الخميس، 9 يوليو، 2015

ذكريات العراقية جمان كبة عن الحياة فى عراق صدام ..



(شاهد عيان..ذكريات الحياة في عراق صدام حسين)، هو عنوان كتاب صدر باللغة الانكليزية فى العام 2003 قبل حرب الخليج الثالثة  التى انتهت بسقوط نظام صدام حسين ، من تأليف العراقية جمان كبة ويقع الكتاب فى 280 صفحة ، ويتألف من ستة فصول حملت العناوين التالية : بغداد...عام 1971، اللغز، اختفاء ابي، ياسمين،بئر عميقة ومظلمة ، و رسالة حب . 

***
فى البداية تحدثنا جمان مكية عن عائلتها المنتمية للطبقة الوسطى بالعراق ، المكونة من الاب الذى يتولي كمهندس صاحب تعليم وخبرة ممتازة منصب مرموق فى واحدة من المؤسسات الحكومية ، وأما الأم فهى معلمة ومديرة مدرسة للبنات ، لهما ثلاث بنات وثلاثة أولاد، العائلة تعيش بهدوء واستقرار ، الأب والأم يمارسان عملها بشغف واخلاص ، لا علاقة لهما بالسياسة وغير منتميين إلى حزب سياسي، تنقلب الحياة دفعة واحدة وبعد مجيء البعث إلى السلطة إلى جحيم لا يطاق ، إذ تروى الكاتبة الكثير من المواقف والحكايات التى حدثت فى المجتمع العراقي بتلك الفترة من بداية السبعينات من  انتشار التجسس بين العراقيين فأصبحت الناس تخشى بعضها البعض ، فجواسيس وعملاء النظام منتشرون في كل مكان ، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة ، ويكتبون التقارير التي تتسبب في اعتقال أو سجن أو قتل الناس .

وتركز الكاتبة على حدث هز المجتمع العراقى فى بدايات السبعينات ، إذ أثار ظهور قاتل عُرف باسم "ابو طبر" الهلع والذعر بين العراقيين بارتكابه جرائم قتل لاسر وعائلات بأكملها بطرق وحشية فى بيوتها ، وسط عجز الأجهزة الأمنية او هكذا كان يظهر لدي الناس العاديين ، تلك الجرائم التى قادت الأب مكي كبة بحكم منصبه فى وزارة الاتصالات لاكتشاف وجود علاقة بين المجرم مرتكب تلك الفضائع وبين مكتب للمخابرات العامة يديره أحمد حسن البكر وصدام حسين حينذاك، ومن ذلك الاكتشاف تبدأ مأساة التجسس وملاحقة الأب فتم زرع البيت بأجهزة التسجيل عبر ياسمين الخادمة المصرية التى تعمل فى بيت اسرة جمان . 

يتم اختلاق تهمة للأب ثم يقبض عليه ويزج به فى مقر المخابرات العامة العراقية لشهور يتعرض خلالها لابشع انواع التعذيب ، قبل ان يصدر عليه حكم بالسجن لمدة عام، تسرد لنا جمان تفاصيل زياراتها برفقة اسرتها لوالدها بالسجن وماتعرضت له من مضايقات من زميلات ومعلمات بالمدرسة بعد انتشار خبر الحكم على الأب ، كما تصف مشاعرها واحاسيسها لتغيير المرعب الذي طرأ على هيئة والدها الذى يخرج من سجنه مكدود الروح ، و متدهور الصحة ، لتبدأ معاناة جديد تمثلت فى فصل الأب من عمله لسنوات قبل حصوله على فرصة ثمينة للعودة للعمل بإدارة جديدة من خلال وسطات أقارب الزوجة ممن انتموا لحزب البعث وأصبح لهم نفوذ وسلطان داخل مؤسسات البلد ، محنة الأب تدفعه للتفكير فى ابعاد ابناه الكبيرين عن البلد ، فيبذل أقصى جهده لارسالهما إلى اوربا كي يحميهما من بطش نظام صدام فى تلك السنوات.

لاتتوقف مأساة أسرة جمان عند سجن الأب ظلما ، إذ يعتقل اصغر الأبناء وهو لايزال طالب بالجامعة ، وذلك فى أثناء حضوره مراسم عاشوراء فى مدينة كربلاء ، إذ تتحول تلك المناسبة إلى فرصة لتواجد اعداد كبيرة من الناس  تدفعهم للتظاهر ضد النظام الذى وضع لائحة طويلة من الممنوعات تضمنت الكتب والموسيقى والافلام والانشطة و الانتماءات لتنظيمات او مجموعات لاتنضوى تحت حزب البعث العراقى ، يتعرض اخ جمان للتعذيب البشع لمدة ثلاث اشهر بمقر الأمن العام ببغداد بعد مايقبض عليه مع اعداد كبيرة من المواطنين العراقيين بكربلاء ، ويتم اطلاق سراحه بمعجزة حسب رأي جمان ،فيقرر الأب اخرج الابن والحاقه باخويه فى اوربا ، وينجح الأب فى ذلك عبر ارسال الأب فى رحلة بالطريق البري إلى الإردن ومنها لاوربا .

بعد هروب الأبن الأصغر تصبح باقى الأسرة عرضة للتهديد والملاحقة والتضييق عليها من قبل رجال الأجهزة الأمنية العراقية التى كانت تضع قيود مشددة على سفر الشباب والاساتذة الجامعيين و الكوادر المؤهلة بالبلد ، فيتخذ الأب مكى كبة قرار جديد أصعب يتضمن اخراج بناته الثلاثة من العراق وابعادهن لاوربا كى يلتحقن باخوانهن حيث يعيشون فى بريطانيا فى تلك الفترة .

 تحكي جمان عن الفترة التى سبقت مغادرتها البلد ، تصف مشاعر الألم والضعف والخوف من المجهول ، ومفارقة والديها ولبيتها ومدرستها و وطنها فى سن صغيرة لاتتجاوز الرابعة عشر .

بعد سنوات طويلة نجح الأب والأم فى اللحاق بالابناء فى سن يصعب معها التكيف مع الغربة وترك الأهل والاحباء و الديار ، تحكى جمان عن السنوات الأخيرة فى حياة والديها، عن محنة المرض والمعاناة بالغربة ، وتشتت الأبناء فى بلدان مختلفة ، عن تفاصيل العلاقة الجميلة التى ربطت الأب والأم بعضهم ببعض .

                                       ***
تقدم الكاتبة للقارىء الغربي تفاصيل للحياة اليومية فى دولة يحكمها نظام قمعى ينتهج الأساليب الدكتاتورية المجنونة المتعطشة لاحكام قبضتها على حياة الناس، من خلال التجسس و ملاحقة المواطنين داخل بيوتها و حتى فى  غرف نومهم، و المضايقة والاعتقال لاتفه الأسباب والتهم لبث الرعب في نفوس المواطنين فلايفكرون فى المطالبة بأبسط الحقوق .

تبرز الكاتبة التحولات فى العلاقات الأسرية و الاجتماعية والانسانية بالمجتمع العراقي،إذ برزت فى بدايات السبعينات روح التضامن والتكافل بين أفراد العائلة الواحدة والأصدقاء مع من يتعرض لارهاب السلطة ، لتحل محلها ظاهرة جديدة تمثلت فى تباعد الناس عن بعضهم البعض بعد تزايد الإرهاب من خطف وتغييب واختفاء وسجن ، وقتل وتعذيب ، إذ جعل حتى أفراد العائلة الواحدة من المقربين يخشون من تعرضهم لاشتباه والملاحقة ، و بذلك ساهم حكم البعث فى تشويه كثير من القيم والمثل التى عاش عليها العراقيين لقرون طويلة .

