
تعرض
احدى قنوات الاطفال مسلسل كرتون لطيف جداً يتمتع ابطاله بقدر كبير من الجاذبية
بالنسبة لى لأنهم اسفنجة بحر ونجمة بحرية واخطبوط ، انه مسلسل سبونج بوب ، و تدور احداثه
فى اعماق البحر ، حلقة اليوم كانت عن سبونج بوب وجدته ، اكثر ما اعجبنى فى الحلقة
مقطع يقول فيه سبونج بوب "أنه لا يريد ان يكبر لكى تظل جدته تحبه ، وتحضر له
الحلوى وتقبله وتحكى له الحكايات " احسست اننا كلنا نشبه هذه الاسفنجة
البحرية الطريفة ، ربما لأن جدتى لامى كانت من الشخصيات الهامة بالنسبة لى خلال
طفولتى .
كانت سمراء البشرة او بعبارة ادق بلون الحنطة ذات تقاطيع وجه بارزة
والمميز فيها هما عيناها ذات النظرة الحادة كعينا نسر، لها قامة طويلة نسبيا وجسم
متناسق واكثر ما انطبع فى ذاكرتى الطفولية غير عيناها، يداها بانامل نحيلة وطويلة
، كانت عندما لا تعمل بهما تشبكهما ببعضهما البعض بحزم -انتمت الى عائلة من قبائل
مصراته القاطنة بحى المغاربمدينة درنة - فقيرة او حتى معدمة كانت اسرتها، وهكذا
كان حال معظم العائلات الليبية بين الحربين العالميتين - تمتعت بشخصية قوية, كنت
اشعر بان معظم الرجال الذ ين يعرفونها سواء الاقارب او المعا رف يهابونها ،كانت فى
نظرى تشبه احد الامازونات.
كانت
فى غاية الصرامة فى كل ما يتعلق بالاخلاق تزوجت فى سن صغيرة من جدى بعدمرورها
بتجربة زواج قصيرة لم تدم سوى بضعة اشهر، فى حين جدى قد مر باكثر من تجربة زواج من
اجل الحصول على ولد ذكر يخلد ذكره ،واصبحت زوجة وفية لجدى حتى بعد ترملها فى سن
ال35 من عمرها ،لم الحظ يوما من حديث ماما عن حياتها مع جدى انها تقاعست فى اى وقت
من الاوقات عن ان تؤدى ما كانت تعتبره ,بحكم مقاييسها الصارمة واجبات عليها
ازاءه على الرغم من لين جدى حتى لو كان هذا الواجب يعنى ان تقبل زوجة جديدة . انجبت
جدتى ست بنات تخرجن من الجامعة ، ووولد واحد هو من خلد ذكر جدى الا ان اصابته بمرض
مزمن ولم يتجاوز ال13من عمره اثر على حياته بعد ان وصل الى سن متقدمة.، رغم
فجيعتها فى اثنين من بناتها فتوفيت اصغر بناتها نتيجة لخطأ طبى ، وكانت على وشك التخرج
مهندسة معمارية من الجامعة ، ولم يكد يمر حوالى ال8 سنوات و روحها تهدأ من هذا
الفراق حتى فوجئت برحيل خالتى ، كبرى بناتها وهى لم تتجاوز الخمسين من عمرها ، رغم
ذلك لم تعكس اى حزن على حياة اسرتها ، بل ازدادت ايمانا ً وتقربنا لله .
لم
تتلقى جدتى اى نوع من التعليم فهى من جيل قاسى شظف الحياة فى بلادنا التى مرت
عليها حروب عالمية اكلت الاخضر واليابس ، ولكنها سعت للتعلم الذاتى فقد اصبح
استماعها للراديو خاصة الشرق الاوسط المصرية فرصة من اجل توسيع آفقها والخروج من
الدائرة الضيقة التى كانت تُضرب حول نساء تلك الفترة .
كانت
مترفعة عن الامور الدنيوية ،كما كانت تحتقر اولئك الذين يقدرون ماتمنحه الحياة من
جاه وشرف ،وتتمتع ببصيرة ثاقبة ومقدرة مدهشة على قراءة وجوه وتصرفات الاشخاص لما
بلغت العاشرة من عمرى بدات اضيق بصرامتها ، وتزمتها الأخلاقى ، ولكن حبها العميق
لى وانا طفلة واهتمامها الكبير بكل ما فى صالحى ، جعلانى احبها والان عندما استرجع
الذكريات وقد تقدم بى العمر، يزداد ادراكى لاهمية الدور الذى لعبته فى تشكيل نظرتى
الى الحياة ، ولقد اعجبت بشجاعتها واهتمامها بالقضايا العامة ، وعدم اكتراثها برأى
الاغلبية ،فقد امتلكت الشجاعة الكافية لكى تمنح بناتها فرصة مواصلة مشوار تعليمهن حتى
المرحلة الجامعية وما بعد الجامعة ،سامحة لهن بالسفر الى بنغازى ، ثم الى خارج
ليبيا ، كما شجعتهن على المشاركة فى الحياة العامة فى فترات لاحقة ، وكان لهذه
الصفات اثرها على نفسى باعتبارها تستحق التقليد. ما جعلنى فيما بعد لا اخشى
الانتماء الى اقليات ضئيلة العدد.
مع
جدتى تعلمت أشياء كثيرة منها الانصات للموسيقى القديمة فكانت دائما مابعد صلاة
العشاء تستمع لاحدى الاغنيات القديمة لام كلثوم ، وعبد المطلب ، وأحيانا أصوات
قديمة جدااا عندما كبرت عرفت عنهم أكثر ، وهى من غرست فىَ الصبرعلى الاستماع
للراديو لساعات طويلة ، مما جعلنى فى فترات لاحقا ادمن على متابعات برامج كثيرة
على الراديو وافضله على التلفزيون ، كما علمتنى اشغال الابرة ، منحتنى فرصة
لمطالعة كتب جدى القديمة ، كما كانت تصحبنى لشاطىء البحر فى أثناء زياراتنا لبيتها
، لا انسى انى تلقيت منها هدية جميلة جداا فى سن ال10 كانت مجموعة من الاسماك
البلاستيكية ودلو ماء وشبكة صيد وصنارة صغيرة على شكل لعبة ، احببت هدية تلك وظلت
معى لفترات لاحقة احتفظ بها ، حتى ضاعت فى احدى تنقلاتنا ، يومها اخذتنى لشاطىء
البحر القريب من بيتها لاجل اللعب بهديتى تلك.
بعد سن الخمسين تحولت حياتها بالتدريج عبر سنين طويلة لغاية التقشف ،طعامها فى منتهى البساطة ، والى ان جاوزت الخامسة والستين لم تتوقف عن تادية جزء من الاعمال المنزلية .
كنت احب صحبتها فى مشوار السوق القديم "سوق الظلام " حيث تشترى ازهار الليمون والورد الجورى لتخزينها فى آوانى زجاجية من اجل شاهى العصارى الذى تعده فى ايام الشتاء بمتعة كبيرة.
مازالت فى سنى هذه اتلقى هدايها بفرحة كبيرة ، فهى لا تنسى نوع الحلوى التى افضلها ، ولم تتوقف عن ارسال النقود حتى بعد ان كبرت واصبح لى دخل مستقل ، ولا ان تبعث برداء من ارديتها القديمة لاستعمالها كغطاء فى فصل الصيف -احب استنشاق رائحتها فى حرامها الازرق - عندما اكون فى طرابلس ارتاد الاسواق القديمة باحثة عن رداء من الحرير الطبيعى ومعه محارمه ، وعن مناديل من القماش ذات تطرزات او ورود ونقوش صغيرة لكى احمله معى كهدية لجديدة فى اول زيارة لها ، او الخروج للبحث عن حلوى الملبس التى تحبها ، او اقتناء زجاجة عطر من الياسمين الاصلى .
