الثلاثاء، 15 يوليو، 2014

حياة أميرة عثمانية في المنفى ..

يتناول كتاب "حياة أميرة عثمانية فى المنفى" سيرة حياة الأميرة سلمى خيرى رؤوف حفيدة السلطان مراد الخامس ، فالأميرة سلمى هى أبنة خديجة السلطانة ابنة مراد الخامس الذى تولى حكم السلطنة والخلافة الاسلامية لفترة قصيرة وتمت الاطاحة به على يد السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1876م .

تقوم الكاتبة عبر صفحات الكتاب الكبير البالغ عدد صفحاته 785 صفحة بكتابة سيرة روائية حول حياة والدتها الأميرة سلمى متتبعة الكثير من الاحداث السياسية الكبرى بين اعوام 1918 حتى العام 1942 تاريخ وفاة الأميرة العثمانية وحيدة فى باريس فى ظروف شديدة القسوة .

الكثير من التقييمات والمراجعات حول الكتاب من طرف القراء العرب تمحورت حول اعتبار الكتاب هو عمل أدبى خيالي محض ، والبعض الآخر رفض قبول فكرة وقوع الأميرة المسلمة فى غرام الأمريكي هارى للفروق الثقافية والدينية وجذور الانتماء ، ما حفزني للبحث حول مدى صحة ودقة معلومات الكاتبة حول حياة والدتها الراحلة ، وبرأيي فقد برعت فى خلط التاريخ بالخيال فى بعض الاجزاء فهي لا تعتمد  فى سرد حياة الأميرة العثمانية على مذكرات تركتها والدتها ، بل تعتمد أسلوب التقصى والبحث والاستماع لشهادات اشخاص عرفوا والدتها او جدتها خديجة السلطانة او والدها الراجا الذى عاش مابين (1910-1991) ، وكل من كان له صلة بحياة والدتها وحيث استغرقت عامين من التوثيق وجمع المعلومات ، و أربع سنوات في الكتابة . 
   

قام  حافظ الجمالي بالترجمة عن الفرنسية، وهى ترجمة جيدة رغم وجود اقتطاعات فى السرد فى بعض المواضع ، وأن لم يحول دون الاستمتاع بالسرد المليء بالتفصيل والكثير من الإسهاب حول حياة الأميرة العثمانية فى البلدان الأربعة  ، فقد أحببت المشاهد الوصفية لطقوس الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الدينية والعامة فى اسطنبول عاصمة امبراطورية تلفظ انفاسها الأخيرة ورغم ذلك تنعكس أبهة وعظمة تقاليد قرون طويلة لدولة حكمت مساحات شاسعة من العالم الأسلامى و ادخلت الرعب فى قلوب أعدائها فى الشرق والغرب. 
غلاف الكتاب فى الفرنسية
استوقفني حدث لم يسبق أن أتعمق في التفكير حوله وهو إلغاء الخلافة الإسلامية بعد إلغاء السلطنة ، إذ لم يخطر ببالي أن إلغاء الخلافة شكل صدمة كبيرة لدى غالبية المسلمين في كافة بقاع الأرض ، ولم يتم قبول الأمر بسهولة فى تلك المرحلة ، إذ كانت الخلافة الإسلامية مع السلطنة من الأشياء التى تشد رعايا الامبراطورية العثمانية المتنوعة الاعراق والاديان الى بعضها البعض ، وكانت بمثابة رابطة روحية بديلا عن الرابطة القومية التى لم تبدأ في الظهور في تلك الرقعة الشاسعة للأمبراطورية إلا في مراحل متأخرة أى مع نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى الدور المشبوه الذى لعبته "جمعية تركيا الفتاة " فى تفكيك الإمبراطورية العثمانية ، وهى أحداث تاريخية سبقت لي دراستها بمادة "تاريخ الدولة العثمانية" فى العام الجامعي الثالث بقسم التاريخ ، ولكنها تُناسيت أو غابت من الذاكرة مع مرور الاعوام ، ولم تتسنى الفرصة لإعادة تأمل والتفكير من جديد في تلك المرحلة في ضوء قراءات جديدة ومختلفة . 

أجادت الكاتبة فى تقديم مشاهد وصفية مليئة بالكثيرمن التفاصيل الدقيقة ولم تغفل شىء ،  حتى  كدت في بعض المواضع أن اشم روائح عطور وزهور وأطعمة الهند ، واستنشق الأتربة التى تمتلىء بها طرق القرى والبلدات فى بادالبور ، وينقبض قلبي اكتئابا ً من مشاهد الاحتفال بعاشوراء وذكرى مقتل الحسين بن علي ، واستعيد الكثير من الأرث الصوفي لكبار الشعراء.
لكاتبة كينيزى مراد أمام صور لأفراد أسرة والدها الهندية
 الكتاب هو مزيج بين فن الرواية التاريخية والسيرة الذاتية المستقاة معلوماتها وتفاصيل الشخصيات المقدمة ضمن الكتاب من الكثير من المصادر والمراجع والوثائق و الشهادات الحية او المكتوبة ، فى بعض اجزاء الكتاب كنت اشعر بإن صوت كينيزى يختلط بصوت والدتها الأميرة سلمى فأقرأ مشاعر طفلة مسلمة يتيمة عاشت فى مجتمع غريب عنها وتلقت تربية مسيحية ، ومع اكتشافها لجذورها فى سن الخامسة وعشرين تبدأ رحلة البحث عن والدها وعن أسرة والدتها ، عندما كانت تتحدث سلمى عن مشاعر الغربة والاحساس بالضياع وسط هويات وعوالم متقلبة ومختلفة عن البيئة التى نشأت فيها كطفلة ، كنت ألمس أحساس مؤثر وموجع اجادت الكاتبة التعبير عنه ، لتشاركها هذا الجانب مع شخصية والدتها الراحلة، ولعل أشارة الكاتبة فى اكثر من مكان لمسألة تعطش الأميرة للحب هو انعكاس لمشاعر"كينيزى" كطفلة نشأت محرومة من عاطفة والدها أو افراد اسرتها، وقد استفادت من درستها لعلم الاجتماع والنفس فى استعراض وتحليل الكثير من الشخصيات من الجنسين.
كينيزى مراد مع أقاربها من الأسرة العثمانية
 حاولت عبر الكتابة التعبير عن الكثير من الافكار والمشاعر المضطربة حول انتمائها وهويتها ، بالاضافة لتعطشها للتعرف على والدتها الراحلة ووالدها وتقول حول هذه المسألة:" الكتابة بالنسبة لي عملية بحث عن الجذور التي قادتني إلى الهند، حيث حاولت أن أعيش زمنا آخر. لكنني رحلت عن الهند لأني شعرت بأنني غربية التربية، وعندما أعدت الصلة بتاريخي التركي، وعشت في تركيا، أدركت أن عائق اللغة لا يتيح لي استمرار العيش في تركيا، لذلك عدت إلى فرنسا".
صدر الكتاب فى العام 1987 فى اللغة الفرنسية عندما كانت الكاتبة فى عمر ال47 ، و يُعد كتاب "حياة أميرة عثمانية في المنفى"أو "من طرف الأميرة الميتة" بحسب العبارة التى حملتها ورقة مرسلة من ابن العم الأمير "اورهان" لزوجة السفير السويسرى يعد من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، كما تمت ترجمته إلى أكثر من 30 لغة . 
قصر والدها فى مدينة لوكناوا حيث عاشت والدتها الأميرة سلمى
 درست كينيزي مراد علم النفس وعلم الاجتماع في السوربون ، عملت كصحافية مستقلة منذ عام 1965 حتى عام 1970 ، ثم بدأت تنشر مقالاتها بشكل منتظم فى مجلة نوفيل أوبزرفاتور بداية من العام 1971 التي قضت فيها اثنتي عشرة سنة كاختصاصية في شؤون الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية. حيث غطت أخبار الثورات الإيرانية وأخبار الحرب اللبنانية، وفي العام 1983 تركت الصحافة وكرست نفسها للكتابة، لتصدر كتابها حول حياة والدتها ، ثم يصدر لها كتاب ثانى حدائق بادالبور فى العام 1998 تتناول من خلاله عودتها لبلدها الاصلى وبحثها عن هويتها الضائعة ولقائها بوالدها الراجا،كما أصدرت كتاب "عبق أرضنا أصوات من فلسطين ومن إسرائيل" 2003، حصيلة مقابلاتها مع رجال ونساء وأطفال فلسطينيين وإسرائيليين، يعبرون عن مأساة الاحتلال ، وتمت محاربتها من قبل وسائل الأعلام الواقعة تحت تأثير اللوبى الصهيونى فى الغرب .
 * * *
 تم تقسيم الكتاب الى  إلى أربعة أقسام كل قسم يحمل عنوان يعكس مضمون المرحلة ومكان اقامة الأميرة العثمانية المنفية وكانت الأقسام كالتالى: تركيا، لبنان، الهند، فرنسا .

 - القسم الأول: تركيا
 تبدأ الكاتبة بسرد أحداث تلك المرحلة من حياة الأميرة سلمى من يوم وفاة السلطان " عبد الحميد الثاني " وهو عم والدتها خديجة السلطانة التى تحرص رغم العداء المستحكم فى نفسها ونفوس اشقائها تجاه عبدالحميد الثانى بسبب قيامه بعزل اخيه السلطان مراد الخامس (حيث حكم مدة قصيرة لاتتجاوز الثلاثة أشهر) فأنها تحرص على تقديم واجب العزاء لاسرة عمها ، حيث نتعرف على طقوس العزاء و اعلان الحزن فى المجتمع التركى خاصة لدى الطبقة العليا و الأسرة الحاكمة ، لتنتقل بعدها لوصف حياة خديجة السلطانة التى حُبست مع والدها السلطان مراد الخامس بعد عزله ، ولم تتخلص من سجنها إلا بقبولها الزواج من رجل اختاره عمها السلطان عبدالحميد حيث قدم لها كهدية زواج  قصر "اورطاكوى "المطل على البسفور، ولكنها لم تقدر على الاستمرار فى تلك الزيجة لسوء معاملة زوجها لها ، فتخلصت منه ، ثم تختار زوج جديد هو الدبلوماسى خيري رؤوف والد أبنائها سلمى وخيرى . 
خديجة السلطانة إبنة السلطان مراد الخامس
نتعرف عبر صفحات هذا القسم على مظاهر الاحتفال بعيد الاضحى فى ظل خلافة السلطان "محمد رشاد"، وكيفية الاحتفال بهذه المناسبة الدينية وماهى البروتوكولات المتبعة فى مثل هذه المناسبات ، وعلى الحياة اليومية فى مدينة اسطنبول كعاصمة لامبراطورية تأفل شمسها ، وعن تفاصيل معيشة الأسرة الامبراطورية و مايحيط بها من حاشية كبيرة تتنوع فيها الوظائف والتسميات ، وكذلك نتعرف من خلال السرد المسهب حول المناخ العام فى تركيا و اسطنبول مع نهاية الحرب العالمية الأولى التى حولت تركيا الى بلد يتنازع عليه دول كبرى كفرنسا و بريطانيا وإيطاليا ، وحتى اليونان وروسيا السوفييتية ، فتسرد لنا الكاتبة تفاصيل مطولة حول اوضاع الناس ومعاناتهم مع الفقر و الجوع و انكسار روحهم المعنوية مع عودة جنود السلطان مهزومين . 
 
