلويز .

أما خاتمة الرواية فتكون فى "مقهى شهرزاد" وهى الرواية الثالثة التى يتضمنها عمل "الراويات "حيث نتعرف على حكاية جديدة عن الفرنسية آنييس ، ومعها قصة أليس طالبة الدكتوراه ، وعن بحثها فى العلاقة بين الفلسفة والفن ، وعن صداقتها بعليا المخرجة الكندية من أصول مصرية، حيث تقودها تلك الصداقة الافتراضية للقائها بالقاهرة بعد ثورة 25 يناير، لتكوّن معها جمعية فنانات من أجل السلام، قبل أن تغادرا معاً إلى باريس للبحث عن مقهي شهرزاد ، حسب اشارات أبدون التي تلتقيها أليس فى الحسين بالقاهرة فى ظهور غامض .

 وفي مقهى شهرزاد الذي تحول إلى مكان لاجتماع النساء اللائي لديهن حكايات لم تروي بعد أو تكتب بعد ، هناك تلتقي باقي خيوط الراويات فى الحكايات الثلاثة ضمن العمل ، وتكُشف الأسرار ، وتربط خيوط العلاقات بين أليس و فريدا ، و الروائي الغامض،و علاقتهم بمقهي شهرزاد .

***
استخدمت الروائية توليفة من الضمائر من المتكلم ، للغائب ، مايجعل القارىء مجهد فى تتبع الحكايات ، كي يعرف من يتكلم ، وعن أى من الحكايات الثلاث يتبع ، كما عمدت الروائية لخلط اسماء الشخصيات والاماكن ، فأبدون تكون فى جزء أخر من الحكايات هي ميريام التي تصبح مها نفسها، وساباتو هو نفسه إرنستو، وكذلك فرانكو، فى حين ديبة تصبح لويز، بينما حور العين المكان الغير موجود على الخريطة سنعرف أنه يقع فى سوريا بعد وفاة والد فريدا صديقة لويز القروية ابنة قرية حور العين .

لم نتعرف على الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية حتي ظهرت حكاية أليس وزيارتها للقاهرة بعد ثورة 25 يناير ، قبلها كانت الحكايات تجري فلا شخصيات واقعية، ولا مكان ثابت أو معلوم .

تمتعت بلغة الرواية السلسة ، الخالية من الاستعراض اللغوي لدي روائيات كأحلام مستغانمي ، رغم تشابه العوالم التي تطرحها كلا من  مها و أحلام حيث النساء والحكايات والعلاقة بين الرجل والمرأة .
 كما خلت الرواية من الكلمات البذيئة أو الصادمة ، حسب الموضة الرائجة فى الاعمال الروائية لهذه الأيام، حتي فى المشاهد التي تصف العلاقة الجسدية بين شخصيات العمل ، كالعلاقة بين ساباتو  والروائية فى الحكاية الأولي، أو بين فرانكو و ديبة فى الحكاية الثانية ، جاءت اللغة مكثفة ، ناعمة ، تقود القارىء للتعرف على عالم الرغبات لدي بطلات "الراويات "دون ابتذال .

لم استصغ حكاية الفرنسية آنييس ، إذ شعرت بأنها لارابط بينها وبين باقي الحكايات،وحذفها لن يؤثر فى العمل ، فأليس ستبحث عن المقهي وتجده حتى دون تقديمه فى حكاية آنييس ، و كانت حكاية الهندية راما تكفي لاثراء هذا الجزء من الرواية ، فهي تبدو اكثر اتساقا ً مع بطلات الحكاية الأولي والثانية .

بدت الجزئية الخاصة برحلة القاهرة والحديث عن ثورة يناير ،  وحديث أليس عن ثقتها بقدرة المصريين على اسقاط الأخوان بعد أن فعلوها مع مبارك وكأنها اضافة غير ضرورية لاتخدم العمل الروائى ، إذ تظهر وكأنها حشوة زائد ، أضعف الرواية الثالثة ضمن العمل فهى تحشر أحداث معاصرة لم يحن أوان تناولها فى الاعمال الروائية و الابداعية ، فمازالت مصر وباقي دول الثورات العربية تعيش ارتدادات الهزة العنيفة لعام 2011 ،ولم يتبين بعد نتائج وآثار وتفاعلات ماجري بذلك العام.

حاولت مها حسن أن تقدم بطلات حكواتيات عصريات يبرعن فى الحكي والسرد مستلهمة نموذج شهرزاد الحكاءة الأولي فى التاريخ العربي ، التي استطاعت أن تغير من قدرها وتكسر هيمنة الرجل على مصيرها من خلال ألف ليلة وليلة من الحكايات الذكية ، العميقة ، ولكن بطلات مها حسن فى الحكاية الأولى والثانية يظهرن مهزوزات ، لايمتلكن الثقة الكافية بقوة الحكي، فأبدون أو مريام تبدو ضعيفة مستلبة ، عاجزة أمام سطوة رجل غامض يستغلها ، كم أن استسلام ديبة أو لويز لانانية زوجها فرانكو الروائي بالسطوة ،و يناقض ماحاولت الروائية من التأكيد عل سلطة الحكي وقدرة الروايات على تغيير العالم ، وتحطيم السطوة الذكورية .

يبقى عمل الراويات ممتع ، يقدم عالم ساحر ، مكتوب بلغة جميلة ، وسلسة ، و محركة للمخيلة ، ظُلمت"الراويات" بإدخالها لسباق البوكر للرواية العربية ، إذ يحمل اجواء واسلوب متميز للروائية مختلف عن باقي الاعمال المتنافسة.

***
رواية "الراويات"الصادرة عن دار التنوير ، بيروت، دخلت سباق البوكر للرواية العربية العام 2015 ضمن القائمة الطويلة قبل أن تخرج من القائمة القصيرة، كما سبق لروايتها "حبل سري" دخول القائمة الطويلة للبوكر العام 2011.

و مها حسن، روائية سورية مقيمة في فرنسامنذ العام 2004، حصلت فى العام 2005 على جائزة هيلمان- هامت ، التي تنظمها منظمة هيومن رايتس ووتش، كما شاركت في التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود حول حرية الصحافة في سوريا لعام 2004.

 كما صدر لها عدة روايات منها عملها الأول :اللامتناهي: سيرة الآخر،ثم لوحة الغلاف: جدران الخيبة أعلى،و  تراتيل العدم، حبل سري، بنات البراري، طبول الحب ونفق الوجود .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق