الاثنين، 9 يونيو، 2014

مذكرات زوجة دوستويفسكي ..

يحوى هذا الكتيب على شذرات من سيرة حياة الآديب الروسى الشهير (فيدور دوستويفسكى ) على لسان زوجته (آنا غريغوريفنا) حيث تقدم صورة شخصية للاديب صاحب الانتاج الكبير والمؤثر فى تاريخ الآداب العالمية ، فتشير لنشأتها فى اسرة تهتم بتعليم البنات كى يكسبن معيشتهن بكدحهن ، وعن حرص والدها الموظف فى البلاط القيصرى على ان ينال أبنائه تثقيف يناسبهم ، وتحدثنا آنا عن السبب الذى دفعها لكتابة هذه المذكرات إذ تقول بأن اعتزالها للحياة الاجتماعية وانزوائها بعيدا عن العاصمة بطرسبورغ جعلها تعيش في وحدة مطبقة ، وكان لابد لها من ملىء وقت فراغها بأى شىء مفيد ، فقامت بإعادة قراءة يوميات زوجها و ويومياتها حيث وجدت تفاصيل هامة تستحق أن يطلع عليها الناس فأمضت خمس اعوام فى إعداد المذكرات .

تروى لنا لقائها الاول مع ديستويفسكى بعد قرأتها لاعلان منشور من قبل الاديب يعلن فيه حاجته للاستعانة بخدمات سكرتيرة تجيد الاختزال ، فتقول آنا عن ذلك اللقاء الاول :" تصورته شيخا بعمر والدي، عبوسا كئيبا كما يتصوره الكثيرون، وجئت الى الموعد المحدد. كان يقيم في شقة متواضعة بعمارة ضخمة يسكنها تجار وباعة وحرفيون. وذكرتني في الحال بالعمارة التي يقيم فيها راسكولنكوف بطل "الجريمة والعقاب". مكتبه واسع بنافذتين مضيئتين أيام الصحو، لكن جوه فيما عدا ذلك حالك ساكن يثقل على النفس. وعندما رأيته لأول مرة خيل الي أنه عجوز بالفعل، ولكن ما إن تحدث معي حتى تضاءلت سنه وبدا لي في الخامسة والثلاثين ".

تحكى آنا عن بداية الاستلطاف بينها وبين الكاتب رغم الفارق الكبير فى السن ، وعن طباعه الاجتماعية إذ كان جذاباً فى الفترات التى يكون فيها مرتاح ، يسحر من يقترب منه حتى خصومه ، كما لاحظت هذا في ما بعد عندما تزوجته ورافقته فى جولاتهم والامسيات الادبية التى شاركها ديستويفسكى فيها ، كما تحكى لنا عن الطريقة اللطيفة التى استعملها لاخبارها عن رغبته فى الارتباط بها ، إذ حدثها عن مخطط رواية جديدة سيقوم بكتابتها حول فتاة ستقع فى حب رجل عليل سيتقدم خاطبا لها ، وباغتها بسؤال " ما رأيك؟ هل تستطيع فتاة شابة أن تحب فنانا عجوزا مريضا مثقلا بالديون؟.. لنفترض أن الفنان هو أنا، البطلة أنت، فما ر أيك؟" ..فقبلت آنا الارتباط به ، رغم ظروفه المادية الصعبة ، ومسؤلياته تجاه ابنه بالتبنى ، و ابناء اخيه ميخائيل ، وبالاضافة لمرضه بالصرع الذى ترك بآثار نفسية عميقة على روحه ، وانعكست على الكثير من اعماله فنجد وصف لهذا المرض فى رواية الاخوة كرامازوف آخر اعماله الأدبية.

كما تعرض آنا لنا عالمه الأدبي ومعاناته مع الدائنين ، خصوصاً أصحاب دور النشر والمجلات التي كان ينشر فيها فصول رواياته ، ومعاناته مع أقاربه خاصة ابنه بالتبنى بافل ومايقومون به من ابتزازللحصول على المال الى درجة دفعه لرهن معطفه لتوفير المال لهم .

وتقدم لنا الاسماء الأدبية الاوربية و الروسية التى تأثر بهم زوجها كبلزاك و جورج صاند وآراءه فى الاخرين من ادباء روسيا الكبار ، وتروى مدى لهفة زوجها لمقابلة الاديب الروسى الشهير تولستوى وعن تفويت الفرصة عليه بسبب سوء فهم من قبل مرافق تولستوى لرغب الاخير فى العزلة فى أثناء حضوره مناسبة ثقافية فى موسكو ماجعل ديستويفسكى يتحسر لضياع الفرصة الثمينة عليه .