من خلال عيناى الطفلة الصغيرة البالغة من العمر السبع سنوات تواصل الكاتبة سرد متسلسل مسهب حول الأحداث السياسية الكبرى التى كانت تعصف بالبلد من تحول "مصطفى كمال" لبطل وطنى بعد تكليفه من قبل السلطان "محمد رشاد" قيادة المقاومة فى الأناضول ، ونجاحه فى هزيمة اليونانيين واخراجهم من أزمير ، و دفع القوات الأجنبية لمغادرة الأراضى التركية بعد خوض مفاوضات عسيرة، وفى هذه الأثناء تتناول الكاتبة ماطرأ من تغير فى تصرفات الأرمن والاغريق او اليونانيين المقيمين فى اسطنبول وتركيا كمواطنين منذ عقود طويلة ، وما ارتكبوه من مذابح واساءات بحق مواطنى مدينة أزمير التركية ، ولاتنسى ان تقدم لنا وصف جميل حول المظاهرات الشعبية التى ترأست الخطابة فيها شخصية نسائية تركية شهيرة هى "خالدةأديب "وهى من الشخصيات الأدبية النسائية اللّواتي برزن فى تلك المرحلة ، وماتأثيرها على مخيلة الطفلة الصغيرة سلمى البالغة أنذاك التاسعة من عمرها. 
قصر اورطاكوى حيث قضت الأميرة سلمى طفولتها
 بعدها تنتقل الكاتبة إلى التطورات السريعة التي هزت الأسرة العثمانية من وفاة السلطان "محمد رشاد " واعتلاء السلطان" محمد وحيد الدين "عرش السلطنة التى سعى مصطفى كمال الى الغائها كخطوة اولى للقضاء على وجود منافسين له فى صدارة المشهد العام فى تركيا ، قبل ان يقوم بحملة ارهاب نفسي ضد السلطان"محمد وحيد الدين "لدفعه للهرب ، ثم الصاق تهم السرقة والاختلاس ، وهو الأمر الذي لم يحدث (إذ ثُبت فيما بعد إفتراءات مصطفى كمال على آل عثمان) ليتم فى العام 1924إلغاء الخلافة وخلع أخر خليفة هو (عبد المجيد الثاني) وتُمنح الأسرة الامبراطورية  ثلاثة أيام لمغادرة الأراضي التركية ، فتقرر خديجة السلطانة الانتقال الى مكان قريب هو بيروت حيث تكون قريبة من اسطنبول ظانة أن الأمر لن يطول وسيثور الشعب التركى على قرار الطرد، ويطالب بعودة الأسرة العثمانية ولكن أملها سيخيب و انتظارها سيطول حتى وفاتها أواخر الثلاثينات بالمنفى. 
 
- القسم الثاني :لبنان

تبدأ الكاتبة هذا القسم بمشهد للأميرة سلمى وهى تُعاقب على يد راهبة فرنسية هى احدى معلمات" مدرسة اخوات بيزانسون " أحد أرقى المدراس اللبنانية لرفضها وصف أجدادها السلاطين بصفات كالجبن والجنون و الدموية فى درس لمادة التاريخ، ومن خلال هذا المشهد سنتعرف على المحيط الذى درست فيه الأميرة المراهقة فى بيروت خلال منتصف عقد العشرينات حيث توصف بيروت كباريس الشرق بعد وقوعها تحت الاحتلال الفرنسي .

ترتبط الأميرة سلمى بعلاقة صداقة قوية مع "أمل"وهى فتاة يتيمة تنتمى لدروز جبل لبنان ومن خلال هذه الصداقة ستدخل سلمى الى قلب المجتمع البيروتى المتحول بسرعة من مجتمع بسيط ريفى الى مجتمع يأخذ بأساليب المجتمعات الأوربية ، وكما سنقرأ خلال صفحات هذا القسم تفاصيل الحياة اليومية ووصف الاماكن والشخصيات السياسية و العامة فى المجتمع اللبناني والبيروتى ، كما سندخل الى الحفلات و لبيوت الأسر الكبيرة وسنتعرف على أسماء و تواريخ الكثير من الشخصيات النسائية والرجالية التى ستصبح ضمن تاريخ هذه المدينة الجميلة كتعرف سلمى على مؤسس وزعيم الحزب القومي السوري أنطون سعادة .
مدينة بيروت خلال عقد العشرينات
 فى بيروت ستعيش سلمى وأخاها خيري مع والدتهم "خديجة السلطانة" بدون الأب الذى يقرر الانفصال عن الأم لفتور العلاقة بينهما، ويغادر للعمل كدبلوماسي فى الخارجية التركية ، مما يترك آسى عميق فى نفس الابنة سلمى ، وستعانى الأسرة الصغيرة ظروف مادية صعبة ، نظرا لمصادرة املاك وأموال الأسرة العثمانية ، فتروى لنا الكاتبة الحيل الصغيرة والأساليب التى اتبعتها الأم لتبقى أبنائها فى مظهر جيد بمساعدة خصيها وخدمها الأمين "زينيل" ، وفى المنفى تتقوى العلاقات العائلية  وتتناسى الخلافات القديمة حيث يتحول "أورهان" حفيد السلطان "عبد الحميد الثاني" لصديق وداعم كبير لسلمى ووالدتها السلطانة .
 