                                    ***
الكاتبة تحمل الأنظمة العربية والغربية ، ومنظمات حقوق الأنسان والمثقفين العرب والغربيين مسئولية ماحل بشعبها وبوطنها ، و بكل الجرائم التى ارتكبت بحق العراقيين لعقود طويلة دون ان يلتفت احد لماكان يجرى داخل العراق ، بل ترى ان تواطىء العرب والغرب مع نظام صدام جريمة لاتغتفر ، ولاتجد لهم أى سبب او عذر لمواقفهم المساندة والمتواطئة مع نظام صدام .

وتقول المؤلفة على الغلاف الخلفي للكتاب : "  كتبت هذه الذكريات العزيزة والمؤلمة لكي ادون جزءاً، ولو بسيطاً من تاريخنا المؤلم، وفيها ليس فقط ما حصل لاهلي واسرتي وانما احكي عن الظلم الذي عاصرناه كأسرة وكشعب وكأي بشر منذ ان حل علينا ذلك البلاء المسمى حزب البعث..".

كل ماذكرته الكاتبة من مواقف واحداث مرت بها خلال السنوات القليلة التى عاشتها بالعراق قبل ان تغادر نهاية السبعينات ، اعادنى لكل ماعشناه كاليبيين فى ظل نظام القذافى طوال اثنان واربعون عام ، مع فروقات قليلة فى الشعارات ، وتطابق الأساليب والجرائم المرتكبة فى كلا البلدين ، فى نفس الفترة الزمنية .

لم تتطرق الكاتبة لتفاصيل ومعلومات اكثر حول حياتها الشخصية ،كما استخدمت الكاتبة اسماء مستعارة وابقت على هوية الكثير من الشخصيات المذكورة فى الكتاب مبهمة نوعا ما .

كما لم تتناول حياتها وحياة باقى افراد اسرتها بالغربة ، مجرد اشارة لزواج واحدة من الشقيقات وانجابها لولد ، فى سياق حديثها حول الفترة الأخيرة فى حياة والديها عن زواجها ، ربما لكون الكتاب وضع قبل سقوط نظام صدام وخوفا من ملاحقة اقاربها داخل العراق لجئت الى هذه الأسلوب .

هذا حفزنى تاريخ صدور الكتاب قبيل الغزو الامريكي للبحث اكثر حول المؤلفة فوجدت انها من مواليد عام 1965م اكملت دراستها في الولايات المتحدة ونالت الدكتوراه في علم الاحياء ، وهي الان بدرجة استاذ مساعد ، تعيش في جنوب كاليفورنيا ، لديها شقيقة اسمها "أفانين كبة" تقيم بكندا وهى فنانة تشكيلية ، تقيم معارض لاعمالها المستوحاة من مواضيع تراثية عراقية او التاريخ ،وشقيق أخر هو الدكتور ليث كبة الناطق باسم رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري سابقا ً، وهو نفس الأخ الذى روت فى كتابها حكاية اعتقاله فى كربلاء . 

                                          ***
أخيرا أود القول أن الأسلوب السلس و الممتع  للكاتبة فى تصوير مآسى اسرتها وماتعرض له العراقيين فى تلك السنوات الصعبة جعل الكتاب مؤثر خاصة للقارىء الغربي ، وحتى للعربي لمن يمتلك التزام ووعى تجاه الانسانية .

هناك تعليق واحد:

  1. انا وحده من الناس يلي كنت نتمني استمرار النظام الملكي في الدول العربيه,العراق ومصر وليبيا دول كان وضعهن أفضل قبل قدوم اصحاب الشعارات الاشتراكيه والوحدويه والجماهيريه ,ويلي ما زلنا ندفعوا في ثمنها لعند اليوم,سوريا ايضآ دفعت ولا تزال تدفع ثمن شعارات البعث وأكاذيبه,أمتي يجي اليوم يلي تكون فيه عندنا أوطان أمنه وحره ومستقره؟ وتبقي حكاية السيده جمان كبه حكايه من ملايين الحكايا المؤلمه التي عاشتها شعوب هذه الانظمه الفاسده

    ردحذف