بالاضافة لحديثها عن تأرجح ظروفهما بالاقتراب من الإفلاس إلى التمتع بقدر من اليسر الذى يتيح لهما التمتع بمستوى حياة جيدة ، ومايتخلل تلك المذكرات من حوادث ولادة ووفيات أطفاله ، وعن مأساة القمار فى حياة ديستوفيسكى وادمانه عليه ، وعن الحيلة التى اتبعتها معه آنا لمساعدته فى الشفاء من هذا المرض اللعين ، كما تعرج على تناول المواقف والاحداث والشخصيات التى ستتحول الى محور لروايات الأديب ، وسيكونون ضمن الشخصيات المرسومة فى اعماله الادبية كالأخوة كرامازوف ، والأبله ، والشياطين ، والجريمة والعقاب ، ففى جنيف ولدت ابنتهم البكر صوفيا في 22 مايو عام 1868. ولشد ما عانت آنا من عسر الوضع، ولشد ما تألم دوستويفسكى وصلى وبكى خائفا عليها من الموت، سيقوم فيدور فيما بعد فى وصف مشهد الولادة في رواية "الشياطين" .

وتستعرض لنا آنا الكثير من آراء ديستويفسكى فى الدين والقومية الروسية ، وعن مدى تقدير الاديب لدور القيصر نقولا الاول الذى اصدر عفو عن حياته واعاده من منفاه فى سيبريا بعد اربع سنوات ، وتسرد تفاصيل تحركات زوجها فيدور وهى وماكانا يتعرضان له من رقابة شديدة من قبل السلطات القيصرية على خلفية ماضى فيدور ومشاركته فى محاولة لاطاحة بالحكم القيصرى ، وماكانا يلاقيانه من مشاكل وصعوبات عند استخراج جوازات سفر لانتقال للخارج ، وعن رحلاتهم فى اوربا لمدة اربع سنوات ، كما تعرض لنا اسماء من التقاهم ديستويفسكى من ادباء وفنانيين روس واوربيين فى تلك الرحلات ، وعن تأثير بعض الاماكن والمدن على نفسية وروح الاديب الروسى ، وتقدم لنا وصف لمدى عمق تأثره بلوحة الرسام السويسرى هانز هولبين "يسوع ميتا " التي تركت في نفسه شعورا بالإنسحاق الفظيع انعكس في رواية " الأبله" ، وعن أهم الفنانيين العالميين ممن نالوا اعجابه باعمالهم الفنية .

كان تنسيق الكتيب الإلكتروني بصفحاته ال 51 فى منتهى السوء ،فهناك أخطاء فى ترتيب الهوامش والنصوص تتداخل مع بعضها البعض ، رغم الترجمة الجيدة للمادة الموضوعة بالكتيب الالكترونى على يدى الكاتب والمترجم العراقى خيرى الضامن المقيم فى موسكو ، ممادفعنى للبحث عن اصل المذكرات للحصول على معلومات اوفر حوله ، فوجدت أن الكتيب هو عبارة عن ترجمة مطولة ، منتقاة من الكتاب الاصلى البالغ عدد صفحاته مايقارب ال 516 والمأخوذ عن (المخطوطة في 792 صفحة من القطع الكبير) قام المترجم بنشر المادة المترجمة فى مجلة نزوى العمانية التى تصدر فى سلطنة عمان ، كما تشير لذلك صاحبة المذكرات آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا فهى تشير فى بداية الكتاب فى الروسية إلى سعيها أن تكون هذه المذكرات محاولة تلتزم الصدق والأمانة فى الحديث حول شخصية الأديب الروسى المثير للجدل ، إذ تقول : " أنا لا أتعهد للقاريء أن يجد متعة في مذكراتي، لكني أؤكد على صدقيتها ووثائقيتها. وأعترف صراحة بأنها تعاني من هنات أدبية كثيرة، كالإسهاب وحوشي الكلام وعدم تناسق الفصول، وعذري، في صعوبة ما أقامت عليه، وأنا في السبعين، تحدوني رغبة صادقة في تزويد القراء بصورة واقعية عن فيودور مخيائيلوفيتش دوستويفسكي، ما له وما عليه، كما كان في حياته العائلية والشخصية في أكثر مراحل ابداعه خصبا وعطاء 1866 – 1881" .