خلال السنوات العشرة الاخيرة داومت على زيارتها بشكل دورى ،وعندما كنت خارج الوطن خلال شهر فبراير الفائت تدهورت صحة جدتى بشكل كبير استدعت نقلها لبنغازى من اجل ادخالها لاحدى المصحات الخاصة فعرفت بالامرفى احدى اتصالاتى بالبيت ، انهارت اعصابى وخفت ان افقدها وانا بعيدة ولا تتاح لى فرصة رؤيتها وتقبيلها ، كنت سعيدة لرؤيتها تتعافى يوما بعد يوم ، والآن ادرك ماشعور السيدة كريمة ، فجداتنا لسن يمثلن فقط الحنان والمحبة الكبيرة الفياضة ، انما يمثلن قيم جيل باختفاءه ستندثر عادات جميلة ، وتقاليد عتيدة ، واسلوب حياة ملىء بالبساطة والروحانية ، عندما قلت جدتى آخر الامازونات قصدت انها وجداتنا انحدرن من نسل النساء المحاربات اللآئى عشن فى بلادنا ، ولعبن دورا هاما ً وحيويا ً فى حياة ابناءهن ، وتميزن بالصرامة الاخلاقية والشجاعة ، وبكثير من الفضائل الاخرى .
بعد سن الخمسين تحولت حياتها بالتدريج عبر سنين طويلة لغاية التقشف ،طعامها فى منتهى البساطة ، والى ان جاوزت الخامسة والستين لم تتوقف عن تادية جزء من الاعمال المنزلية .
كنت احب صحبتها فى مشوار السوق القديم "سوق الظلام " حيث تشترى ازهار الليمون والورد الجورى لتخزينها فى آوانى زجاجية من اجل شاهى العصارى الذى تعده فى ايام الشتاء بمتعة كبيرة.
مازالت فى سنى هذه اتلقى هدايها بفرحة كبيرة ، فهى لا تنسى نوع الحلوى التى افضلها ، ولم تتوقف عن ارسال النقود حتى بعد ان كبرت واصبح لى دخل مستقل ، ولا ان تبعث برداء من ارديتها القديمة لاستعمالها كغطاء فى فصل الصيف -احب استنشاق رائحتها فى حرامها الازرق - عندما اكون فى طرابلس ارتاد الاسواق القديمة باحثة عن رداء من الحرير الطبيعى ومعه محارمه ، وعن مناديل من القماش ذات تطرزات او ورود ونقوش صغيرة لكى احمله معى كهدية لجديدة فى اول زيارة لها ، او الخروج للبحث عن حلوى الملبس التى تحبها ، او اقتناء زجاجة عطر من الياسمين الاصلى .
خلال السنوات العشرة الاخيرة داومت على زيارتها بشكل دورى ،وعندما كنت خارج الوطن خلال شهر فبراير الفائت تدهورت صحة جدتى بشكل كبير استدعت نقلها لبنغازى من اجل ادخالها لاحدى المصحات الخاصة فعرفت بالامرفى احدى اتصالاتى بالبيت ، انهارت اعصابى وخفت ان افقدها وانا بعيدة ولا تتاح لى فرصة رؤيتها وتقبيلها ، كنت سعيدة لرؤيتها تتعافى يوما بعد يوم ، والآن ادرك ماشعور السيدة كريمة ، فجداتنا لسن يمثلن فقط الحنان والمحبة الكبيرة الفياضة ، انما يمثلن قيم جيل باختفاءه ستندثر عادات جميلة ، وتقاليد عتيدة ، واسلوب حياة ملىء بالبساطة والروحانية ، عندما قلت جدتى آخر الامازونات قصدت انها وجداتنا انحدرن من نسل النساء المحاربات اللآئى عشن فى بلادنا ، ولعبن دورا هاما ً وحيويا ً فى حياة ابناءهن ، وتميزن بالصرامة الاخلاقية والشجاعة ، وبكثير من الفضائل الاخرى .
*هذه ليست صورة شخصية لجدتى لأن ماما لم تحب النشر ، تم استخدامها
فى مطبوعات سياحية دعائية عن بلادنا فى اوربا .