وتعيش الأميرة الشابة سلمى تجارب جديدة ومختلفة تتعرف من خلالها على الوجه الحقيقى للحياة بعيدا عن القصور السلطانية و حياة الحريم المترفة المحمية، ستتلقى رسالة من والدها يدعوها للمجىء و الاقامة معه فى بغداد حيث يعمل كقنصل فى السفارة التركية ، قبل ان يغادرها الى امريكا اللاتينية حيث تختفى أثاره وتنقطع اخباره عن ابنته ، كما تعيش تجربة عاطفية قاسية من خلال تعلقها ب"وحيد" وهو احد ابناء عموم صديقتها "أمل الدرزية" ولكنه سيتركها ويخذلها عندما يكتشف بأنها فقيرة لاتملك المال ، ليتزوج من وارثة أمريكية شديدة الثراء . 
الأميرة سلمى مع إحدى صديقاتها فى بيروت
كما تتناول الكاتبة حكاية العرض المغرى من هوليود للتمثيل ضمن عقد احتكارى مدته خمس اعوام تفرح سلمى ولكنها تلاقى مقاومة كبيرة من الأم التى تدرك بأن العرض ماهو إلا محاولة لاستغلال اسم ووضع سلمى كأميرة عثمانية ، بالاضافة لنظرة الأم خديجة لمهنة التمثيل بأنها مهنة العاهرات ولاتناسب المسلمات ، ولاتجد وسيلة لمنع الابنة العنيدة إلا من خلال ابلاغها عن عرض زواج من ملك ألبانيا (أحمد زوغو) تم من خلال تبادل مرسلات متعارف عليها ضمن الأسر الملكية آنذاك ، و لكن مصطفى كمال اتاتورك يهدد بقطع العلاقات مع ألبانيا إذ تم الزواج والمصاهرة مع الأسرة العثمانية ممايفشل المشروع ، الذى لايثبط من عزم "خديجة السلطانة" للبحث عن عريس جديد مناسب لابنتها الأميرة من خلال مراسلة زعيم هندى هو صاحب السعادة مولانا "شوكت علي" مؤسس الحركة الهندية لدعم الخلافة ، والذى سبق ولعب دور مهم فى ترتيب زيجات بين أميرات عثمانيات وأمراء هنود مسلمين ، حيث ينجح فى إيجاد عريس مناسب للأميرة سلمى وهو حاكم دولة بادالبور الواقعة بالقرب من الحدود النيبالية ، ويدعى (امير) فى الثلاثين من عمره ومن أسرة من شيعة الهند ، كانوا أجداده من الفاتحين العرب فى القرن الحادي عشر ، وقد تلقى الراجا الهندي تعليمه فى انجلترا حيث درس فى إيتون ثم كمبردج وقضى سنوات طويلة من عمره هناك ، ويحمل فكر عصري ، وقد شاهد صورة الأميرة سلمى فأعُجب بها وقرر ان يتقدم لها بشكل رسمي من خلال الوسيط مولانا" شوكت علي "، وتقبل سلمى الزواج دون ان تلتقي بالراجا الشاب ، حيث تنتقل عام 1937 الى الهند للاتمام اجراءت الزواج وفقا للتقاليد العريقة لأسر الحاكمة فى الهند.
 - القسم الثالث :الهند


نتعرف فى هذا القسم من الكتاب على أجواء الهند في أواخر الثلاثينات وعلاقة الراجات والنواب مع المحتلين البريطانيين وعلاقة حزب المؤتمر الداعى للعلمانية شكلا والمتعصب ضمنا للهندوس ضد المسلمين ، كما نتعرف على العادات والتقاليد للمجتمع الهندي بمختلف طوائفه وأثنياته وأعراقه ، فى مشاهد متنوعة مليئة بالكثير من التفاصيل حول العمارة وفن البناء والافراح و المآتم و طقوس الحداد الهندوسية الشهيرة ، والمذابح والمجازر بين الهندوس والمسلمين والاقتتال الدموى بين الطرفين واشتعال المعارك بينهما لأتفه الأسباب ، وعن النظرة العنصرية لدى الانجليز لرعاياهم الهنود حتى ممن ينتسبون للطبقة العليا كراجا بادالبور ، إذ يُمنع من دخول بعض الاماكن العامة لحصر العضوية وارتيادها على الانجليز فقط ، كما تقدم لنا الكاتبة صراع القيم فى المجتمع الهندي بين الاحتفاظ بالكثير من العادات والافكار البالية ، وبين التحول لحياة حديثة بما تتضمن من تغيير كثير من الافكار القديمة واعتناق أفكار اكثر حداثة كأتاحة المجال لفتح مدارس لتعليم الفتيات فى القرى والمدن الهندية  .
راجا بادالبور يوم زفافه على الأميرة سلمى عام  1937
 وسط كل هذه المشاهد المتنوعة لاتغفل الكاتبة عن تناول حياة الأميرة سلمى الغريبة عن هذا المجتمع البعيد كل البعد عن المجتمعات التى سبق لها العيش فيها ، فهى تعجز عن استيعاب الكثير من العادات والتقاليد الهندية ، وتجد نفسها وسط صراع مع الأخت الكبرى لأمير (وهى بمثابة الأم لراجا إذ قامت بتربيته بعد وفاة والداه فى سن صغيرة)  ومع فقدانها للاستقرار العاطفي والنفسى فى علاقتها بالراجا الهندى المنغمس فى التزاماته السياسية والصراعات الطائفية والمؤامرات الاستعمارية بالإضافة لكراهية "الرانى عزيزة" الأخت الكبرى للراجا الأميرة سلمى، تجد نفسها وسط غربة جديدة ، مع فقدانها للصداقات والقدرة على الانطلاق والحركة ، فهى مقيدة بالكثير من الترتيبات والبروتوكولات كزوجة لراجا الحاكم فلاتجد سلوى إلا فى صداقتها "لزهراء "الشقيقة الصغرى للراجا ، إلا ان الطبيعة النزقة والصعبة للأميرة المتمردة تدفعها لارتكاب الأخطاء التى تحرج الراجا إمام الحاشية والمجتمع المحلى لدولته بادالبور ممايدفعه لمعاقبتها أكثر من مرة بالحبس فى غرفتها وتقييد حركتها ، ولكنها تحاول كل مرة ان تتقرب من زوجها و التعرف على شخصيته و طريقته فى التفكير ونظرته لكثير من القضايا فتمتلئ صفحات كثيرة من الكتاب بتفاصيل لأفكار الراجا الحائر تجاه الأسلوب الأنجع والأمثل لمواجهة مشاكل التخلف والجهل والتقاليد البالية و الاستعمار الانجليزي، فقد تلقى تعليم غربي لايجدى نفعا إمام العادات والافكار العتيقة للمجتمع الهندي .
من اليمين :الراجا فى سن متقدمة،من اليسار :الراجا فى سنوات الشباب مع سيارته الشهيرة
 وتحمل أخيرا سلمى بعد عامين من الزواج وتعرف بأمر حملها فى لحظة معرفتها بخبر وفاة والدتها "السلطانة خديجة" فى بيروت عام 1939م ، ومع تلبد الاجواء العامة فى الهند وتحول الاوضاع الى الصادمات العنيفة المتسعة فى كافة أرجاء الهند، تلح سلمى فى المغادرة الى باريس بضع اشهر لتغير الاجواء و للولادة فى مستشفى فرنسي كي تضمن لوليدها ظروف ورعاية صحية افضل ، بعد ألحاح متواصل يقبل الراجا ان تسافر سلمى لباريس برفقة" زينيل "خادمها الأمين ، على أن يلحق بها زوجها بعد فترة قصيرة .

- القسم الرابع :فرنسا

في فرنسا ستدخل الأميرة سلمى  المجتمع الرفيع لباريس من خلال زميلة الدراسة القديمة فى بيروت الفرنسية " ماري لور" حيث تحضر معها كل الحفلات الكبيرة والمهمة وتلتقي بالكثير من الشخصيات السياسية والفنية من نجوم تلك المرحلة، وفي إحدى الحفلات تتعرف على الأمريكي" هاري كرمان" الطبيب الجراح الشهير بمستشفيات نيويورك ، وذلك أثناء اقامته بباريس حيث تقع سلمى بحبه ، وتقرر ترك زوجها الراجا بشكل نهائي بعد أن فشلت فى أن تنسج علاقة زواج وحب دافئة ومستقرة ، تقضى سلمى مع هارى قرابة الشهر قبيل مغادرته الى المكسيك لحضور مناسبة طبية ، واعدا ً اياها بأن يعود بعد ان يسوى وضعه مع زوجته الأمريكية إذ عزم على تطليقها والزواج من سلمى التى تتريث فى اخباره عن أمر حملها.
الصورة الموضوعة على شاهد قبر الأميرة سلمى
  فى أثناء انتظار عودة هارى تضع سلمى مولودتها (أى الكاتبة )  ومع تأزم الاوضاع الدولية عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية وعدم قدرة "الراجا أمير" على اللحاق بزوجته لباريس او الاتصال بها بسهولة ، ومع تغير عواطفها ، تقرر سلمى أن ترسل برقية تبلغ فيها الراجا بوضعها لطفلة ميتة ، وتفعل ذلك كحماية لطفلتها من العودة للهند حيث ستعيش الحياة القاسية للنساء هناك ، ومع انقطاع الاتصال مع زوجها الراجا ومغادرة حبيبها هارى ، تقل مواردها المالية  فتضطر لبيع مجوهراتها ثم ثيابها واغراضها الثمينة .
قبرالأميرة سلمى حفيدة السلطان مراد(1916-1942) بالمقبرة الفرنسية
  ومع تدهور الأوضاع فى فرنسا أثناء الاحتلال الألماني لباريس التى تغادرها لاقامة فى احد البلدات البعيدة عن مطاردة وملاحقة الألمان للأجانب تقع فريسة للمرض نتيجة للجوع والضعف الذى أصابها فى الشهور الأخيرة، فتجُرى لها جراحة تنتهى بوفاتها بالمستشفى فيقوم زينيل خادمها الوفى بدفنها فى المقبرة الإسلامية وعلى طريقة المسلمين ، وتقوده الظروف لتسليم الطفلة التى لاتكاد تبلغ العامين الى السفارة السويسرية حيث تتولى زوجة السفير العناية بها ، ويقوم زينيل بأخبارها حكاية الطفلة الصغيرة ويرسل رسالة لوالدها الراجا يخبره فيه حقيقة أن طفلته لاتزال على قيد الحياة ، التى تكبر لتصبح الكاتبة والصحفية "كينيزى مراد" التى توجه الحديث مباشرة إلى القارىء فى آخر الكتاب بأنها قررت ان تكتب حياة والدتها التى لم تتعرف عليها ، كوفاء لذكرى المرأة التى أتت بها لهذا العالم ، وكبحث عن هويتها وعن جذورها .

هناك 3 تعليقات:

  1. تدوينة رائعة لا أنكر أن أخر سطرين آلمت قلبي ، كان الأسلوب سلسل والتفصيل في كل فصل ممتاز مابين اوضاع البلاد عامه ووضع الأميرة بشكل خاص ،اعتقد أن كتاب كهذا وبعيداً على انه سيرة ذاتيه إلا أنه يوثق التغيرات التي حصلت بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة ولعلك سترجعين للبحث حول اصداء وتأثيرات سقوط الخلافة على المجتمع الأسلامي

    ردحذف
  2. مدونة رائعة..
    فقط اسجل إعجابي بالمدونة

    ردحذف
  3. تدوينة دقيقة و رائعة. قرأت الرواية عند صدورها باللغة الفرنسبة. هناك تكملة لها و هى حدائق بادالبور.
    Les jardins de Badalpour.
    اشتقت إلى كتاباتك فمررت على مدونتك.
    هالة

    ردحذف