سيرة آنا غريغوريفنا الزوجة الثانية لفيدور ديستويفسكى تمتلىء بالكثير من تفاصيل المواقف و الاحداث حول حياة صعبة مليئة بالموت والفقد والمرض المزمن و الفقر وكافة أنواع الضغوطات والمضايقات ، رغم لذلك عاشت آنا برفقة فيدور طوال الاربعة عشرة عام من عمر زواجهم قبل ان يتوفى الأديب ، عاشا حياة فيها مشاعر كبيرة وعميقة ، تحولت فيها آنا لاكثر من مجرد زوجة عاشقة ومخلصة ، إلى أم عطوفة وفية ، حيث وقفت معه باصرار وقوة تحمل كى تمد يد العون لزوجها الطيب الكريم لاخراجه من آثار الماضى .

لقد قضيت ظهيرة رائقة بصحبة هذا الكتيب الصغير الممتع ، وتأثرت كثيرا بشخصية آنا غريغوريفنا وعن اخلاصها لزوجها و تفانيها فى خدمته و الدفع به للامام ، واحتمال شظف الحياة برفقته ، و مواجهتها لعداء الآخرين لزوجها بالوسط الأدبى ، وعن السعادة التى منحتها آنا لزوجها العليل فى الاعوام الاربعة عشر من عمر زواجهما و عمر زوجها .


فى أثناء البحث فى الانترنت حول المذكرات عثرت على ترجمة جيدة لجزء من رسائل تبادلها الكاتب مع زوجته آنا ، اعجبتنى كثيرا ، وانتقيت بعض الفقرات التى استوقفنى عمق معانيها وجمال أسلوب تغزل الروائى الروسى فى زوجته وردها عليه بكلمات حب فى منتهى الرقة و الجمال ..



ﭭيودر دوستويفسكي إلى أنَـا



(...) كيف لك بان تتعجَبي، [اني احبك هكذا]، يعني كزوج وكرجل؟

من يغنجَني هكذا مثلك، من استَقر بي، وغزا روحي وجسدي. نعم، وكل أسرارنا في هذا فهي مشتركة. وبعد هذا، تظني بأني غير مجبر على ان أعشق كل ذرة منك، وان اقبل كل شئ فيك، وبدون شبع، نعم فهل هذا يحدث؟ ويبدو، انك بنفسك لا تستطيعين فهم وجودك، وإلى أي حد انت ملاك طاهر إو هذا ما سوف اظهره لك عند عودتي .


وما له، فليكن، إني إنسان مهووس عاطفيا، ولكن كيف لك بأن تفكري ( وإن كنت إنسان مهووس عاطفيا) من الممكن أن أعشق إمرأة إلى حد عدم الشبع، كما واني ألف مرة قد برهنت لك ذلك. بالحقيقة، فكل البراهين القديمة ـ لا تعني شيئاً، أما الآن، عند عودتي، فإني على ما يبدو سوف انهمك. (أعتقد بان هذه الرسالة لن يقرأها احد وانت لا تطلعي احد عليها).



ـ آنَا دوستويفسكي إلى ﭭيودر دوستويفسكي (27 تموز 1876)



(...) أحبك هكذا، كما لو انه لم يوجد على وجه البسيطة أية زوجة احبت زوجها هكذا.



 ـ من ﭭيودر دوستويفسكي إلى آنَـا دوستويفسكي (30 تموز 1876)


 (...) جميلتي، نور عيني، وأملي،.. أطلب من الله بأن يطيل في أعمارنا لنعيش سوياً. وانا من جهتي، فكل ما طال العمر، سوف أحبك اكثر. وهذا واقع !



ـ من أنـّا إلى ﭭيودر دوستويفسكي



(...) أقَبَـل يديك، وقدميك، وعلى وجه الخصوص شفتيك، هذه الشفاه الساحرة.



ـ من ﭭيودر إلى أنـَا


(...) آه، يعني انك تحلمين بي في منامك، وعندما تستيقظين تشتاقين لي، وتحزني لإني لست معك، فيا للهول ما أجمل ذلك. هذا يدل، على انك تحبينني. هذا بالنسبة لي، أحلى من العسل. لدى عودتي، سأنهمر عليك بالقبل، أما أنت فأراك ليس في الحلم فقط، بل في النهار. فأنا اعشقك ليس لهذا فقط، بل لأنك بالدرجة الأولى صديقة لي ـ فهذا بحد ذاته أمر رائع. فلا تخونينني في هذا، بل على العكس، ضاعفي الصداقة بصراحتك الخاصة (التي في بعض الأحيان تنعدم )، عندها سيصبح الوضع عندنا افضل بعشر مرات. فالسعادة ستحصل، آنـَا هل تسمعينني.. أحبيني وانتظريني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق