الاثنين، 30 يونيو، 2014

نساء ليبيا المدهشات ..



اليوم الأول من شهر رمضان يوافق التاسع والعشرون من شهر يونيو وهو اليوم الذى يصادف الذكرى الـ" 18" للمذبحة التي راح ضحيتها نحو 1269 معتقل من سجناء الرأي ليلة 29 يونيو من سنة  1996 والتى اشتهرت باسم مذبحة سجن  بوسليم ، الواقع إلى الجنوب الغربى من العاصمة طرابلس ، قُتلوا ذلك اليوم وتلك الليلة لأنهم طالبوا بتحسين أوضاعهم المزرية في السجن .


كانت أكبر مجزرة جماعية ارتكبها نظام القذافى بحق سجناء سياسيين فى مرة واحدة  ، وظل لسنوات يرفض الاعتراف بتلك الجريمة المروعة حتى انتصاف الالفية الجديدة بدأ نظام القذافى بتسريب اسماء لسجناء قتُلوا ذلك اليوم و تلك الليلة ، وابلاغ أهاليهم واسرهم عن الوفاة دون ذكر الاسباب المؤدية لذلك أو حتى منحهم شهادة وفاة تحمل السبب الحقيقى للموت ، هذا الأمر الذى سبب حنقة وغضب لدى أسر الضحايا ، ومع تزايد الضغوطات على نظام القذافى من قبل المجتمع الدولى أنذاك ، سعى لاقفال هذا الملف بكافة السبل والطرق ملوحا بالتهديد مرة ، وبالاغراء مرة اخرى ، فعرض نظام القذافى  على أهالي الضحايا تعويضات تقدر بـ120 ألف دينار ليبي (98 ألف دولار) للأعزب، و130 ألف دينار (106 آلاف دولار) للمتزوج، مقابل التوقيع على تعهد بعدم مقاضاة أجهزة الدولة في الداخل والخارج.


لكن الأهالي تمسكوا بحقهم في معرفة ما جرى في السجن وأماكن دفن القتلى ومعاقبة المسؤولين، فقاموا بتكوين رابطة للأهالى السجناء وبدأوا ينظمون وقفات اجتجاجية مابين اعوام 2007 وحتى اندلاع الثورة ، لم يشارك فيها إلا اعداد قليلة معروفة ، وكن الامهات و الزوجات والاخوات و القريبات هن الابرز فى هذه الوقفات الاحتجاجية بميدان الشجرة بقلب مدينة بنغازى معيدات للأذهان ذكرى امهات ساحة مايو بالارجنتين ، خرجت النساء  في شجاعة كبيرة لمجابهة القذافى وأجهزته الأمنية الدموية ، بعد سنوات طويلة من الترقب و القلق والقلوب يعتصرها الألم والمعاناة ، وتعالت أصواتهن، هاتفات : (نحنا ما نبوش فلوس ... نبو قطاعين الروس)، ( ان شاء الله ياقتال ضنانا لادفان ولاجبانة ) الأخيرة تحققت فقد قتُل القذافى ولم يدفن فى مقبرة او قبر معلوم ، بل فى مكان مجهول وقبر غير معلوم .

استمرت تلك الوقفات حتى اندلاع الثورة ، وكانت نساء رابطة ضحايا بوسليم هن موقدات الثورة الليبية ، إذ سارعن للوقوف مع احد محامى الرابطة وهو الاستاذ فتحى تربل الذى اعُتقل يوم 15 فبراير عام 2011 فى اجراء وقائى من النظام لادراك القذافى لدرجة الغليان التى أصبحت تقف عندها البلد والشعب المحتقن ، ورغم ذلك لم يحل دون ان يخرج أهالى الضحايا منددين باعتقاله لتصبح الشرارة الأولى للثورة فى ليبيا ضد القذافى . 


خلال الاعوام التى تأسست فيها رابطة اهالى ضحايا المذبحة ، ظهرت الكثير من المواد المسجلة لشهادات و احاديث وقصائد حول أولئك السجناء من نواحى قانونية وحقوقية او انسانية ، ولعل واحدة من أشهر تلك المواد المتداولة شفهيا بين الناس ، وكفيديو عبر اليوتيوب ، القصيدة التى أرتجلتها الحاجة (حمّاله بلقاسم الشيخي) فى رثاء ابنيها ابريك وسالم .


كانت حمّاله الشيخي المولودة فى العام 1918 فى مدينة أجدابيا ، سيدة ليبية تعيش حياة عادية وهادئة لها صفات كل أم بحنانها وطيبتها، تحملت الكثير فى ليبيا الثمانينات التى تعُتبر من السنوات العجاف فى تاريخ ليبيا المعاصر ، فسعت لتربية أبنائها أحسن تربية رغم كل الظروف الصعبة أنذاك ، ولكن القذافى لم ينسى أن يترك بصمته الدموية على حياة وأسرة الحاجة حمّاله ، فألقى فى عام 1989 القبض على ابنها سالم الضابط في الجيش الليبي آنذاك، وهو بعمر السادسة والعشرين ، شخص هادىء ، ومعتدل ، أب لرضيع لايتجاوز عمره أربعة أشهر ، وقد مر نصف العام قبل ان تعثر اسرته على معلومة تقودهم لمكانه بسجن بوسليم  فكانت أول زيارة لاتتجاوز الربع ساعة ، لتبدأ معاناة الحاجة حمّاله فى السفر مرة كل 3اشهر لمقابلة ابنها فى السجن بعد ان سمحوا لهم بذلك قاطعة ألف كليومتر هى المسافة بين أجدابيا و طرابلس حيث يقع السجن ، كانت تتكبد العناء والمشقة ، صابرة على اختبارها الرهيب وكأن والداها سمياها حمّاله مستبصرين شىء من مستقبلها ومصير ابنائها فى ظل نظام دكتاتور كالقذافى الذى أحال حياة أولئك السجناء وأهاليهم لجحيم ، كما أحال حياة من بقى خارج السجون والمعتقلات .


كان أهالى السجناء يعانون الأمرين من سوء معاملة السجانين و وقاحة الضباط القائمين على ادارة السجن ، ومن الظروف المادية الطاحنة ، فقد كانت بعض تلك الأسر تعانى ماديا ً مع تضييق النظام للخناق عليهم وحرمانهم من حقوقهم وملاحقتهم حتى فى ارزاقهم ووظائفهم وفرص الدراسة والسفر ولو الى بيت الله .


لم يدر بخاطر الحاجة حمّاله الشيخي أن معاناتها لن تنتهى عند اعتقال ابنها سالم ، بل ستتعمق  باعتقال ابريك ابنها الأخر وهو الأخ الأكبر من سالم ، وكان ابريك  بشركة نفطية بمدينة مصراته ، فتم اعتقاله فى العام 1995 بعد موجة اعتقالات طالت الكثير من المنضمين للحركة الاسلامية أنذاك بمختلف توجهاتها ومشاربها ، لم يُعرف أى شىء عن ابريك أبداً من يوم اعتقاله رغم الرحلة الشاقة في البحث عنه ، ولم تجد عائلته جوابا لسؤالها عنه لدى السلطات الرسمية او من السجناء المُطلق سراحهم .


لم تتوقف المعانة والقسوة عند هذا ، بل قام عناصر الأمن الداخلى بسرقة منزل ومال ابريك، وطرد اسرته من البيت ومصادرته ، وحتى الاستيلاء على سيارته ،  ورغم ضيق ذات اليد ، ورغم التضييق على الأسرة إلا أن الحاجة حمّاله جمعت أحفادها تحت جناحها لرعايتهم وتربيتهم فى غياب ابائهم ، وعملت جاهدة كى تبقى الأسرة متماسكة وقوية فى ظل ظروف شديدة القسوة ، وكانت تمضى سنوات الانتظار بنظم الشعر الشعبى ، ولم تنتهى المعاناة عند هذا الحد بل تفاقمت مع منع النظام أنذاك لأسر السجناء بالقيام بتلك الزيارة القصيرة التى لاتتجاوز الربع ساعة مرة كل ثلاثة اشهر ، وكان المنع لأسباب غير معروفة ولم يقدم احد من ادارة السجن أى مبررات تعلل أسباب المنع ، وكانت المذبحة قد وقعت يوم و ليلة التاسع والعشرين من يونيو عام 1996 وظل النظام متكتم على ماجرى فى ظل غياب وسائل اعلام حرة  وقوة القبضة الامنية ، حتى بدأ يفكر فى تبرير غياب هذا العدد الكبير وعدم السماح بمعرفة مصيرهم وانقطاع اخبارهم ، فبدأ يسرب فى اسماء الضحايا على دفعات من بداية صيف 2004 ، وكانت عائلة الشيخى من أوائل المبلغين عن مصير أبنائهم ،  فعرفت العائلة أن ابريك وسالم قتلا بحضور عبدالله السنوسى فى تلك الليلة .


فنظمت الحاجة حمّاله قصيدة " أمغير أصبري ياعين لاتطريهم" باكية  أبنائها سالم وأبريك  لتصبح ضمن أروع قصائد الرثاء فى الشعر الشعبى الليبى .


رحلت الحاجة حمّاله عن دنيانا يوم 17 رمضان من عام 2009 عن عمر يناهز الثمانين عاما ، رحلت قبل ان ترى العدالة تتحقق لابنائها و تشاهد تحطم نظام القذافى بكل جبروته وطغيانه .


رحم الله الحاجة حمّاله وكل شهداء وشهيدات ليبيا ، و كل عام ونساء ليبيا المدهشات ، الصامدات ، المقاتلات بشجاعة وشرف وهن بألف خير ، كم اتمنى الا ينسى الرجال بأن شجاعتهن كأمهات وزوجات واخوات وبنات لشهداء مذبحة بوسليم وصمدوهن امام آلة الترهيب والقمع والتخويف لنظام القذافى المجرم ماكنا اليوم نعيش فى ليبيا جديدة ، مختلفة عن ليبيا اللون الواحد والفكر الواحد والافق المسدود .

نص القصيدة:  


مغير إصبري يا عين لا تطريهم ** بريك وسالم لي لا تجبديهم

لا تجبدي سيرتهم

ولا تجبدي الساعه إللي شالتهم

نا طامعه قبل في جيتهم

واليوم مايساوي العقل سوقه فيهم

**

مشوا في سوقه

بريك وسالم يابعاد الشوقه

ما حسبت خباره تجينا سوده

إثنين إللي نراجو فيهم

**

جتنا بوقه

إساعه حداش على سماح التوقه

تمت معانا نارهم موقوده

يوم الخبر ياما صار ياما فيهم

**

تمت عشيه

صالح يغرد والدمعه سخيه

علي بريك وسالم ماشيين ضحيه

ونحنا غافلين ماعلمنا بيهم

نصدقوا في كلاب على قصاد النيه

يقولوا طيبيين وما سو يجيهم !؟

ما حسبت نبقى بلاهم حيه

غير الأيام لاسبد ما نوفيهم

**

كاتبه مولانا

غيباهم هلي هم حدود منانا

خلوا خوتهم سامرين حزانا

لا الدمع كف ولا النوم يجيهم

نا طالبه من ربنا سبحانه

نريده يصبرهم وينسيهم

**

ما تجبدي غيابي

بريك وسالم من خيار شبابي

نا اليوم خلوني مغير نكابي

ناخذ الليل ونا نهاتي بيهم

**

ما تجبدي منامي

بريك وسالم كانهم قدامي

ننقانهم قهروني في عقاب زماني

إمفيت يصبرني الله عليهم

**

ما تجبدي الرفاقه

بريك وسالم إللي لهم مشتاقه

ننقانهم عقوني اليوم شينك عاقه

لا مغير علينا لا مغير عليهم

إصبري يا عين لا تطريهم ** بريك وسالم لي لا تجبديهم

هناك تعليق واحد:

  1. نساء ليبيا لسن استثناء، ففي تاريخ الكثير من المجتمعات كن النساء على موعد لتحقيق التغيير في مجتمعاتهن، من الاستبداد إلى الحرية؛ الأرجنتين و إيرلندا و ثورة 25 يناير في مصر.

    النساء من أسر ضحايا مذبحة بوسليم، أمهات و زوجات و أخوات و بنات، وقفن بشجاعة في وجه آلة الإرهاب للنظام الهالك و بصمودهن ذلك تمكن الليبيون من كسر جدار الخوف و استعادوا الثقة في بعضهم البعض و تمكنوا من مواجهة نظام الطاغية.

    تحية لهن على مساهمتهن الشجاعة يوم كانت المجاهرة بمعارضة الطاغية تكلفتها باهظة.

    شكرا على هذه التدوينة التي تسلط الضوء على إحدى المجاهدات، نسأل الله أن يغفر لها و يرحمها و يجمعها بأبنائها و يجمعنا بهم جميعا في الفردوس الأعلى.

    أحمد القصير

    ردحذف